الأرتريون … بين غربة الترحال وصراع الأفيال !؟

عمر جابر عمر

بعض الشعوب ترمى بها أقدارها فى مواقع جغرافية تشكل ليس حياتها اليومية فحسب بل ومستقبلها وأمكانية أستمرارها كدولة ناجحة. وأذا أضيفت الى تلك المصيبة القدرية آفة أخرى – غياب الحكم الرشيد – تكون الطامة الكبرى. لذلك يقول المثل السودانى ( الجار قبل الدار) – لكن فى حالة الدول لا يمكن أن تختار جارك !

يقول أحد رؤسا ء المكسيك عن حالة بلاده ( أن مشكلتنا أن بلادنا قريبة من أمريكا وبعيدة عن الله ) !

مسار هكذا شعوب يمر بمنعرجات ومنحدرات — صعودا وهبوطا – والخط البيانى لأرتريا يشير الى أنها تسير الى الأنحدار…كيف ؟

1- دولة تتآكل وتحتضر.. دون أن تترك موروثا يبشر بأمكانية حدوث بعث فى المستقبل المنظور ..

2- شعب يهاجر ويغترب –جيل ما بعد الدولة يعبر الصحارى والبحار بحثا عن ملجأ آمن – يموت البعض فى الطريق ومن يصل سالما يواجه مجتمعات لا يستطيع التعايش معها والأندماج فيها وفى الوقت ذاته يعيش حالة أنقطاع عن التواصل الأجتماعى والعاطفى مع مجتمعه الأ رترى …

3- معارضة تعيش فى المنفى وتحاول التمسك بالحياة وأن تسبح وسط الأمواج العالية – تحاصرها حيوانات البحار وأذا لجأت الى اليابسة تفترسها وحوش الأ رض.

كل ذلك كما يقا ل ( كوم) وما يعانيه الشعب الأرترى من جيرانه ( كوم ) آخر..

أرتريا تقع بين ( فيلين) يتصارعان طوال تاريخهما وأذا تصارعت الأ فيال كانت الضحية ( الحشائش ) –وفى هذه الحالة هى أرتريا … منذ منيليك ويوهنس وحتى هيلا سلاسى ومنقستو من جانب .. ومن جانب آخر دولة الفونج والمهدية وحتى نميرى والبشير …وبالرغم من أن الأفيال تتشابه فى طباعها وخصالها وسلوكها الا أنها تختلف فى تجاربها وما تختزنه فى ذاكرتها وبالتالى يحدد أهتماماتها المباشرة. لنرى كيف يختلف الفيل الأثيوبى عن الفيل السودانى :

أولا – الفيل الأثيوبى..بعد صراع مرير مع ( أسد يهوذا ) الوهمى أنتصر هذا الفيل وتربع على العرش– لكنه يحمل ذكريات طويلة ومريرة من الأضطهاد والتهميش والأبادة ..لذا فهو مسكون بهم المستقبل ويتحسس موطىء أقدامه ويحرص على تأمين ظهره .. كان متفائلا أنه وجد ( أبنا ء عمومته ) بجواره وبذلك كان يوعد نفسه بسنوات من الأستقرار والرخاء ..لكن الطعنة جاءت اليه من حيث لم يحتسب وكانت حرب ( بادمى ) ..

أنتصر فى تلك الحرب وأستعاد ما كان يريد وكان فى مقدوره الدخول الى العاصمة الأرترية ( أسمرا ) وأسقاط النظام لكنه لم يفعل ..ليس بسبب ضغوط دولية ولكن كما صرح مسئول أثيوبى رفيع ( أسقاط النظام كان يعنى تسليم السلطة لقيادات مثل – أبو القعقاع وأبو الدردا ء ) !؟ وعندما سألوه عن تفسير ذلك قال ( التنظيم الأرترى الوحيد الذى كان مؤهلا عسكريا وجماهيريا لأستلام السلطة هو حركة الجهاد الأسلامى الأرترى ) !؟ بعض التنظيمات الأرترية المعارضة لم تسمع ذلك .. وبعض التنظيمات الأسلامية لم تفهمه ..

ومن بعد ذلك بدأ الفيل الأثيوبى يبحث عن البديل … أقترب من التجمع الوطنى المعارض فلم يجد الا تنافرا وصراعات بين مكوناته ..ثم حاول مع التحالف الديمقراطى لكنه لم يسمع غير أتهامات متبادلة ومحاولات أقصاء وتهميش ..

ثم كانت المحاولة الأخيرة ( مؤتمر أواسا ) – وظن الجميع أن الفيل قد وجد أخيرا من يطمئن اليه …لكن المفاجأة كانت أن من جاء اليهم يتحدث بلغتهم كان يضع ( العما مة ) على رأسه ؟  ماذا بفعل ؟ أخذ الأمر بيده وقرر أن يبدأ ( خلق ) البديل والذى هو ليس شخصا بعينه أو أشخاص بل ( منظومة متكاملة ثقافيا وأجتماعيا وسياسيا ) من القاعدة الى القمة .. ثم تأتى القيادة بصورة تلقائية من تلك المنظومة ).

 كانت الخطوة الأ ولى ( أجتماع المثقفين ) – ثم الشباب – ثم الطلاب ثم المرأة وهكذا حتى يكتمل البنا ء.. أما المجلس الوطنى سيكون دوره أدارة المراسم والتشريفات وأفتتاح المؤتمرات ومباركتها …وتسويق السياسة الجديدة ..

ذلك هو قدركم يا قوم فأ نظروا ما ذا أنتم فا علون ..

ثا نيا –الفيل السودانى   وهذا فيل عجيب.. لا يفكر فى غده بل يعيش ليومه – يبحث عن الحشائش الخضراء والماء العذب والظل الظليل !؟ فقد ثلث أرضه ( الجنوب ) فرقص طربا وهلل فرحا .. أهتزت الأ رض من تحته فى الغرب وشبت النيران فقال ( طظ ) فى المجتمع الدولى ..فتح بوابته الشرقية لأبناء أرتريا ..جعلهم جزءا من منظومته الأجتماعية والثقافية لضمان كتلة أنتخابية تقف معه فى الأحتفاظ بالسلطة …جعل من الشرق ( غابة ) يسرح ويمرح فيها من شاء – تجار السلاح والبشر من الرشايدة – الفاسدون من عناصر الأمن والأدارة فى الأقليم وعناصر الأمن لنظام أسمرا … أصبح الشرق بأختصار ( وكالة ) بلا بواب – وغابة يسرح فيها من له القدرة على السرقة والقتل ..حالة قال عنها شاعر الشعب السودانى ( محجوب شريف ) :

حليلك بتسرق سفنجة وملاية

وغيرك يسرق خروف السماية

تصدق فى واحد يسرق ولاية ؟!

ما العمل ؟؟ ليس لدى ( وصفة سحرية ) أقدمها … ولا أعتقد بأن هناك من يملك مثل هكذا مخرج ..لكننى أعرف كيف الوصول الى ذلك :

1- عندما سألوا العلامة ( الجوهرى ) عن ( أعلم الناس ) قال : كل الناس !

لا بد من أن يجتمع كل الأرتريين على كلمة سواء .. دون أقصاء أو تهميش أو شكوك .. لا بد من البحث عن رؤية موحدة وموقف مشترك ..لابد أن يكون ( العجين ) أرتريا والخلطة كذلك وحتى المذاق والنكهة …

2- الأ ستعانة بألأصدقا ء والحلفاء أمر مشروع وله قوانينه وضوابطه .. الأفيال حيوانات تحب الألفة ومن السهل أن تصادقها وتستعين بها ..شريطة أن لا تطعنها من الظهر ولا تعطيها ظهرك !!

آخر الكلام

@ رحل ( ملس زيناوى ) القائد الأثيوبى الفذ … ومن حق الشعب الأثيوبى أن يحزن عليه فقد كان قائدا لمسيرة البناء والتغيير الديمقراطى والتعايش بين القوميات .. ومن واجب قادة أفريقيا والعالم أن يشعروا بفقده فقد كان زعيما أفريقيا يعمل من أجل أستقرار القارة وسلامها … لكننا كأرتريين لنا ما نحفظه للفقيد …فقد أتخذ من المواقف والخطوات ما ساهم فى تشكيل ووجود الدولة الأ رترية. فى مؤتمر منظمة الوحدة الأ فريقية فى ( أبوجا ) وبتشجيع من أمريكا قامت بعض الدول الأ فريقية بمحاولة تمرير قرار بأعادة ( الفدرالية ) بين البلدين …لكن زيناوى رفض ذلك وتمسك بحق الشعب الأرترى فى تقرير مصيره. وفى الأستفتاء وقفت حكومته الى جانب الأرتريين المقيمين فى أثيوبيا أعلاميا وتنظيميا لممارسة حقهم فى التصويت. ثم يوم أعلان الأستقلال جاء الى أسمرا وخاطب الأ رتريين مهنئا بالحرية ..وقد كنت هناك فى ذلك اليوم وأستمعت اليه ( ومن المتبع بروتوكوليا أن يتحدث أى رئيس بلغة بلاده الرسمية لكنه ترضية للجموع قرر الحديث بالتقرنية وقال ( دس كبلكم ..) أذن كا ن أول رئيس أثيوبى يعترف بأستقلال أرتريا.

ثانيا – بعد حرب بادمى منع القوات الأثيوبية من دخول ( عصب ) وعندما سألوه فى البرلمان الأثيوبى قال: أن عصب مدينة تابعة لدولة ذات سيادة ! ذلك ما تسبب له فى صراعات داخلية مع صقور النظام الذين لا يعترفون بأستقلال أرتريا.

ثالثا – عام 2009 وجد تنظيمات المعارضة الأرترية غارقة فى جدال عقيم بعضها يطالب بحق تقرير المصير( القوميات ) وبعضها يطالب بالشريعة( الأحزاب الأسلامية ) – أجتمع بهم وقال لهم : ما لكم يا قوم تضيعون وقتكم وجهدكم فيما لا يفيدكم …هذه قضايا يناقشها ويبت فيها البرلمان الأرترى المنتخب بعد تغيير النظام …وتراجع الجميع عن مطالبهم وكأنهم كانوا بحاجة الى من يوقظهم من غفلتهم ! نتمنى أن يتجاوز الشعب الأثيوبى هذه المحنة ويواصل مسيرته لتحقيق السلام والأستقرار فى المنطقة.

@ الشكر والتقدير لكل من سأل وأتصل ليطمئن على صحتى .. وأسأل الله أن لا يريهم مكروه والحمد لله أنا بألف خير وقد عدت الى سابق صحتى بعد الوعكة الطا رئة .

وعيد سعيد وكل عام وأنتم بخير

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=25422

نشرت بواسطة في أغسطس 28 2012 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010