بحثاً عن العدالة الإجتماعية: هل هناك دواءٌ ناجعٌ لمشكلاتنا الوطنية؟

بقلم حنان عبدالله

المملكة المتحدة

25 يوليو 2017

لم يكن التوجه إلى ساحات النضال والانخراط فيها، خاصة الكفاح المسلح الذي بدأ في عام 1961، نزوة عابرة أو مجرد رغبة استعراضية قام بها بعض الشباب قبل ما يقارب من ستة عقود من الآن. بل القضية تعلقت برغبة شعب تاق للحرية وتقرير المصير وهي حقوق تكفلها له كل المواثيق والقوانين الوضعية.

إذن مسألة العدالة للمواطن، كل مواطن، هي القضية المحورية التي سعى الإنسان الإرتري إلى تحقيقها من خلال التحاقه بالثورة الإرترية ورفضه للاحتلال الإثيوبي كقوى أجنبية ألحقت البلاد بالأمبراطورية الإثيوبية.

عليه أخذ نضالنا الإرتري العادل في حسبانه، لحظة إعلانه، مسألتين جوهريتين، أولاهما تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي وثانيهما تحقيق العدالة للجميع. وقطعاً أن المهمتين مرتبطتين ببعضهما على الدوام، فالثانية يصعب تحقيقها في ظل وطنٍ محتلٍ. فالعدالةُ بهذا المعنى، ليست مجرد شعارات استعراضية يتم رفعها،بل تحتاج إلى ممارسة محمية بقوانين وسلطة وطنية، الشرط الذي لم يكن متوفراً حينئذٍ.

مع ذلك، فإن الثورة الإرترية، سواء في جبهة التحرير الإرترية أو الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا، حاولت تحقيق تلك العدالة عن طريق محاولة تأكيد المشاركة الشعبية في أجهزة الثورة عبر خلق أجهزة شعبية وفئوية كالمنظمات الجماهيرية من شاكلة الاتحادات الطلابية والنسوية والعمالية وغيرها وسعت جاهدةً إلى تأكيد تلك الممارسة الشعبية كسلوك إيجابي في اختيار الإدارات التي تسيِّر البلدات والمدن المحررة من قبل الثورة.

ولأن العدالة الإجتماعية يأتي في صلبها المساواة بين الجنسين، جاءت مشاركة الفتاة الإرترية في مرحلة النضال السياسي حيث طالب أبناء وبنات إرتريا باستقلال البلاد ورفض ضمها إلى إثيوبيا وأمام التعنت الإثيوبي وإعطاء العالم للمطالب الإرترية آذاناً صماء، اضطرت المرأة الإرترية أن تلتحق بالثورة وتحمل السلاح لقناعتها من أنها فعلاً تشكل نصف المجتمع الحقيقي وإيماناً منها أيضاً أن تحقيق المساواة والعدالة في المجتمع لا يتأتى بالشعارات ولا كمنحة من الرجل، بل عبر مشاركتها جنباً إلى جنب مع الرجل يمكن صناعة المستقبل، مستقبل العدالة والمساواة بين الجميع. وفعلاً شكلت المرأة الإرترية حضورها في النضال بنسبة تجاوزت ثلث المقاتلين على نحو جعل الثورة الإرترية أنموذجاً لكثير من نساء العالم.

وبنتيجة تلك المشاركة والتضحيات الكبيرة، تحقق الاستقلال الإرتري وكان الأمل، ليس فقط في أن تتحقق العدالة الشكلية، بل أن تحدث مساواة حقيقية للمرأة مع الرجل لتنعم البلاد بالعدالة الفعلية. ولكن وعلى عكس كل التوقعات سرعان ما تنكرت الحكومة الإرترية المؤقتة التي أعلنتها الجبهة الشعبية عشية التحرير لوعودها. فتم تعليق الدستور الذي تم إجازته عام 1997 واعتقال المجموعة الاصلاحية التي عرفت بمجموعة الـ 15 والتي كان أعضاؤها من كبار المسؤولين الحكوميين من أمثال محمود شريفو وبطرس سلمون وهيلي درع وصالح كيكيا وعقبا أبرها وحامد حِمِدْ وغيرهم… ولم تكتف الحكومة بذلك بل قامت بإيقاف الصحف الخاصة واعتقال القائمين عليها من الصحفيين. كل ذلك تم يوم 18 سبتمبر 2001.

 

ولتزيد الطينة بلة، طبقت الحكومة قرار الخدمة الوطنية التي ارهقت كاهل الشباب لامتدادها لسنوات طويلة قصمت آمالهم وحطمت طموحاتهم، الأمر الذي دفع بالكثيرين منهم إلى هجر البلاد وتعريض حياتهم لمخاطر جمة، بالنتيجة فقدت البلاد عمودها الفقري الذي كان التعويل عليه كبيراً في بناء وطنٍ دمرته الأنظمة الاستعمارية المتعاقبة وحرب الاستقلال التي استمرت لأكثر من ثلاثين عاماً.

كان الأمل معقوداً في أن تكون فترة النضالات التي سبقت الاستقلال والتحرير كافيةً لأن تتعلم قيادات الثورة أساليب شتى لتعزيز لحمة البلاد وتدرك الطرائق الناجعة التي تؤهلها تجاوز المشكلات التي تعرضت لها ثورات أخرى في العالم مثل أنغولا وموزبيق وحتى جنوب إفريقيا، لتلافيها والعمل على خلق الوفاق المجتمعي، عبر عقد مؤتمرات للمصالحة الوطنية على نحو يضمن مساهمة الجميع للمحافظة على مكتسبات الاستقلال الوطني وبالتالي تفويت الفرصة على أي قوى قد تستهدف وحدة البلاد وسيادتها. ولكن للأسف “الرئيس” إسياس أفورقي الذي وصل السلطة عبر الحكومة المؤقتة لم يكن مستعداً منذ البداية لبناء دولة على أسس ديمقراطية.

ولعدم حماس نظام إسياس أفورقي تعثرت الدولة وتأخر بناء مؤسساتها إذ أضحت الدولة برمتها أداة في يد “الرئيس”، ووراء ذلك أسبابٌ عدة يمكن تناول بعضها في وقت آخر بشيء من التفصيل، مع ذلك يمكن القول إجمالاً، أن تعقيدات “الرئيس” إسياس ومجموعته وعدم انفتاحهم قد تصلح لأن تكون بعض أسباب المشكلة وليس بالضرورة هي الوحيدة فيما وصلنا إليه من أزمات وطنية. وبالتالي أكرر وعلى عجل القول وحتى إشعار آخر، أن انعدام الممارسة الديمقراطية في إرتريا هي أس المشكل الذي نحن بصدده.

للحديث بقية…

للتواصل مع كاتبة المقال

hananabdella88@gmail.com

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=41879

نشرت بواسطة في يوليو 25 2017 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

1 تعليق لـ “بحثاً عن العدالة الإجتماعية: هل هناك دواءٌ ناجعٌ لمشكلاتنا الوطنية؟”

  1. AL KHAIR

    تسليمى اخت الرجال لقد قلت ما فى عقولنا وصدورنا ونحن بانتظار ما يتبع

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010