رائحة الصور

 

بقلم . محمد علي نور حسين

مضى الكثير من الوقت وانا في الغربة ، لا ادري كم من السِنُون وانا لاجئ  .. ولكن اقسم ان عمري كله قضيته في اللجوء ابحث عن وطن انتمي اليه ، وانا صاحب وطن له تاريخ وحكايات من البطولات لا تنتهي ، جلست في استراحة العمل احاول ان اتذكر من انا ومن اين اتيت .. من اين ابدأ ذكرياتي التي تمنحني طاقة لأعيش كأنسان ..  نعم تذكرت .. أبي ، كان دائما ما يحاول ان يربط بيننا انا وإخوتي  ببلدنا الام “اريتريا ” ، اسمع يا بني هل تعرف من اي منطقة انت في اريتريا .. كنت اضحك لانني دائما ما كنت انسى هذه المعلومة التي لم تكن بالنسبة لي بالشيئ المهم في ذاك العمر .. قل لي هل تريد ان تزور اعمامك وأقربائك في اريتريا ؟ كنت ارد بنعم لانني اعلم جيدا انني سوف احصل على  بعض المال والحلوى من اقربائي .. دائما ما احصل على هدية او مكافاة من اقرباء أبي في كل زياراتنا لهم في الخرطوم ما بي اذا ذهبنا الى اريتريا .. اعلم انني سأحصل على الكثير من النقود والهداية ،، اسمع يا بني يجب علينا ان نعود يوما ما الى بلدنا لذا يجب ان تتعلم لغة بلدك وكل شيئ عنها .. هل تفهم ؟ كنت اهز رأسي علامة الموافقة لان صوت ابي كان يتغير وكنت اظن انه سيبكي ولكن لا .. اذهب وقل لامك ان تعطيك البوم الصور الخاص بالعائلة .. كنت استمتع بتلك الصور لانها تعطيني الاذن بالخروج من حدود خيالي الطفل .. مع تلك الصور فقط كنت استطيع ان اسافر من السودان لاريتريا وخصوصا اسمرا  .. هل تعلم من هذا يا بني ؟ يعيدني هذا السؤال من رحلتي الخيالية لواقع نسيان شخص ما من العائلة فأحاول ان اتذكره ولكن لا استطيع فيهز ابي  رأسه علامة على الحزن حتى احس بذنبي ولا اعيد تكراره  في المرة القادمة واحفظ اسم قريبي هذا .. كنت استغرب ملابس ابناء عمي .. جميلة جدا ملابسهم ونظيفة دائما .. هل استطيع ان اكون مثلهم يوما ما ؟ .. هذا ابن عمك الكبير انه في نفس عمرك ولكنه يكبرك ببضع شهور فقط ..  رائحة الالبوم غريبة هل السر في الورق ام في ذلك الزمن !  وهذه بنت عمك تصغرك بعامين .. كم هي جميلة تلك الطفلة التي كنت اكبرها بعامين فقط .. الان اتذكر انني كنت انوي ان اتزوجها عندما أكبر  .. عندما اكبر واذهب لاريتريا سوف اتزوجها واشتري لها كل فستان ابيض في اسمرا .. سوف اعيش حياتي في بلدي ولن اخرج منها ، لان رائحة الصور لا تكذب ابدا .. اتذكر عندما جائنا ضيف يحمل رسالة لأبي من اخوته في اريتريا جلس الضيف يحكي لأبي عن البلد كان الصمت لأبي عنوان امام حكايات هذا الضيف ، اعتقد انني كنت اشم رائحة المطر في ثياب الضيف ، خرجت مع أبي لنودع الضيف ودعنا الضيف وداع عزيز على القلب .. اضطر ابي ان ينتظر ساعة كاملة ،  ينتظر امي ان تعود بصحبة جدتي من الخارج ليفتح الخطاب الذي اتى به الضيف العزيز من اريتريا ، اجتمعنا كلنا حتى اخي الصغير الذي كان في عامه الثالث اتى ليسمع ما لن يفهمه هو ولا اخوه الاكبر .. كان ابي يقرأ  الخطاب كانه ساحر يلقي بتعويذة ،  فكلما قرأ جملة  ارى وجه امي وجدتي يتغير  تارة  حزن وأسى لشخص مات وأخرى لضحك اذا ذكر اسم احد الأشخاص وكانت لهم معه ذكريات وكثيرا إستعجاب اذا سمعو أن فلان تزوج او فلانة تزوجت .. كان الساحر يقرأ والسحر يسري فينا جميعا .. وانا واخي نشاهد عرضا يستحق جائزة الأوسكار  .. كانت اخر دقيقة في الخطاب هي التي منحته مكانأ في ذاكرتي فقد حوى في ختامه خبر وفاة عمي الأكبر .. في تلك اللحظة رأيت تلك الدمعة تفر من حبسِها نحو الخطاب علها تمحو ما كُتب فيه من حقيقة مؤلمة  ،أخاف ان أنسى ذكرياتي وحكايات أبي وأنا أبحث عن ذكريات وحياة جديدة .

 

Wedi_ali_jbr@yahoo.com

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=36300

نشرت بواسطة في يناير 15 2016 في صفحة المنبر الحر, برهان. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

6 تعليقات لـ “رائحة الصور”

  1. مقال يعبر عن واقعنا ووالله كانك تحكى ذكرياتى فى السودان حيث قضيت جل عمرى ولكن بالرغم من ذلك شددت الرحال فى خيالى الى الجذور والأصل من خلال سرد والدى لوطن يعتبرجنة على حد قوله الذى دفعنى لتعلم ثلاثة لغات ارترية وانا فى السودان .
    هذا خالنا وقدرنا شتات وضياع واحزان متسلسلة ومازالت الحكاية المأساوية مستمرة.
    تصبر يا اخى محمد والفرج قريب بإن الله.

    • محمد علي نور حسين

      استاذ صالح : اشكرك على كلماتك الجميلة .. اتمنى ان يتغير الحال في القريب العاجل وتنتهي القصة المأساة .. نحن اكثر الشعوب معاناة وتذوقا للألم .. نحتاج لإستراحة .

  2. أبو محمد

    أقسسم لك أنك أدمعت عيناي أخي. شكرا فظروفنا كأرتريين تكاد تكون متطابقة وشكرا لك أنك أخرجتنا من ثنائية الحكومة والمعارضة وأخرجتنا قليلا عن حفلات اللطم والبكائيات واللازمة المقيتة التي لا معني لها.

    • محمد علي نور حسين

      اخي ابو محمد شكرا لك .. اتمنى ان يتغير الحال واكتُب عن الفرح .. الحكومة والمعارضة !! الأولة اهدتنا الألم والثانية اهدتنا السراب فليكن الله في عوننا .

  3. محمد علي نور حسين

    شكرا لك اخي عبدالله .. ان شاءالله عما قريب .. أسعدني جدا انها حازت على اعجباك .

  4. عبدالله

    أنت يا محمد علي نور حسين أديب تستحق أن تقرأ لك رواية كاملة الدسم — وشكرا لك على هذه الذكريات من واقع الطفل الارتري

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010