طريق الديمقراطية محفوف بمعضلة الحرية وإقصائية الدكتاتورية

بقلم : أبوعادل /عمر محمد صالح dhnet2010@hotmail.com

قبل أن ندلف الى الموضوع المخصص لهذه الحلقة وددت لو عرًّجنا قليلا كنظرة عاجلة على الحلول المطروحة من قبل المدرستين الإمريكية والإنجليزية اللتين تناولناهما سابقا ، لنضيف الى ماذكرنا أن تلك الحلول ذاتها لم تنشئ الواقع الديمقراطي المنشود ولم تعالج الخلل الموجود في تطبيق الديمقراطية وبالتالي لاقت المدرستين نتيجة ذلك نقدا لازعا لعدم تحقيقها المشاركة الواسعة المطلوبة ، و أصبحت هذه الآثار ملاحظة بشكل عام  في الفئة القليلة جدا من الناخبين  المشاركة  في الإنتخابات  العامة  وذلك بالمقارنة الى الكشوفات  المسجلة حسب التعداد الأصلي لكشوفات الناخبين لكل دائرة على حدى ، هذا بالإضافة الى أن  الذين شاركوا لم يصوتوا لصالح السياسات بل  لصالح الممثلين أوالنواب مما يؤكد على وجود فراغ تنظيمي في هيكلة البناء السياسي المعتمد لترجمة أهداف ومبادئ الديمقراطية  .. فإذا كانت المشاركة الواسعة في صنع القرار السياسي هي أساس الديمقراطية أصبحت أمر نظري لا وجود له على أرض الواقع …  فهل سيكون حال التعددية  أكثر من شعار يطرز به جدران الشوارع والمنتزهات لتعبيئة الرأي العام لصالح  المتنافسين على مقاعد الرئاسة والبرلمان ، وهل لدى النخبة  الإرترية المثقفة وناشطوها السياسيون والمدنيون حلول لهذه الإشكالية المنهجية  التي تمس جوهر البناء الديمقراطي وتهدد وجوده كخيار جماهيري معبر عن طموحاتها ومترجم لمطالبها  وحقوقها السيادية (الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والثقافية ) ، وهل ستلقى تلك الحلول قبول من قبل محتكري مجال التنظير والتشريع السياسي من خلال حصره داخل أقبية الأحزاب السياسية وقياداتها التأريخية .؟.. بإعتبار أن وجود نخبة ثقافية مجودة للأداء التنظيري وقادرة على عكس المفاهيم السياسية الضرورية اللازمة لمعالجة الأزمات فور حدوثها ولخلق بيئة خصبة مساهمة في تهيئة الظروف الموضوعية اللازمة لإستكمال البناء الديمقراطي في إرتريا وفق متطلبات الممارسة الموائمة المستمرة بين مكوناتنا الثقافية والفكرية والأخلاقية وبين مكونات المحمولة داخل النظرية الديمقراطية (المشبعة ببزورثقافية وفكرية وأخلاقية تناسب البيئة الغربية) ، متجاوزين بذلك الفراغ  المفاهيمي و الفجوة التنظيمية الموجودة في البناء السياسي المحمل من الغرب كي لا نستنسخ دون وعي منا ذات البيئة التي شب فيها الصراع الدموي الذي أنتج هذا المفهوم أول مرة وجعله الوصفة السحرية للشفاء من مرض الحروب والنزاعات الطائفية آنذاك ، بمعنى أن عدم وجود بوصلة فكرية ونخبة ثقافية إرترية مستقلة ومعترف بها ككيان تنظيري يواكب الممارسة ويعمل على توجيهها وإستكمال السقطات والفراغات التي تظهرها الممارسة العملية فور ظهورها سيؤدي الى تفريخ الوضع المأساوي الذي عانى منه الغرب سابقا ، وعليه نعلن بوضوح أن هذا الكيان التنظيري هو المطلوب أو المفقود الآن لإحداث التحول الديمقراطي المنشود  .

بعد هذه التقدمة القصيرة نرفع الغطاء عن موضوع حلقتنا والذي هو إمتداد للحلقة السابقة ، حيث تعتبر التعددية الدينية  الجزء الذي لا يتجزء من منظومة التعددية (أو ثقافة التعددية) لأنها تسير في وحدة موضوعية للتأكيد على أهمية التعدد بشكل عام وبناء المجتمع على هذا الأساس الموضوعي الذي أصبح المفهوم العصري للحياة الإنسانية (السياسية والإجتماعية والدينية) ، وكلمحة تأريخية نذكرأن هذا المصطلح نبت في أوروبا وأمريكا عندما كان تأريخها مثخن بالجراح والنزاعات والحروب الدينية التي ساد فيها فكر إستضعاف المخالفين في المذهب الديني ، بمعنى ان المقصود ليس فقط إستضعاف أصحاب الديانات غير المسيحية بل بين الطوائف المسيحية نفسها ، ولعله لازالت بعض جمراتها مشتعلة خلف الرماد ، ذلك ماكان يحدث في البلدان الغربية خاصة إيرلندا وأرض البلقان ، ومن ثم فإن هذا المناخ الدموي والصراع الطائفي والفئوي هو الذي شكل الأرضية الخصبة لنمو العلمانية وإنتشارها من بعد ذلك بسرعة البرق من أجل إطفاء تلك النيران المشتعلة التي أحرقت الأخضر واليابس وكادت تطوي صفحة الوجود الأوروبي برمته وتحيله الى مجرد ذكريات تسطر في ذكريات الأمم الأخرى (كمثلث برموذا الغامض الذي قيل عنه أنه كان يمثل حضارة قديمة طمست لأسباب مجهولة)  .

ومن ثم نستهل هذا السرد بالتساؤل عن مرجعية إنجذابنا الفكري لهذه النظرية الغربية (العلمانية) المبنية على فكرة التعددية الدينية (نظريا وإقصاء هذا التعدد واقعا) والتي لاقت إنتشارا واسعا وساهمت  في تغيير مسار التأريخ الغربي باتجاه رفع الظلم الناشئ عن الصراع اللاأخلاقي وتغليب العلمانية كمبدأ إجتماعي وسياسي وثقافي على غيرها من المبادئ  ، وبغض النظر من كون أن هذه الفكرة نجحت في إمتصاص الضغط الذي تشكل حينها نتيجة الإنتماء الديني (المتعصب) وأدى ذلك الى إخلاء منابر السلطة السياسية والإجتماعية والثقافية من نوازع الإنتماء الديني خوفا من عودة تلك الأجواء الدموية الطاحنة . إلا أن هذا الإنتصار الذي سجلته العلمانية هناك وإستطاعت من خلال تهميشها للمبدأ الديني أن تقتلع أسباب الحروب الأهلية في الغرب وترسي مكانه صراع سياسي مبني على مبدأ الإعتراف بالتعدد الديني وحصره في الممارسة الشخصية بعيدا عن مراكز توجيه المجتمع وصناعة القرار ، لم يتأكد إلا بالإستجابة العقلانية لأحكام هذا التوجه الثقافي الجديد ومن ثم قبوله كمفتاح للتعايش القائم الآن بين الأديان وبين طوائف الديانة الواحدة (أي المسيحية) في الغرب ، ونحن حتى هذه الخطوة لا ممانعة ولا خلاف لدينا في أن يتخذ الغرب الوجهة التي يريد طالما أن هذا الخيار صدر عن الفرقاء داخل المنظومة الإجتماعية للغرب ليكون واجهته السياسية العامة التي إختارها بإرادته دون تدخل من أحد أو مجتمع آخر، وبنفس القدر يملك المجتمع الإرتري كمجتمع حضاري مستقل ممثل في شعبه ومثقفيه وناشطيه السياسيين والمدنيين وكافة مكوناته المختلفة أن يحدد خياره السياسي والثقافي والإجتماعي المعبر عن رغبته هو وحده لا العكس ، ومن ثم توجب من باب المنطق التأريخي أن لا يكون ذلك النجاح الذي تحقق في الغرب هو الإمتداد الشرعي لنجاح النظرية لمعالجة الأزمات والخلافات والصراعات لبقية المجتمعات الإنسانية كخيار قسري لا تقتضيه سوى قبولنا لمبدأ  التبعية لذلك المجتمع ، إذ لا يوجد مبرر منطقي لهذا الإقتران سوى أننا لم نعد نملك سيادتنا الفكرية والثقافية والإجتماعية وبالتالي السياسية  داخل إرتريا ، وهكذا يترتب على ما سبق أن نعلن بأننا سنعيش بعد إسقاط النظام الديكتاتوري مرحلة إستعمارية (إختيارية) تقتضيها النقلة الحضارية الجديدة من قبل الغرب (كمايحدث في العراق وأفغانستان أو تركيا والدول العلمانية الأخرى التي لم تصل رغم علمنتها المبكرة بعد إستقلالها أن تحقق النجاحات التي يدعيها الغرب)، ومن ثم نستطيع القول أن إستقلالنا وماتبعه من رفع للعلم وحمل للجوازات الإرترية وتدشين لمؤسسات دستورية وحكومية مستقلة هي مجرد ديكور القصد منها إخفاء إستراتيجية المستعمر الذكية لإدارة المجتمعات الغير حضارية (أوالغبية حسب إنعكاسات رؤيته الإستعلائية ونظرته الفوقية لدول العام الثالث ) ، ومن ثم توجب علينا والحالة هذه الإنتقال القسري الى حياض الرعاية الغربية كصاحبة شرعية لسيادتنا الوطنية وبالتالي مديرة لحراكنا الوطني الذي يتطلب منه قبول الدعوة الأممية أولا وإتباع نموزجها الفكري المحدد لأبعاد الثقافة والسياسة الإنسانية ثانيا تماشيا مع ميراثها الإجتماعي ومخلفاتها التأريخية السابقة التي أصبحت أساساً لبناءها الحضاري المعاصر، هذه هي الصورة التي إنعكست تلقاء نفسها بعد الحملة المسعورة التي أدارها الغرب عبر أساطيله وبوارجه الحربية للترويج والإنزال القسري لمنهج سلوكه في الحياة كمعتقد إجتماعي أصبح أساسا لبناء المجتمعات الأخرى ، فهل ستتقبل القوى السياسية الإرترية المؤمنة منها بهذا المبدأ ديباجة هذه الدعوة لمجرد أنها السبيل الوحيد لتسلم زمام السلطة في إرتريا متناسية ماسيصحب هذه الخطوة من تنازل مباشر عن سيادتنا الفكرية والثقافية ومن ثم السياسية والإجتماعية لتصبح الدولة التي نناضل اليوم من أجل تحريرها من القبضة الإستعمارية بثوبها الجديد (الهقدف) ميراثا غربيا تحكمة إدارتها عن بعد …أم ماذا ؟، إن كانت الأولوية لديها في هذه المرحلة تقتضي المناورة والوصول للأهداف بأقصر الطرق ، فما هي إذن الضمانات التي وضعت كصمام أمان يحمينا من  الوقوع في الفك الإستعماري مرة أخرى ، هذا ما يدفعني ويدفع كل الحادبين على مصلحة الوطن للنقاش حول هذه القضايا الحيوية التي لا تهم المتنافسين على مقاعد السلطة وحدهم بل تعني كل إرتري بزل مالديه من غال ورخيص من أجل تحرير الوطن وإنعتاقه الى الأبد ولكي لا ينهدَّ البناء الذي أسسه الشهداء وتركوه لنا كأمانة تأريخية تستدعي التضحية منا أيضا للحافظ عليها .

إننا أمام محك مصيري يحمل من الخطورة والتهديد للسيادة كأبعد ما يمكن للعين أن تراه أو الأذن لتسمعه أو العقل ليدركه ، محك يتطلب منا كإرتريين مخلصين لشعبنا ولوطننا الحبيب لقلوبنا أن ننتفض بجد متناسين كل الفوارق المفصلية لمكوناتنا الدينية والثقافية والقومية والإقليمية ، منطلقين من مبدأ واحد هو أن إرتريا لنا جميعا وبالتالي حمايتها يقع على عاتقنا جميعا دون فرز ، وأن إرتريا قبل أن تكون حجارة وتربة نقف عليها أو نبني من مكوناتها هذه مساكننا هي في المقام الأول رمز لوجودنا وتعبير عن هويتنا وإعلان عن رغباتنا ومطالبنا في صورمتعددة لا يمكن حصرها ، ذلك لأن كل مايصدر عن مكونات المجتمع الإرتري من عادات وتقاليد وأعراف وأخلاق يجب أن ننظر له على أساس أنه يمثلنا نحن الإرتريين جميعا هذا لكي تكتمل صورة الولاء والإنتماء لدينا  ثم بعد هذا تأتي التفاصيل التي تميز هذه المكونات لتجعل الصورة تنقسم الى قوميات والى أقاليم تحتفظ لنفسها بمكون محدد لثقافتها وأخلاقها ، ذلك ليجتهد كل فرد ينتمي إلى (هذه التضاريس الإجتماعية) في دعم هذه الصورة ببعدها الوطني الشامل لتأكيد معالم الوحدة الوطنية الإرترية  ليس أكثر ، هذا هوالإطار الذي على الديمقراطية الغربية أن تحترمه  كأساس يسبق الأسس الخاصة التي إعتمدتها المجتمعات الغربية سابقا لرسم ملامح الديمقراطية  موافقة مع إفرازات قالبها الإجتماعي المتحول، ومن ثم نجد أن محاولة طمس وإفراغ القالب الثقافي والديني والأخلاقي الذي يمثل المرجعية الأساسية لكل الإرتريين (كما فعل الغرب لإنجاح عملية التنزيل لبرنامج العلمانية الشامل)… لمجرد نزوة إنجاح القالب الغربي وإجراء نفس الخطوة التي إتبعها الغرب .. يعتبر تعدي سافر في حقنا كإرتريين .

إذن فإن ملتقى الحوار القادم يجب أن يتناول هذا الحق بصورة واضحة للتأكيد على أن النظرة العلمانية لدى الغرب لها ظروفها الخاصة التي جعلتها متطابقة مع واقع مجتمعاتها ولن يصلح إستنساخها بأي شكل من الأشكال بل علينا ترقية التعددية كمبدأ ديمقراطي الى مستوى الحياد الذي في فشل الغرب في تحقيقه ، وذلك لأن العلمانية التي تأطر هذا المبدأ (مبدأ التعددية) وتحتضنه لها تصورها للحقيقة وللقيم الأخلاقية ولمناهج الحياة جميعها مثل أي تصور ومنهج آخر تقدمه الأديان ، ومن ثم فإن إعطاء العلمانية سلطة الهيمنة على غيرها من المناهج الأخلاقية (المنبثقة أساسا من القيم الدينية ) يعتبر إستبداد وظلم فاضح لا يمكن قبوله .. هذا بالإضافة الى أن جعل العلمانية الحارس الأمين للتعايش السلمي بين الأديان والطوائف أصبح يواجه طعنا في خاصرة الحيادية التي تدعيها  وذلك للأسباب التي أصبحت ظاهرة إجتماعية تؤكد تظلم الطوائف الدينية الأخرى في الغرب عدا الطائفة التي تمثل المؤسسة الرسمية والأمثلة كثيرة على مثل هذا التمييز . يتبع ………….

لاتوجد مواضيع ذات صلة

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=1537

نشرت بواسطة فرجت في فبراير 8 2010 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

Recent Videos

Loading...
تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010