تُكو (2)

قصة بقلم : محمد علي نور حسين

فور هروب (إسياس) تم إستدعائي لمكتب الضباط مرة أخرى .. كنت أعلم ما سيواجهني في الداخل ولكن لم يكن في يدي أن أفعل أي شيئ مطلقا .. دخلت نفس المكتب الخاص بالإستخبارات و وجدت نفس الضابط ولكن هذه المرة كان برفقته شخص أخر .. شخص لم أراه قبل اليوم ، نظر الضابط نحوي وطلب مني الجلوس وهو شيئ لم أتوقعه أبدا .. لم أستطع الجلوس فقد كان للضابط والمكتب هيبته ألتي كانت تمنعني من أن أتحرك من مكاني أصلا .. ولكنه كرر الأمر بصورة أشد وقال لي لا تخف فلن نقوم بضربك ، جلست وأنا أتوقع أن يحدث لي أي شيئ في أي وقت .. لم أهتم بالشخص ألجالس أمامي مرتديا ملابسا مدنية كنت أحاول ألا أنظر إليه فأنا أواجه مشكلة أكبر من أن أُحاول معرفة شخصية هذا الرجل .. والغريب أن الضابط لم يتحدث بعدها .. كنت أنتظر اي ردة فعل .. أن يتحرك المقعد أو أسمع صوت تمزيق بعض الأوراق .. أي شيئ إلا الصمت .. إستجمعت كل شجاعتي ورفعت رأسي لأنظر حولي فوجدت هذا الضيف الغريب ينظُر إلي ومن دون أي مقدمات قال لي : أنت تعمل في مجال تهريب البشر ونحن نعلم ذلك .. ولا نريد منك سوى أن تُخبرنا من هو المسؤول خارج المعسكر ومن الذي يستلم المال منهم .. نظرت اليه وأنا لا أصدق ما أسمع .. هل قال أنني أعمل في مجال التهريب ؟ ، هل من الممكن أن اكون قد بدأت العمل في هذا المجال وأنا لا أعلم ؟ ، لم أنطق بأي كلمة فأنا لا أعلم ما يجب علي القول في هذا الإتهام الغريب .. هل تم القبض على (إسياس) وإعترف كاذبا بأنني من قام بتهريبه ؟ ، سمعت الضيف يقول أنني يجب أن أعلم أنه لديهم كافة الأدلة التي تثبت أنني متورط في تهريب إثنين من المجندين خارج البلاد وهي جريمة يحاكم عليها القانون بالسجن المؤبد .. لم أستطع أن أقول أي شيئ لأدافع به عن نفسي فكما يبدو أن كل شيئ مرتب وجاهز .. قال لي الضيف الذي أتضح أنه رجل أمن أتى من العاصمة أسمرا للتحقيق في أمر الهروب المتزايد من المعسكر: إذا قمت بالإعتراف بالتهمة وفضح زملائك في التهريب سوف نقوم بتخفيض مدة السجن ومن الممكن أن تخرج بعد عام أو عامين بعفو من الرئيس ، ماذا قلت ؟ هل تُريد إتمام الصفقة معنا أم تريد أن تعيش طول عمرك مسجوناً تحت الارض ؟ ، في ذلك الوقت فقط مع نهاية جملته انتابتني نوبة ضحك هستيرية مصحوبة ببكاء متقطع بصورة غير متوقعة .. ذُهل الضباط الأثنين من ردة الفعل التي لم تكن سوى رد فعل للحدث ككل ، نادى الضابط على أحد الجنود وأمره بتقيدي وسجني حتى يتم عرضي على المحكمة العسكرية كما قال .. تم تقيد يدي خلف ظهري و سجني في زنزانة تحت الأرض مع مجموعة لم أراها من قبل وإتضح لي أنه تم إلقاء القبض عليهم وهم يحاولون الهروب من البلاد .. تبا أعتقد انني سأموت في هذا المكان العفِن .. كانت الزنزانة بطول ستة امتار تقريبا وفيها ما يزيد عن عشرين سجيناً .. لن أنجو من هذا المكان أنا أعلم هذا .. رائحة المكان لا توصف كل من في الزنزانة يحمل في رأسه كومة من الشعر بداخلها كمية من القمل وبعض الحشرات الغريبة .. كنت أحاول أن أنظر اليهم لعلي أعرف أي أحد منهم ولكن لم أستطع .. بعد ساعة بالضبط كنت أستفرغ كل ما بجوفي من طعام فلم أعد أحتمل هذه الرائحة ألنتنة .. سمعت ضحكات الجميع وقالو لي مبروك بدات تتأقلم مع الوضع سريعا .. لم أكن أُريد أن أتحدث مع أي شخص فالُذتُ بالصمت لأستطيع أن أركز  في ما أنا فيه ، بدأت في تجميع أفكاري وفهم الوضع الخاص بي ومن غير أن أحس بنفسي كنت قد أجهشت بالبكاء بصوت عالي .. فأتى أحد المساجين ليواسيني وبداء في التحدث الي قائلا أنك أسرع شخص تأقلم في هذا المكان فكل شخص يأخذ يوم أو يومين ليبداء التأقلم .. اعلم انك تتسأل عن معنى التأقلم .. ما فعلته انت من إستفراغ لما في جوفك هو إستعداد لتقبل الأكل الخاص بنا وتعودك على رائحة المكان .. أما عن البكاء فهو يدل على أنك ستنسى الأيام الجميلة وتستعد لما ستواجهه في هذا المكان .. لم يزيد الرجل أي حرف أخر وذهب من غير أن يقول لي إسمه حتى .. لم يكن أمامي غير أن أنظر الى مكان جلوسه فسيأتي يوم وأشكره على كلماته هذه .. على ما أعتقد .. ، مر أسبوع ولم يأتي شخص لينادي علي أو أُعرض على أي نوع من المحاكم .. لا أُريد التحدث مع اي شخص يكفيني ما أواجهه وقت الطعام من مضايقات وسب ، يالله أريد أن أخرج من هذا المكان فقط .. أُريد ان أرى أُمي و أرتمي في حضنها وأبكي .. هل سأموت في هذا المكان من غير أن أرى أُمي أو أُحاكم حتى ؟ أين الإنسانية ألا يوجد شخص يسأل عنا نحنُ المسجونين هنا ؟ ما ذنبنا وما الذي إقترفناه .. أُقسم أنني لم أفعل أي شيئ ..  أنا بريئ أقسم بذلك .. لم يكن ليهتم احد بما نقول او نريد فكيف بما يجول في رؤوسنا ويملؤ قلوبنا .. الحل واحد للخروج من هنا (الجنون) .. ولكن لتكتسب هذه الصفة في مكان مثل ساوا يجب ان تفعل المستحيل .. والمستحيل داخل هذه الحفرة مستحيل أخر .. ولكن لا يوجد حل غير ه .

إستيقظت بعد منتصف الليل لأبدأ  خطتي كان الكل نائما ما عدى إثنين كانو يتجاذبون أطراف الحديث بصوت منخفض ولم أكترث لكونهم مستيقظين .. كان يتوجب علي أن اصرخ بأعلى صوتي ليأتي الجندي المسؤول عن الزنزانة .. وفعلا بدأت في الصراخ والبكاء بصوت عالي وكنت أجعل جسدي يرتجف  بشدة .. كنت أصرخ وأقول لهم إتركوني فأنا لم أقتل أي شخص .. أرجوكم إتركوني .. لا أريد أن أموت .. أرجوكم فأنا لم أقتله هو الذي إنتحر .. إستيقظ الجميع وبدأوا  في محاولة تهدأتي لبعض الوقت .. وكان البعض منهم يقول : إنه يريد أن يمثل دور الشخص ألمجنون ولن ينجح .. ضحك أحدهم قائلا  أن كهرباء ألمستشفى كفيلة بارجاعه وهو بكامل قواه العقلية ، لم اكترث لحديثهم أبدا .. واصلت في الصراخ والبكاء لعل ألحارس المسؤول عنا يأتي ليعرف ما الذي يحدث  ولكن هيهات مرت اكثر من أربع ساعات وأنا على حالي ولم يأتي ألحارس والغريب في الأمر أن البعض قد خلد للنوم ولم يتأثر بصراخي ..  هدأت قليلا  بعد كل تلك الساعات من الصراخ  محاولا إستجماع بعض القوة لمواصلة خطتي مع بداية شروق الشمس ..  ولكن حقيقة أن النوم سلطان .. لم أدرك أن الشمس قد أشرقت إلا بعد أن سمعت ضجة في البوابة الخاصة بالزنزانة .. استيقظت وأنا لا  أصدق أنني قد نمت وغفلت عن إكمال خطتي .. ولكن لم يمنحني الحارس وقتا لتأنيب نفسي .. سمعته يسأل عن الشخص الذي كان يصرخ بعد منتصف الليل وأشار البعض إتجاهي .. تقدم نحوي بخطى سريعة حاملا في يده عصى مغلفة بالبلاستك وبدأ بضربي بها في كل مكان في جسمي من غير أن يسألني حتى ما السبب في صراخي .. لم يقترب أي شخص منه وهو يقوم بضربي حتى بعد أن قام بضربي في رأسي ورأى الجميع أن رأسي بدأ ينزف دما بغزارة  .. لم  يكترث أي شخص بما يصيبني من ظلم كان الجميع ينظر للارض ويهز رأسه اسفا على ما يجري .. كنت أصرخ بكل ما أوتيت من قوة لعلي اجد شخصاً ينجدني من ما أنا فيه ولكن كان حلما  ان تجد شخصا في هذا المكان يكترث بأخر  .. تركني الحارس بعد أن نال منه التعب  .. هل إذا مُت على يديه أُحتسب شهيدا يا الله ؟.. نظر لي الجميع بعين رجاءا  لا  تفعلها مرة أخرى .. سحبت نفسي لركن الزنزانة بصعوبة وانا ابكي دما .. أعتقد أن الموت أرحم من ما أنا فيه .. أُمي هل ياتُرى تُحس بما امُر به ؟ ..  تبا لبلدا تقتل أبنائها جلدا كل صباح  ، كنت أعلم أن الطريق طويل ومؤمن أن أخر الطريق جنة .. لذا اعدت المحاولة في منتصف الليلة الثانية وكان الجميع نائما ..  كنت أصرخ بكل قوة حتى يسمع الحارس صوتي فهو لن ينسى صوتي  بعد أن أذاقني طعم عصاه  .. أعتقد أنه مجنون بحق يا هذا فهو لن يتحمل مثل ضرب اليوم ألماضي أبدا .. سيموت صدقني .. حديث كا يدور بين إثنين كانا يجلسان بقربي وأنا أصرخي بأعلى صوتي طالبا من الله أن يرحمني من شبح هذا الوغد الذي لم اقتله ولكن لم أدرك أن الوقت ساعة إستجابة فقد سمعت صوت الباب الخاص بالزنزانة يفتح  ويأتي  نفس ألحارس وفي يده نفس العصى ويتوعدني بزيارة الجحيم .. كنت مستعدا للضرب ولكنه لم يقم بضربي بل قام بتكبيلي من يدي وإقتادني للخارج .. أعتقد أنني  سمعت بعضهم يترحم علي .. لم اكترث لهذا الحارس الذي كان يدفعني أمامه ويسبني بكل لفظ جارح سُب به هو في بارات البلاد .. كنت أعتقد أنه سوف يقتادني للمستشفى الخاص بالمعسكر ولكنه إتجه بي ناحية مساكن الضباط .. أعتقد أن خطتي بائت بالفشل .. مع إقترابنا  كنا نسمع صوت موسيقى أتية من داخل مساكن الضباط أعتقدانهم يقيمون احتفالا بمناسبة ما .. تم سحبي لداخل إحدى الغرف وكانت مظلمة .. سمعت صوت إحدى الفتيات وهي تبكي أعتقد أنها معي في نفس الغرفة  ولكني لم أستطع أن أحدد مكانها .. بعد حوالي النصف ساعة أتى الحارس ومعه ضابط كبير أعتقد أنه جنرال .. أضاء  الحارس الغرفة وكنت أجلس على الأرض .. أمر الضابط الحارس بأن يأتي بالفتاة والتي كانت في الحمام الخاص بالغرفة التي كنت فيها .. أمر الضابط الحارس بأن يفك قيدي  وأمر الفتاة بأن تخلع ملابسها في الحال .. نظر نحوي وقال وأنت كذلك إخلع ملابسك سريعا .. ما الذي يحدث .. أين ذهبت خطتي لتمثيل الجنون أرجوك عُد بي الى الخلف أيها المؤلف لا أريد أن أدخل معك في تخيلاتك الجنسية هذه .. رجاءا فأنا لي هدف وهدفي ليس أن أُشاركك شذوذك الجنسي  .. أنا صاحب قضية ويجب علي أن أواصل الكفاح فيها لأصل مبتغاي .. أعلم أن لديك قضية هل إنتهيت من حديثك  و  وعظك ؟ .. نعم أعتقد هذا ، إذا فالتخلع ملابسك سريعا فليس لدينا وقت .. هل يعتقد أنه سيمارس معي الجنس ! أفضل الموت على أن يُفعل بي هذا .. جلس الضابط على مقعد في ركن الغرفة وأمرني أن أمارس الجنس مع الفتاة  .. بكل بساطة وتلقائية القى علي أوامره .. لن أفعل هذا الشيئ أبدا قلتها وأنا أعلم رد الفعل على كلامي .. نادى الضابط على الحارس الذي كان يقف خارج الغرفة  وأمره ان يقوم بتعليمي كيف اكون مطيعا .. أخذ الحارس سلكا كهربائيا موصولا بجهاز  موضوع في طاولة قريبة من الفراش الذي تجلس عليه الفتاة .. كنت أعتقد أنه سيقوم بصعقي بذلك السلك ألكهربائي ولكن إتضح لي أنه يقصد الفتاة .. إذا هو يريد أن يُعلمني الأدب عن طريق صعقه للفتاة بالكهرباء .. إستغربت من فعله .. ولكن إتضح لي أنه يعرف عمله جيدا .. فقد قام الحارس بصعق الفتاة مرة واحدة فقط وكانت كفيلة بتغير  رأيي في جزء من الثانية .. لن أستطيع أن أتحمل تعذيب فتاة أمامي وسماع صراخها يملئ أذني ودفاتر ذكرياتي .. قلت له أنني سأنفذ كل ما يريده مني  .. إذا قم بما أمرتك به فهناك ضيوف ينتظرونني في الحفلة  .. مارست معها الجنس كما ألميت .. كنت أسأل نفسي من هذه الفتاة وماذا فعلت حتى تستحق أن يفعل بها هذا ؟ هل هي زوجة هذا الضابط وقامت بخيانته وهو يقوم الأن بتعذيبها بخطيئتها  ؟ هل كانت تريد الهروب من البلاد وتم إلقاء القبض عليها ؟ ما السبب الذي جعل هذه الفتاة  تمارس معي أنا من دون كل البشر ..هل سأقوم بالزواج منها في يوم من الأيام لأكفر  عن ذنبي هذا ؟ .. ضحك الضابط متسائلا هل تريد إكمال الليلة معها يا معتوه قوم يا ابن الكلب فقد حان وقت موتك .. لم افهم ما يقول .. فقد كنت في شبه غيبوبة من ما أفعل .. إقترب الضابط من الفراش ونظر نحوي قائلا هل تدرك ما فعلت بنفسك الان ايها الكلب .. انت الأن مصاب بمرض الأيدز أيها العفن .. وقد تم تصوير  ما فعلت الأن إنظر لهذه الكاميرات مشيرا ناحية ركن الغرفة ..  اتضح ان الغرفة تحتوي على  ثلاث كاميرات .. لم أصدق ما قاله لي ..  لم أستطع أن أتمالك نفسي وبدأت بالصراخ فيهم : هل أنا مصاب الأن بمرض الايدز ؟ لماذا .. ماذا فعلت لكم ؟ ومستقبلي .. وأُمي التي تنتظر أن تزوجني من حسناء أسمرا .. لماذا أدفع ثمن شيئ لم أخذه ؟ ومن هذه ألفتاة ؟ قل لي ماذا فعلت لكم ؟ أنا لم أفعل لكم أي شيئ يا أبناء الزنا ..  إرحمني يالله ،  إقترب من الغرفة بعض الضباط على صوت صراخي ولكن الضابط الكبير أمرهم بالإبتعاد عن المكان وأمر الحارس ان يقوم بأخذي إلى المستشفى وحجزي في القسم الخاص بمرضى الأيدز  .. أطول طريق في حياتي كان من مساكن الضباط للمستشفى .. دخلت في غيبوبة من شدة الصدمة وإستمرت لأكثر من يومين  .. إستيقظت في غرفة مليئة بالمرضى الذين كانو  ينظرون إلي كانني عائد من الموت .. وكانت حقيقة لقد كنت ميتا  وعدت للحياة ، أتى الطبيب المسؤول وقام بوضع  التقرير الخاص بي في الملف المعلق على طرف الفراش من غير ان يوجه لي اي كلمة .. لمدة أسبوع كامل كنت أرقد على فراش المستشفى وانا لا اعلم ما الذي سيحدث لي ..  اخيرا تم نقلي الى الجناح  الخاص بالمرضى النفسين .. لم أحُس براحة مثل تلك اللحظة التي دخلت فيها الغرفة الخاصة بي في هذا الجناح .. جلست على الأرض اتحسس برودة بلاط الغرفة اقتربت بوجهي من البلاط ولمسته بخدي ياله من إحساس جميل .. نمت طوال اليوم على الأرض حتى أتى الممرض المسؤول ورأني على حالي .. أمرني أن أجلس على ألفراش لأنه حان وقت أخذ الدواء  ,, لم أسئله ما هذا الدواء أو لماذا تعطونني دواء من غير أن تقومو  بعمل فحوصات أو حتى جلسات لمعرفة نوع مرضي .. في الحقيقة لم أجد داعيا لأسئله عن اي شيئ فليس بعد الذي أصابني من سوء أسوء ..  كنت أنتظم في مواعيد دوائي ولم اكن أسبب اي مشكلة كما يفعل الاخرون  حتي ينالو  شهادة تخولهم الذهاب للمستشفى الكبير في أسمرا.. لا يوجد سبب يدعوني لأن أفعل مثلهم  فأنا لن أعود لأُمي وأنا أحمل هذا المرض في جسمي .. لن أعود لأجعلها تتعذب بمرضي .. سوف اموت هنا  وهذا قراري الأخير  .. بعد شهر كامل من مكوثي داخل هذا المكان كنت قد تعودت عليه بصورة غريبة جدا .. كرهت فكرة الخروج من هنا  حتى لو سمعتها من شخص اخر  كنت اكرهه حد الموت .. لماذا يريدون ان يخرجو من هنا  ماذا يوجد خارج هذا المكان يصلح لنا نحن المصابين بهذا المرض .. يجب علينا ان نموت ونترك كل هذه الافكار خلفنا .. كنت أسمع صوت احدهم يبكي ليلا واخر يغني لحبيبته التي تنتظره ليأتي للزواج منها   ويترجاها ان تزيد في صبرها  لانه أتي لا محال .. كم فيك أيها العالم من أغبياء وحالمين ؟ .. أقسم انني لن اكون مثلهم ابدا .. ولكن كان هناك سؤال يتردد في عقلي دائما  .. ما الذي سيحدث لنا في اخر المطاف هل سيتم ترحيلنا الى أسمرا لتلقى العلاج أم سيقومون بحجزنا هنا حتى نموت .. لم استطع ان اجد جوابا على هذا السؤال فالوضع الطبيعي ان يتم تسريحنا من الجيش لاننا غير لائقين طبيا .. ولكنهم يحتجزوننا هنا من دون اي سبب .. أعتقد أنهم سيواصلون إحتجازنا هنا حتى يأتي أجلنا  .

سمعت صوت الباب يُفتح  نظرت إتجاه الباب وكان الممرض .. لم أهتم به كثيرا ولكن الغريب في الامر انه لم يكن موعد اخذي للدواء ولا موعد الطعام .. إقترب مني وفي يده الملف الخاص بي  .. وضع ألملف على الطاولة وأمرني ان اقف و  وجهي مقابل الحائط  .. نفذت أوامره من دون أي أسئلة فأنا اعلم انه لن يرد على سؤالي ابدا .. اخرج من جيبه قيدا بلاستيكيا من النوع الذي يستخدم مرة واحدة وقام بتقيدي به .. اعتقد انهم يريدون ان يرجعوني للسجن  مرة اخرى .. أمرني بالجلوس على الكرسي الوحيد بالغرفة وطلب مني عدم الحركة .. لي مدة من الزمن لم احاول ان أتحرك بصورة سريعة أو  حتى أحاول أن أكون نشطاً في تحركاتي .. اعتقد ان هذه الأدوية التي يعطوننا لها هي السبب .. خرج الممرض ونادى على أحدهم قائلا  له : إنه جاهز للإستجواب .. دخل الرجل الغرفة وقام بإغلاقها من الداخل .. أعتقد أنه يحاول إخافتي ليس إلا .. نظرت إليه وعرفت من هو  من أول نظرة .. نفس الضابط الذي أتى من العاصمة وأمر بسجني من دون اي سبب .. أعلم أنه إتهمني بتهريب زملائي في السكن ولكن كان إتهامه من غير دليل .. تبا له ماذا يريد الأن .. نظر نحوي وقال : أعلم أنك تتذكرني جيدا فأنت شخص ذكي ولن تقوم بنسيان من قام بسجنك .. ضحك ساخرا بعد أن قال جملته الغبية هذه .. إذا هو ضابط مغرور ليس إلا .. تبا له ما الذي يريده مني بعد أن ضيع مستقبلي .. جلس على طرف الفراش الخاص بي وقال لي أنه قد أتى ليعرض على صفقة العمر التي ستقوم بتغير حياتي .. أقسم أنني لم أتصور أنه سيأتي يوم  أضحك فيه وأنا في هذا المكان .. ولكن حدث .. ضحكت حتى انتابتني نوبة من السعال .. نظر نحوي وقال متسائلا ألا يوجد لديك رد أخر غير  ألضحك ؟ اعتقد أنه قبل أن أمر بسجنك كنت تضحك ايضا والأن أنت تضحك مرة ثانية .. هل تريد مني أن أعيدك للسجن مرة أخرى ؟ .. إسمع ياحضرة الضابط أنا إنسان ليس  لدي ما أخسره أبدا إذا كنت تريد ان تعيدني للسجن فليس لدي أي مانع  وإذا أردت أن تحاكمني على تهمة تهريب الشباب خارج الوطن وتقوم بإعدامي حتى فلك ذلك أيضا  .. أنت حُر في أن تفعل بي ما تريد فلا داعي أن تعرض علي اي صفقة من أي نوع  فأنا في ألأخر لن أقوم بتنفيذ أي أمر بإرادتي بل سيكون كل شيئ غصبا عني وأنا أعلم هذا لذلك قل لي ما تريد وأنا سأجهز نفسي لأقاوم قدر إستطاعتي فهكذا تتم الأمور هنا .. نظر  متأملا الغرفة وقال : أعتقد أن جلوسك هنا كل هذه المدة قد أثر عليك وجعل منك فيلسوفا .. إسمع أيها المخبول ليس لدي وقت أضيعه معك .. اولا أنت غير  مصاب بمرض الأيدز  .. ثانيا نحن نعلم أنك تدعي الجنون حتى تنال إعفاءا من تأدية الخدمة الوطنية .. سوف نقوم بإعطائك إعفاءا من الخدمة الوطنية وبعض المال لتبدأ حياة جديدة .. هل تريد أن تناقش تفاصيل العرض أم أبحث عن شخص  أخر  ، كنت أسمع كل حرف يقوله وأنا لا  أصدقه .. كيف يأتي بعد كل هذه المدة ويقول أنني لست مصابا بمرض الايدز  هل انا غبي لهذا الدرجة  ؟ الم يقرأ الملف الخاص بي ؟ ألم يقل له الطبيب أو الممرض أنني مصاب بهذا ألمرض ! ..  ألم يقم  الضابط الذي فعل بي هذا الأمر  بكتابة  تقرير  بما حدث ورفعه للجهة المختصة بمثل هذه الاعمال القذرة ؟ ، أيقظني من محنة تساؤلاتي صارخا هل تريد أن تخرج من هنا أم لا ؟ .. قلت له وقد إستيقظ القلب المحب للحياة داخلي : نعم أريد الخروج من هنا  .. ولكنك ستجاوب على أسئلتي أولا .. قال : ماذا تريد أن تعرف .. أريد أن أعرف كيف علمت انني لست مصابا بمرض الايدز  .. ولماذا تم اختياري أنا لهذه المهمة .. و هل انا الشخص الوحيد الذي …. قاطعني قائلا : لن تستطيع أن تجد كل الأجوبة في وقت واحد .. ولكنني سأقول لك ما يهمك فقط والمصرح به : وانت في السجن وقع عليك الإختيار لتكون الشخص الذي سيقوم بتنفيذ هذه المهمة وكان يجب علينا أن نقوم بإختبارك و تجهيزك للمُهمة جيدا .. ومن ضمن الإختبارات كان يجب علينا ان ندخلك في حالة من الخوف والاكتئاب لنرى هل ستقوم بالإنتحار أم ستنجو  ولم نجد طريقة لفعل ذلك غير  أن نقوم بإعداد تلك التمثيلية مع تلك الفتاة وتلفيق مرض الإيدز لك حتى نرى النتائج  .. وها أنت هنا الأن  ولم تنتحر  بعد كل هذا .. تم دراسة شخصيتك جيدا ومدى تحملك وتم تأكيد أنك الشخص المطلوب .. تكفيك هذه المعلومات  الأن ، يالله هل من السهل أن يتم تدمير حياتي بهذه الطريقة ..أليس هناك أي ضمير  .. هل أنا رخيص لهذه الدرجة ؟  تبا لكم  أيها الخنازير  .. أنا إنسان ولي حقوق أيها الأوغاد .. اه أنا من حظي ..  كيف أستطيع الأن أن أعود لحياتي الطبيعية .. ومن أجل ماذا أمر بكل هذا ألعذاب ! .. قل لي ماذا ستفعلون إذا لم أُرد أن أنفذ أوامركم .. تقدم نحوي بكل برود قائلا أنت لا تريد أن تمتحن صبري ولا تريد أن ترى وجهي الأخر  صدقني من الأفضل لك أن تقوم بالأمر من دون أن تجعلني أغضب  .. سوف ترى الجحيم معي وأنت تعلم ذلك .. لن أكذب تملكني الخوف وانا أتخيل ما الذي يستطيع  أن يفعله هذا الضابط بي وبكل ما يمُت لي بصلة .. قل لي مالذي تريد مني فعله بالضبط .. مبتسما قال : ليس الأن ولكن غدا سأتي إليك ومعي الملف الخاص بالعملية التي يجب أن تقوم بها  .. من اليوم فصاعدا ستتوقف عن  تناول أدويتك  فلا  تسأل عنها .. هل فهمت ؟ .. نعم فهمت ..  سألته مرة اخرى  : هل أستطيع أن أعرف أي شيئ عن هذه المهمة .. لا .. غدا ستعرف .. وهو خارج من الغرفة نظر نحوي وقال لي .. تستطيع أن تعرف شيئا واحدا فقط وهو أنك ستقوم بقتل شخص ما ….

 

 

Wedi_ali_jbr@yahoo.com

 

.

تُكو (1)

burhann

قصة بقلم : محمد علي نور حسين
تشير الساعة الى ما بعد الثامنة مساءاً بدقائق ، كُنت قد إنتهيت من إرتداء ملابسي للخروج ولقاء بعض الأصدقاء لنحتفل بأخر ايام لنا في أسمرا فبعد يومين فقط سنغادر للإلتحاق بمعسكر (ساوا) للبدء في التدريب وأداء الخدمة الوطنية وما أدراك ما الخدمة الوطنية في أريتريا ، وانا في […]

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=35538

نشرت بواسطة في أكتوبر 3 2015 في صفحة المنبر الحر, برهان. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010