إرتريا وغياب الدور العربي الفاعل في ظل التحد الراهن

أ.محمد عثمان

شكل الدعم العربي الرسمي والشعبي المنطلق أصالة من قناعة راسخة بعدالة قضية الشعب الإرتري إبان فترات التحرير العمود الفقري للثورة  الإرترية والأرضية القوية الصلبة التي وقف عليها الثوار الأشاوس مما أسهم في الانطلاقة الكبرى لمشروع التحرر الوطني بجدارة والذي قاده الرواد الأوائل من القيادات الإرترية السياسية والوطنية تخطيطا وتنفيذا بفكر راسخ ونظر ثاقب منذ أربعينيات القرن الماضي رغم ما تعرض له المشروع من هنات وهزات تلازم بالطبع كل عمل سياسي عملاق فقد عززت من قناعاتهم وشحذت هممهم في المضي قدما نحو مرادهم الوقفة الكريمة لإخوتهم العرب بجانب عدالة قضيتهم والتي تمثلت في السند المعنوي والمادي البارز والذي تم تقديمه في تلك الحقبة الماضية دون ريب مما أسهم جليا في عملية التقدم السريع على الأرض وساعد في وجود سواعد فتية تسعى بهمة علية نحو مضمار دفع ضريبة تحرير تراب وطنهم باذلين مهجهم بسخاء للانعتاق من كل أشكال التبعية والإلحاق القسري بالإمبرطورية الإثيوبية آنذاك لهذا القطر العربي الواقع على الضفة الأخرى للبحر الأحمر قبالة جزيرة العرب بساحل طوله أكثر من 1000 كلم هذه الوقفة التي لا تقدر بثمن للمنظومة العربية لم تكن نابعة عن فراغ بل كانت انطلاقا من قناعة مفادها أنه قطر عربي أصيل وشعب غيور على دينه وأرضه استعصي إخضاعه عبر شواهد عديدة تحويها فصول سجل تاريخه السياسي مما يؤهله لأن يشكل خلفية آمنة للأمة العربية والإسلامية في صراعها الحضاري والثقافي المعاصر من خلال موقعه الاستراتيجي المطل على ممر الملاحة الدولية من الناحية الجنوبية لباب المندب مما جعله محط أنظار لتعاقب قوى استعمارية عديدة عليه أملى الواجب أن يتحرر وينعتق هذا الموطن كي تظل البحر الأحمر بحيرة عربية إسلامية خالصة بانضمام إرتريا للمنظومة العربية لتسهم من خلال وجودها في المؤسسات الرسمية الإقليمية والدولية في سياقات النهوض والتطور الحضاري ومتطلبات البناء العلمي والثقافي الحديث وأن تعمل بايجابية نحو مجمل قضايا الأمة بل وأن تسعى جاهدة للقيام بدور فعال في عملية الدفاع عن عوامل سلامة الوطن العربي وسبل إستقراره وحماية أمنه وهي الإستراتيجية الكلية التي بنيت عليها الوقفة الشجاعة للمجتمع العربي برمته بجانب أحقية الشعب الإرتري في نيل استقلال بلاده  الناجز منذ أمد بعيد وهو واجب أخلاقي تمليه ضرورات الحماية والتناصر القائمة على آصرة القربى من الدم والرحم والدين والثقافة والتاريخ والمصير المشترك بين كافة أبناء الأمة العربية والإسلامية عبر امتداد الوطن العربي والإسلامي  الكبير والتي تعد إرتريا جزء أصيل منه بكل مكوناتها المختلفة .

ولعل المراقب للمشهد السياسي الإرتري من بعد استقلال البلاد يلحظ بونا شاسعا ما بين الواقع والطموح الذي كان يحلم به الجميع فقد صدم الأشقاء والأصدقاء عندما أدار أفورقي ظهره عنهم وتنكر لكل ما قدم من جميل مشكور متجاوزا بذلك حقائق الجغرافيا والتاريخ الماثل فراهن على كل ما يباعد بين البلاد ومحيطها العربي والإفريقي من خلال إتباع سياسة المشاكسة والاستفزاز الظاهر في كل المواقف السياسية  فصارت البلاد  نحو سلوك دروب الجهالة هوية وثقافة وسياسة ففرضت اللهجات المحلية وأعلي من شأن لسان التجرنية وأهلها وأغرق في خدمتها وعمل على تطويرها بالرغم من أنها من الأمور التي لا تضر جهالتها ولا تنفع معرفتها وإدراكها على المستتويين الإقليمي والدولي وأقصيت اللغة العربية بوضوح رغم عظم مكانتها وهي التي تشكل الرابط الثقافي حقيقة في عملية التواصل بين كافة المكون الإرتري وحوربت بكل الوسائل التي تجعلها في ركن قصي وضيق على الكافة في قضايا الحريات العامة فانتهج سبيل الكبت والسجن والطرد والقتل وعمل على الإخلال بالسلم والأمن الدوليين من خلال أحلافه المشبوهة فعظم تنامي الطيف السياسي المعارض من الداخل والخارج حيث شكل الوضع إصفاف واضح لقوى وطنية  ذات وزن سياسي وثقل جماهيري عريض لمناهضة هذه السياسات الخرقاء التي ينتهجها النظام تجاه الأمة العربية عامة والمواطن الإرتري البسيط خاصة ناهيك عن قطاعات عريضة من المثقفين الذين استهدفهم النظام ومنع دخولهم للبلاد ليعيشوا في منافي الغربة والشتات وهي حالة تستدعي من المراقب للشأن السياسي الإرتري ضرورة التأمل والدراسة العميقة لتك الدوافع التي تحير اللبيب حيث لم يسلم منها حتى رفاق الدرب وسندنة نظام أفورقي ومناصريه مما جعل البلاد في حالة انسداد أفق سياسي خانق ووضع لاتحسد عليه في شتى مناحي الحياة بصورة مجملة.

وتنقسم هذه التيارات المناهضة للنظام من حيث النشأة والخلفية التاريخية إلى قسمين لا ثالث لهما وإن كان هنالك في الظاهر تبدوا حالة تعدد وتباين في الطرح السياسي شكل تكاثر وتوالد كيانات يوم بعد يوم لكنه لا يعدوا خارجا عن هذا التقسيم بصورة كلية.

القسم الأول : قوى سياسية كان لها حضور فاعل ووجود بارز منذ فترات حرب التحرير التي جرت بفصولها الدامية ومنعرجات الصعود والهبوط في الساحة حيث كان لها مساهماتها الفاعلة  والمقدرة في عملية المقاومة والاستقلال بنت عليها الجبهة الشعبية أمجادها كأرضية انطلاق صلبة شكلت لها حصنا منيعا وجسرا متينا للعبور نحو  محطة النصر الأخير والتي تمثلت في إخراج آخر جند من قوى المستعمر الأجنبي وإجباره مندحرا هزيما عن التراب الإرتري هذا النصر لم يكن وليد صدفة أو ضربة لازب لكن كانت وراءه جلائل تضحيات عظام من خلال جهود جبارة بذلتها كل القوى الإرترية الوطنية بما فيها التيار الإسلامي الذي يشكل اليوم حضورا فاعلا في المشهد السياسي الحديث فقد دفع الجميع ثمنا غاليا  طال الأنفس والأموال والأعمار في كافة مستويات التضحية والعطاء ولظروف الصعود والهبوط التي تمر على كل الأشياء كسنة كونية ماضية جاء التحرير وهي في اضعف حالاتها من الناحية الفعلية مما أخرجها  عن دائرة التأثير المباشر في تشكيل واقع البلاد وفق رؤيتها السياسية لكنها كانت ولا زالت تمتلك من مقومات القوة الكامنة والخبرة النضالية ما يرشحها لتحويل موازين القوة لصالحها عبر عطاءها ورهانها على رصيد نضالي تليد لا يضاهيها فيه أحد وتلك هي القوى التي تناسلت عن جبهة التحرير الإرترية بتوجهاتها الوطنية والإسلامية وأطروحاتها الأيدلوجية المتشعبة .

القسم الآخر: وتمثله المجموعات المنشقة حديثا عن نظام الحكم الحالي والتي شكلت حالتها وحدة الخيبة السياسية التي مني بها الرفاق نتيجة رهانهم على مشروع آحادية الثقافة وسياسة الحزب الواحد فالتهمتهم نيرانه مثل الآخرين لكن وإن تعددت  صور خروجهم عن كيانهم بالهروب أوالإنشقاق عن نظام حكمهم في سياقات ظروف زمانيه ومكانيه متفاوتة إلا أنهم  يمثلون الوجه الآخر بل نسخة معدلة من الجبهة الشعبية بامتياز وهو توجه في غالب أمره يحاول الإبقاء على ما كان عليه الأمربعد ترميم طفيف للنظام المتهالك بكل رصيد سوءاته البادية للناظرين وهو ما يستشف من تصريحاتهم ومقرراتهم  وسائر  مواقفهم منذ التحاقهم بالصف المعارض . وكلا الكتلتين السابقتين تنتميان لأجيال شتى منها من شهد حرب التحرير أثناء الوجود الظافر لجبهة التحرير ومنها من فتحت عيناه في الدنا على صعود نجم الجبهة الشعبية وانبهر بما تحقق على يديها من استكمال لمشوار حرب التحرير الطويلة والتي استمرت زهاء ثلاثة عقود كاملة لتشكل بذلك أطول حرب تحرر وطني في القارة السمراء ونتيجة لظروف سياسية وإقليمية ودولية مواتية ومتماهية تهيأت عملية القطف لأسياس ورفاقه لثمار النصر النهائي وتم تتويج استقلال البلاد على أيديهم فيما يبدوا للناظر من أفق بعيد لكن من يلقي نظرة عميقة في التاريخ الإرتري تتبين له حقائق أخرى ربما تكون هي مربط الفرس فيما يدفعه الوطن وشعبه من  حرمان وبؤس عميق لا يتسع المقام لذكرها.

عليه اذا استطعنا أن نقرأ الصراع الدائرفي سياق منطلقاته الأساسية ومن ثم أدرجناه في أطره الطبيعية كقوى وطنية فاعلة في المشهد ونظمنا صفوفنا وجهودنا السياسية وفق الكتلتين وأجرينا حوارا واضحا ومكاشفة صريحة ننفذ من خلالها إلى عمق المشكلات الحقيقية  والتحديات الراهنة ربما نستطيع العبور بالبلاد إلى بر الأمان ونجنبها ديمومة النزاع والتهارج وشبح الحرب المهلكة التي ستخلف حتما مشكلات أخرى من تمزيق البلاد إلى كيانات هزيلة لاتحسن إلا لغة الصراع وثقافة الاختلاف والنفور عن كل ما من شأنه أن يؤدي إلى وحدة وطنية تتجسد في تحقيق الوصول إلى رؤية كلية في عملية مقومات التعايش السلمي الموصل إلى الاستقرار السياسي الدائم في البلاد .

ومعلوم بأن هناك ثمة غياب حقيقي ملحوظ  للدور العربي تجاه قضايا البلاد رغم حوجتها الكبيرة لهذا الحضور من بعد استقلالها بصورة لا تكاد تكون خافية ولعل يكون مرد ذلك الزهد في توجيه الشأن الإرتري وترتيبه والذي حظي باهتمام كبير في سابق العهد هو السياسات المنفرة للنظام ووضع عراقيله الواضحة في سد حضور المؤسسات العربية إلى البلاد خشية تعزيز الوجود العربي والإسلامي الذي يتحاشاه النظام ليل نهار لتصادمه مع مشروعه السياسي البائس والقائم على تجرنة البلاد والذي يدفع به عنوة في الوسط الإرتري الرافض .

إن الواقع الإرتري اليوم يحتاج تداركا سريعا ونظر عميقا في سبل حله ولم شعثه وكيفيات  النهوض ورص الصفوف عبرمعرفة طبيعة مكوناته الإجتماعية وكياناته السياسية الفاعلة ومحاولة دعمها وحمايتها ورعاية أنشطتها والإهتمام بها ليتم بناء الدولة الإرترية على أسس سليمة وحديثة تكفل الإستقرار الداخلي والخارجي للبلاد وتجنب الوطن والمواطن المآلات الوخيمة لحالة الإنهيار المريع للدولة الإرترية والذي تبدوا بوارد حدوثه قاب قوسين أو أدنى ما لم تسهم الأمة العربية  والإسلامية في حل المشكل الإرتري والذي لا يحتاج التدليل عليه إلى كبير عناء في تلمس وجوده حيث شهدت عليه جهات محايدة عبر جملة من الإدانات الصادرة من قبل كيانات دولية حقوقية وإنسانية مختصة ومنظمات دولية عاملة تضافرت شهاداتها في حق النظام الإرتري والتبشيع بسلوكه الشائن تجاه شعبه وجواره الإقليمي ومحيطه الدولي مما يؤكد ثمة وجود معضلة حقيقية في نظام السياسة والحكم مما يستدعي علاجها والتعاطي معها بجد وعزم وحزم قبل فوات الأوان عليه يتوجب على المؤسسات العربية الرسمية والأهلية أن لا تكون بمعزل عن شأن قطر راهنت على أن يكون لها فكانت له خير ظهير ونصير.

 

 

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=41707

نشرت بواسطة في مايو 17 2017 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010