ساواب

(أن تحب وتخسر أفضل ألف مرة من ألا تحب إطلاقاَ )

لويس أَرجوان   

تُحمص قلوب الرواد مع حبات البن ، لتنكأ فيّ جرحاً ، وتتعثر الأحرف لتتلاشي مع بخور أنفاسها ، تتهاوي أنجم في فضاءات قلبي ، أعتصر اللذة متجرعاً كأسات الصبر ، وهي مُتدثرة بثوب الكبرياء ،  وشئ قليل من العفة . *تربال * يغرق في بركة هواها ، يحترق وهو يغرس الأمنيات مع شتلات البصل  . يشتمُها في رائحة البن ، ويراها في خضرة الحقل الممتدة أمام ناظريه ، مُتوسدٌ صوتها ، وهو يحكي لها عن النيل الذي جرف أشجار النخيل التي تشبة رفيف خطواتها ، يُقدم لها قلبه هديةً ، وهي تُقلب القلوب في كل لمحة ، وفي كل لحظة أضبط أحد المعجبين متلبساً ، وحتى ذاك الشيخ المتصابي  يسترق السمع ، وهو يتجرع حسرته مع الحليب ، تضغط أزرار الجوال فإذا به خارج نطاق التغطية ، وهي  ترتشف الشاي وأنا أَحاول أن أدنو منها ، تبدي النفور دوماً ، غير إن عينيها تضُج بالتوسُل وتبتهل لي لأغدو أكثر جرأة ، مثل ذاك التربال المكتو بنارها . أطراف المدينة غاصة بفتيات الشاي ، وأشياء أخري يمارسنها خفية . أختلي بنفسي وطيفها ،  وهي منتصبة أمامي في الناحية الأخري من الشارع  ، تُحدثني عيناها لأتغابي ،ولكن يُراودني أحساس بأنا نتعارف مُنذ أمد بعيد فالغنج في حديثها ، وضحكتها تُشبه طريقة إحتسائي للبن  . سائق سمج يتفوه بعبارات سوقية لترسل ضحكة تهكم مُتهتكة ، يحس بوخزاتها في أحشائه .

أتمتم

(بعض الرحيق أنا والبرتقالة أنت

يا حانة مفروشة بالرمل ) .

تقاطعني

  • سجمي دا ما شعر

أتأمل تلكم الحانة الرملية  في مخيلتي والمخيلة السودانية والقوم مفترشين الرمل ومتوسدين حقق الصاعوط ، والكؤوس تدار  من علي يد *الكنج *

تقطع علي حبال سرحتي . وفناجين القهوة تدار بطقوسها المتفردة ، وأنا أتمرق في وحل أحزاني ، طاحونة تدور رحاها لتشاركني بعض من ألآمي ، كل الأعين تمتلء بالرغبة  ، والتوجس يرمي بظلاله علي أهداب البخور العدني ، لتنبجس عيون الحكاوي من ذاك الفتي الأمدرماني ،الجالس قبالتها ،  تدري ما يريد ولكن تتعمد التغابي  ، لأستلقي على صمت الهجيرة ، أتحسس مساحيق العهر وهي تغطي وجوه الحاضرين .

أنسرب في حلم ممتطياً براق نهديها ، وهي غائبة هذا النهارالذي تمر ساعاته متثاقلة ، وأحداثه متلاطمة  ، شاحنة تدهس طفلة ، بغي تُحاول الإنتحار ، حريق يلتهم أحدي الحانات ، وأنا أحبو على رمل المسافة بيننا، والذي يُبطن فجيعتي .

– وأنت تدقين مسامير نعشي على عُتمة شَعرك ، جارة لها تُبدي لنا  حياءاً مصطنع ، وهي تقطع علينا خيوط الحكاوي ، أدير مؤشر قلبي فإذا به مُتوقف عند محطات خوفي منك عليك وأنا اراقب إندلاق الرغبة يظلل اللحي ، لتنطلق فيهم ألحان من الحرمان .

– سيدتي لجسمك عطر شديد الغرابة يقع في بقعة ما بين قلبي وخط الإستواء فيه شئٌ من رائحة البن وأريج البرتقال ، أيسكُن فيّ أم أنا مسكون بجنونه ؟ وتتناثر من شفتيك الخبز والحلوى ، تحدثني عن كثرة راغبيها ، وهو يشكو لها ليالي الوحدة والحنين للديار، والنخلا ت التي جرفها النيل ، تضن عليه باللقيا ، ليهيم شوارع المدينة الحديثة باحثاً عن راحلة تفضي به لتخوم قلبها ، فإذا بها أمامه بصطدم بجذور هواها , وهو يشتل بنات أفكاره في تربة أردافها ،  وهي تشد ستائر  الخفر .

إبتسامتها مشهد سافر للدفء ، أطبع قبلة على خدها عنوة ، فإذا بها تعلق اللوحة على جدار قلبها (أوتدري ياصفي القلب !! مايلج توأمك المقهى حتى تبدي الإرتباك ، و تنبثق في ذهني صاحبة تلكم الحانة الأسمراوية، وهي تقول مشربي ، وكل مأ فيه تحت أمرك يا سيدي ” تهيت لنا كل شئ في  غرفتها الخلفية الخاصة ، وهو يشبهك حد التطابق – الاسم، القامة الفارعة ، الضحكة ، واليد الممدودة للمصافحة دوماً، حتى تلكم القبلة الضائعة يحمل سمتها . غير إنه ممتنع عن إغواء تلكم النجمة ) .

في ذاك الصباح الغائم أنفض عنيّ غبار حبها ، وشوارع البلدة مغتسلة ، لأتوكأ على ما فيّ من بقية فخر ، وأروي لكم قصة إنزوائي في هذه المدينة التي لست أدري أهي/ المعسكر / أم الوادي / أم الورنوب / التي قامت على زراعة الخُضر ، وأشياءٌ أُخر تمارس في الخفاء ، ونصف هذا الكأس يشطرني لنصفين ، لأفتح صفحات البريد الألكتروني فإذا  برسائلي كلها معنونة بإسمها ،أحاول أن أمسك بقصاصة أفكاري ، وأكتب على سحب من الدُخان ، ورُقعة تشبه كفني ، لأسجيها من على حبر كلماتي التي كانت أحياناً تقع على مسامعها كالشرر المتطاير من موقدها .

وهي تزرع المقهي جيئة وذهابا . أسألها

– ماذا لو جمعنا عدد خطواتك على خط مستقيم ! أين لأوصلتك ؟؟     – إلى تخوم قلبك القاسي                                                  – ألا تشتمين رائحة الشواء

تجيب باسمة .

وحينها أسحب قابس الكهرباء عل موجات إرسالها تنقطع لأتوسد سراب أحلامي ، وتمدد غُيوم ذياك السراب وهى تقول( أنيب دوان هوك). ليتردد صدى صوتها بلحن بجاويّ قديم  ويعم الوادي ……. (ب ا  د و ن ا …   بـــــــــــــادونـــــــا  ……………… بادونا )

 

 

* أنيب دوان هوك : أريد أن أنام بالغة البيجاوية

* بادونا : لا تنام وهي مطلع لأغنية تراثية البداويت

ساواب :- (باللغة البجاوية) وادي ساوا في غرب أرتريا

تربال :- الفلاح )بالعامية السودانية(

الكنج :- ساقي الخمر

الورنوب :- مقطع موسيقي بالربابة

أنيب دوان هوك :- سوف أنام (باللغة البجاوية)

بادونا :- لا تنام (باللغة البجاوية)

 

حسن محمد إدريس

أسمرا – أرتيريا

 مارس/2006

 

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=33830

نشرت بواسطة في مارس 20 2015 في صفحة القصة القصيرة. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010