الأجيال الإرترية … والإغتراب

بقلم : المهندس سليمان فايد دار شح

9/3/2017م

إن إحدى المشكلات التي من شأنها إضعاف هذا البلد هي إتساع الهوة بين أجياله الأمر الذي يشكل إغتراباً حقيقياً ، وعدم إنتماء وتماسك وترابط يصوغ وجداناً واحداً ، ويؤلف فكراً وثقافة متداخلة متتابعة ، يربطها حبل واحد متين ، يمتد عبر التاريخ ويمسك به كل جيل لينسج منه حسب ظروفه وإمكاناته ، تاركاً المجال للجيل اللاحق ليواصل النسج ، ويخطو مقتفياً أثر الجيل السابق ، ليتم التسلسل الطبيعي ، والذي يُكوِن في النهاية ما يعرف بالثقافة الإرترية الواحدة المترابطة المتداخلة والتي تدل على هذا الشعب وتؤكد خصائصه ويعرف بها.

والباحث عن أسباب هذه الهوة الساحقة التي تفصل الأجيال الإرترية بعضها عن بعض، يجد أسبابها كثيرة ومتشعبة المناحي ، وبحثها وكشفها يحتاج إلى جهد وتضافر نخبة من الباحثين والدارسين في هذه المجالات وإنكبابها وإنقطاعها لهذه المهمة الصعبة ، وذات الجدوى والنفع في الوقت ذاته لخلق الشخصية الإرترية المتألفة والمنسجمة بعضها مع بعض ، والتي يربطها رباط واحد قوي ، وحتى لا يحدث الإغتراب والتنافر والبحث عن هوية وإنتماء.

وأثناء البحث عن هذه الأسباب ، يطل على المتتبع سبب نرى أنه من الأهمية بمكان ، ويجب وضعه على رأس قائمة الأسباب التي تؤلف هذا الإنفصام والتشتت والتباعد وإنقطاع التسلسل وربط الأجيال الجيل تلو الجيل.

وهذا السبب في رأينا هو خلو المكتبة الإرترية من كتب السير والتراجم للشخصيات الإرترية العظيمة التي أعطت بلا تراخ أو إنتظار مَنٍ في كل مجال من مجالات الثورة، وبذلت من نفسها وعصبها فوق طاقات البشر ، لتترك بصمات واضحة في مسيرة النضال الإرتري المعاصر.

ولكن .. أين هي تلك الشخصيات العظيمة الآن؟ وماذا يعرف عنها الجيل الحالي أو الأجيال الآتية؟.

إنها أعطت وذهبت ، وبذهابها قبر ذكرها أو قل إذا صح التعبير همشت واندثر آثرها ، ولم نجد من يبحث في تاريخها ليترجم لها ويضع سيرها أمام هذه الأجيال ، لتعرف عنها شيئاً ، لتتواصل المعرفة والترابط ، ويمتد الحبل المتين الذي سيربط تاريخ هذا البلد برباط لاينفصم ولا ينقطع.

لو آخذنا القائد الشهيد عواتي ورفاقه المناضلين من الرعيل الأوائل مثلاً ، لوجدنا كيف ربض هؤلاء الأبطال في خنادق القتال وصارعوا الأهوال وتصدوا الصعاب وسهروا الليالي وأيديهم على الزناد وسجلوا الملاحم البطولية وهم يسعدون بتلك الحياة التي يترقبوا عبرها فجراً عظيماً ، فجر الإستقلال لبلدهم الغالي، وكلمة حق تقال لولا تضحيات هؤلاء الرجال الشجعان في ذلك الظرف الصعب لما تحقق الإستقلال الذي ينعم به اليوم الشعب الإرتري العظيم.

فأين هم هؤلاء؟ إنهم – الرعيل الأول – للأسف أضحوا نسياً منسياً ، لا يعرف عنهم ها الجيل شيئاً ، فما بالك بالأجيال القادمة!!.

وهنا يحضرني موقف عجيب مع أحد الشباب يؤكد هذا الإغتراب وهو : قبل عدة أيام مضت كنت في زيارة خاصة إلى أحد أصدقائي الأعزاء ، و وجدت عنده شباب إرتري أنيق من أقاربه ، عمره ثلاث وعشرين عاماً تقريباً ، وحينها دار بيني وبين صديقي نقاش حول أهم الشخصيات الوطنية التي ساهمت بجهد كبير في صنع الثورة الإرترية وتعبيد طريق الحرية ، ثم تركز جلّ حديثنا إلى فخر الأمة الإرترية ومصدر عزها ودرة تاج رأسها الزعيم الكبير عثمان صالح سبي ( طيب الله ثراه ) ، فوجه لنا الشباب الذي كان يسمع حديثنا هذا السؤال : من هو عثمان صالح سبي الذي تتحدثون عنه؟

في تلك اللحظة إنتابني شعور لن أستطيع وصفه ، هل أضحك أم أبكي؟! لم أجد في نفسي إلا محوقلاً في سري ، وتساءلت في سري إذا كان هذا الشباب الأنيق لا يعرف زعيم بقامة عثمان صالح سبي المعروف محلياً وعالمياً ، هل سيعرف أسماء أبطال المقاومة الإرترية في عهد الإستعمار الإيطالي والإنجليزي أو أسماء الرعيل الأول للثورة الإرترية؟!.

وعندما لاحظ الشاب تعابير وجهي ووجه صديقي ، حاول أن يبرر سؤاله ، بأنه لم يحضر عهد عثمان صالح سبي !!! ( العذر لأقبح من الذنب ) ، وكأن الناس الذين يعرفون أسماء أبطال المقاومة الوطنية في عهد الإستعمار الإيطالي والإنجليزي ، والرعيل الأول للثورة الإرترية أو أي شخصية وطنية تاريخية كانوا معاصرين لتلك الشخصيات الوطنية!!.

وللعلم وجدته الشاب يعرف غالبية أسماء ونجوم السينما والمسلسلات الهندية والتركية والممثلين والفنانين العالميين القدماء – الأبيض أسود – والوجوه الجديدة ، ومن المؤسف لا يعرف إسم واحد من أسماء الزعماء الإرتريين الذين بنوا مجداً لشعبهم ووطنهم ورحلوا من الدنيا ، وتركوا إرثاً عظيماً وتاريخاً مجيداً في الشرف والعزة.

من هذه اللحظة تأكد لي تماماً ، وبما لا يدع مجالاً للشك ، أنه يأتي زمان ليس بالبعيد – إذا لم يتدارك الموقف – أن تسأل بعض الشباب عن بعض الزعماء الوطنين الإرتريين التاريخيين ، فتكون الإجابات من قبيل : أعتقد أنهم لاعبي كرة القدم!!.

وما أخشاه – وأتمنى أن يكون ظني في غير محله – أكبر أن تسأل ما هي المناسبة التي تحتفل بها أرتريا سنوياً في الأول من سبتمبر؟ سيقولون لك عيد الحب أو الفالنتاين!!!.

يحزني جداً أن أرى هؤلاء الشباب بمنتهى السطحية وهم يحملون أحدث ما أنتجته التكنولوجيا من هواتف ذكية وأجهزة حاسوب محمولة وغيرها ، وهذا يذكرني بمقولة :

( إنسان العصر الحجري يعبث بتكنولوجيا القرن الحادي والعشرين ).

عندما أقول العصر الحجري فإنني أعنيها مجازاً بسبب الجهل بالتاريخ ، لأنه  أي أمة بلا تاريخ هي أمة بلا ذاكرة ، ولا تتعظ من دروس من سبقوها ، وأنني لست ضد إهتمامات وميول الشباب الفكرية والثقافية والوجدانية ، لأن لكل فرد الحق في أن يكيف ويعود نفسه مع الأشياء والهوايات التي يحبها ويجد نفسه فيها ، ولكن ليست على حساب الوطن وتاريخه ، على الأقل يجب أن يكون هناك حيزاً من الذاكرة – وليست كل الذاكرة – مشغولاً بالتاريخ المجيد للوطن وقياداته التاريخية!!.

أحسب إن فرح القارئ الإرتري الواعي المتبصر ، يبدوا عامراً ، وغبطته دافقة ، وسعادته في قمتها ، وفائدته لا حدود لها ، لو أنه إلتقى ، دائماً وأبداً الكتب التي تصدر خصيصاً بكتابات ذات دراية وعمق وشمول ، وهي تترجم لحياة شخصيات إرترية ، بذلت وما بخلت كل في ميادينها الذي إختارته وخاضته بلا هوادة ، وتحدثنا في شفافية عن أدق تفاصيل حياة تلك الشخصيات ، منذ الميلاد وحتى الإستشهاد – إذا كانت قد إستشهدت – وعن نضالها وصراعها وهي تقاوم وتجالد الظروف ، لتبني ذواتها ، حتى إستوت لتعطي من هذه الذوات من غير خور أو بخل.

ختاماً أود التأكيد مرة أخرى أن خلو المكتبة الإرترية من هذه التراجم والسير للشخصيات الفذة العظيمة التي إضطلعت بأدوارها على أتم الوجوه وأحسنها ، وأدت ما عليها من رسالة وطنية في أمانة وتجرد ، هو السبب والسبب المباشر في هذا الإغتراب والإنفصام الذي يسود حياتنا، وفقدان الهوية والخلو من الروح والنبض في كل الأعمال التي يضطلع بها المواطن ، والتهرب من الإلتزام والتملص من المسئوليات ، وأداء الواجبات في فتور ، وسأم ، إلى أن أضحت حياتنا وكأننا لم نسر خطوة وحدة للإمام منذ إستقلال هذا البلد.

ولكي نخلق أصالة حقيقية في كل ما نعمل لا بد من العودة بأجيال اليوم والغد إلى ماضيهم وتراثهم ، وأن نوفر لهم التراجم والسير لأولئك الذين صنعوا ذلك الماضي العريق ، لتخرج أعمالهم – الأجيال – فيها أصالة وعبق ذلك الماضي ، ولتصبح أكثر إلتصاقاً بهذا البلد ومواطنه ، وتعبر عنهما التعبير الصادق الوفي الأمين الذي يجعل لهذه الأعمال لونها وطعمها ونكهتها ، ويعطيها طابعها المميز ، والمتفرد والأصيل لكي تتواصل وتترابط وتتسلسل الأجيال.

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=40584

نشرت بواسطة في مارس 8 2017 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010