البشرى (الثانية)

بقلم: بشرى بركت

في البشرى (الأولى) قمنا بسرد من نكون وما هي مشاكلنا وكيف نوجد لها حلولا حيث أكّدنا على الوحدة والمصير المشترك في ظل وطن يؤمن أهله بالعدالة وإعادة الحقوق إلى أصحابها داخل خارطته التاريخية التي ظلت في وجدان جميع المناضلين الشهداء وكل المناضلين الشهود. وقد تم التأكيد على أنّ الطريق طويل للوصول إلى  الأهداف التي نحسبها مصيرية لبقاء وطننا واحداً ينعم بالعدالة، والتركمات من العجز وسوء الإدارة والمؤامرات الخارجية والداخلية كثيرة جدا. ومن ثم يتوجب العمل الممرحل في إطار المبادئ الحاكمة والأهداف الواضحة. وانتهينا إلى أنّ الوحدة المفقودة ستتحقق مع اول عمل جاد مبني على فكر متكامل يجمع كلّ أهل الوطن تحت مظلة العدالة والحقوق المثبتة يسيرها نظام اداري ديمقراطي سليم ويحميها نظام قضائي متمكن من سلطاته المُؤمّنة وحرياته المضمونة من خلال الدستور الفدرالي والدساتير الخاصة بالأقاليم ثم النّظم المعمول بها في مناطق الحكم الذاتي المصغر داخل الأقاليم.

قمنا في أحاديث سابقة أيضاً بتأكيد من هو عدونا الذي يريد أن ينهب أرضنا ويتحكم في مصائرنا، وذكرنا ما رأينا أنّها معلومات مصيرية بنينا عليها رؤيتنا وسنبني عليها المخرج وكان آخرها المقال الأخير(أمل صهيون … جبل صهيون) نسبة إلى تسفاطيون والأقعازيان ومن سار صمتا أو زعيقاً مسارهما نحو الكيان الصهيوني وسياساته التي طبقت علينا حرفيا. ومن هذا المنطلق أصبح لزاماً علينا أن نستمر فيما بدأنا إستكمالا لمسيرتنا في رفع مستوى الوعي وتدارك السكون التي تحكّم على مصائرنا، حيث نجد أنفسنا لا نعلم ولا نعمل بغير الذي يتم توجيهنا إليه من الآخَر بالواسطة أو بالمباشرة.

ولنبدأ ببعض التعريفات النهائية حتى تكون مرتكزاً أساسيا لبرنامج عملنا القادم وشعلة تنير لنا الطريق نحو الهدف الأسمى وهو التأسيس لوطن ديمقراطي يتمتع فيه الجميع بكافة حقوقهم بالتساوي بعد إعادة جميع الحقوق المستلبة إلى أصحابها.

التعريف

الحقيقة التي لا أرى سبيلا لنكرانها هي أنّنا شعب واحد بهوية واحدة وهوى ثنائي. ولتأكيد هذه الحقيقة كان لنا سرد مفصل في مقال سابق تحت مسمى (الجارة اللدود..) وآخر تحت عنوان (الجبهة المتقدمة) وقد كان عمودهما الأساسي يتمثّل في كيفية تطور الشعب وتكوينه عبر قرون قليلة من تاريخه الحديث، خاصة وأنّ الدول الإفريقية بتركيباتها الحالية وتكويناتها المُقرّة قد تأسست منذ قرن مضى على أقصى تقدير. أمّا بالنسبة لنا في إرتريا فقد تشكل الكيان بناءاًعلى عوامل الطبيعة والمزاج البشري والعقائدي. وبالرغم من تناول ذلك بإسهاب في أحاديثنا السابقة فإنّ مراجعة بعض النقاط تحتمها أهمية سياق الحديث. فنعلم أنّ إثيوبيا أو الحبشة على مدار تاريخها وبرغبة ملحة من الحكام ظلت تهرب من التواصل المفتوح مع العوالم الأخرى التي كانت تأتي عبر البحار خوفاً على ثقافتها وعقيدتها ومن ثم على نظم حكمها التي تم ربط وجودها بقوة العقيدة الأورثودوكسية واستمرارها بذات النهج، الأمر الذي تسبب في انحسارهم إلى داخل اليابسة هروباً من التأثير والتأثّر الطبيعي ضمن التفاعل البشري، خاصّة وأنّ المنطقة كانت تعج بالزحف الثقافي الإسلامي، وقد أدّى ذلك إلى تكوّن كيان مختلف تماما عن إثيوبيا في المناطق الشاطئية والأخرى الممتدّة عبر السهول ممّا حتّم على إثيوبيا الأورتودوكسية الإنحباس في المرتفعات، هروبا من التفاعل حماية لهويتها الأرتودوكسية ولحكمها الذي تمكّن من إقناع الكنيسة والسيطرة والسّطو عليها تماماً.

وبما أنّ الخريطة قد تمّ فرضها والمكونات قد تم تحقيقها في ظل الكيان الذي تأسّس كباقي الدول الإفريقية بناءاً على ما وصلت إليه يد الإستعمار (الإيطالي في حالتنا) ممّا أسّس لهوية وطنية إرترية مثلها مثل باقي الدول الإفريقية، ومن ثم فإنّنا جميعا إرتريون بمكونين إثنين:-

الأول المكون المتفاعل مع العالم الخارجي، والآخر القريب من الهضبة الحبشيىة بتاريخها الذي أسلفنا ومن ثم هذا الهوى الثنائي فقط هو من يحكم المستقبل كما كان دائماً من تحكم في الماضي القريب والماضي البعيد.

المكون غير الحبشي .. عماده المتفاعلين مع العالم الخارجي من المسلمين وأتباع الديانات المسيحية الأخرى كالكاثوليكية والبروستانتية اللتين عاشتا في كنف المجتمع المسلم وقامتا بأنشطتهما بكل حرية حتى التنصير في قلب المجتمع المسلم. وبالرغم من ذلك لم تخلقا أي أزمات أو تواجها أي عداء من أي نوع حيث أنهما لم تكونا مرتبطتين بالجشع والعدوانية عكس ما كان من الكنيسة الأورثودوكسية التي لا زالت رهن الإختطاف وتعاني من تدخّل فج في جوهر عقيدتها من قبل حكام إثيوبيا وإرتريا في الماضي والحاضر. وعليه ندرك أنّ تلك الكنائس جزء أصيل منا ومتصل بنا ومتواصل معنا على الدوام. وندرك أيضاً أنّ تلك الكنائس لم تكن قد تمكنت من إيجاد أثر لها بل في المرتفعات الإرترية والإثيوبية قبل تمكن المستعمر الإيطالي، ذلك لانها كانت عدواً لدوداً بالنسبة للمكون الحبشي بكنيسته الأورتودوكسية – كنيسة السلطة المنزوية بعيداً عن التفاعل الخارجي.

هذ المكون لم يستطع حتى الآن الخروج إلى النور بمشروعه الوطني الحرّ الذي يمكن أن يدرأ شرور المكون الآخر ومن ثم يساعد في تحرير الكنيسة الأورثودوكسية من تحت براثنه. وعليه سنسعى جميعا للنظر فيما يمكن فعله لتأطير هذا المكون من خلال وضع خيار الوطن الواحد الذي يحمي الخصوصية الكاملة لكل المجتمعات في إطاره الثنائي بعد دفن وهم القوميات التسعة الذي صبغتنا به أنظمة دعم سيادة الكيان الحبشي، والسّعي لتحقيق أغلبية له عبر الزّحف التقراوي الصامت تجاه إرتريا.

بناءاً على ذلك فإن وضع بديل موازي لطرحهم الحالي المسمى بالأقازيان يكون ضرورة تحتمها المرحلة وسيقضي هذا الطرح بأنّنا في إرتريا لا نسمح بتمركز التقراوي الغريب الذي يرمز له بالمكون الحبشي على أرضنا ولكنّنا لا نمانع إذا طلب من ارتبط تاريخيا بهم بالهرولة نحوهم فلا نمانع في أن يقرّروا مصيرهم ويذهبوا بأرضهم (فقط) إلى دولة أقازيانهم ضمن ما أسلفنا في مقال سابق تحت مسمى (تثبيت حق تقرير المصير) والخريطة واضحة تماماً.

هذا الطرح ليس خيارا بقدر ما هو أداة للضغط على من يحاول فتح الحدود الإرترية للجشع الإثيوبي ومن ثم إبتلاع إرتريا في تكرار للتاريخ الذي سبق وأن قامت ذات الفئة بفعله في منتصف القرن الماضي. ولا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين – ولا يسمح نهر مرب بالقفز العشوائي فوقه مرّتين.

المكون الحبشي .. عماده الإرتباط بحكم إثيوبيا المسيحية الأورثودوكسية حسب ما يريدها الحكام في إثيوبيا حيث كوّنوا ثقافة أنّ الإجماع الوطني لديهم لابد أن تدعمه حالة عقائدية طائعة لمئارب الحكام وقد وجدوا في الكنيسة الأورثودوكسية الملاذ الآمن لهم حيث وجدوا موروثها لاينظر إلى الأمام بقدر نظره إلى الوراء ومن ثم التقوقع في الماضي وإختيار العيش الرهباني في أعالي الجبال حيث لا يرغب كبارها في التأثير والتأثر وعليه يسهل استغلالها لما شاء الحكام.

هذه الكنيسة المختطفة تم ويتم استخدامها وجوانب من عقيدتها في أعمال الإبادة والإستئصال التي جرت والتي يتم التخطيط لها في أوساط عميقة داخل كياني الوياني والشعبية تتصدرها أجنحة الأقعازيان التي تصم الآذان هذه الأيام ويغض الطرف عنها مندوبوا الكيانين في المعارضة بما فيهم من يصم الأذان هذه الأيام بملتقياته وتجمعاته المغرضة.

بهذا السرد المبسّط نصل إلى أنّنا أمام مكونين أساسيين للمجتمع الإرتري يلتقيان داخل هوية واحدة متى ما أرادا ذلك واحترما حقوق بعضهما بعضاً، وإن لم يكن ذلك ممكناً (ولا بد أن يكون ممكناً). وإن تحقّق العجز الذي لا نتمنى فإنّ الحلول المقترحة بما فيها ممارسة الحق الطبيعي في تقرير المصير قد يكون له دور في المستقبل.

بالعودة إلى مسالة التّعريف فإنّنا نؤكد إلى أنّ المكون الحبشي قد أكمل تعريف ذاته وحقّق ما سماه الرّبط التاريخي للأحداث وعليه وجد شأنه سهلاً للبناء والتقدّم نحو الهدف الذي يقصد ولكم أن تشاهدوا ما في الساحة من تلاقي في المفاهيم وسرعة في التنظيم وفاعلية في الأداء ولتشهدوا أنّه ليس إلّا نتاج لهذا. ولذلك مسبباته ليس أقلها إنسيابية الثقافة ومحدودية وتحديد مصادرها، فقد اكتملت لها الأزمنة والأمكنة والكتلة البشرية الفاعلة فيها، ومن ثم نسجوا لأنفسهم تسلسل تاريخي الحقيقي منه والمسترق، وتمكّنوا من صناعة أرض صلبة جعلت القناعات عنهم تؤتى من خلالها. (ولا تنسو الخرف التاريخي التقراوي لمملكة أكسوم بالرغم من أنّهم وُجدوا بعد انهيار هذه المملكة حين تشتّتت وتفتّتت وخرج الأقوياء وبقي في المكان كل الضعفاء ومن لا يستطيع الخروج، ولا أدلّ على ذلك أكثر من أنّ كل ما يدّعون من الوثائق الدّالة عليهم مكتوبة بالأمهرية حتى خاتم كبيرهم المدعى مكتوب بالعربية والأمهرية!!! ولسخرية المقادير فإنّ تسمية لغتهم في حدّ ذاتها والتي يدعون أنّها كانت هنا أوهناك “بحسب تخاريف بروفيسراتهم الإصطناعية” هي باللغة الأمهرية حيث تعني بالأمهرية (التقريوية) نسبة للُّغة حيث نجدها مكونة من تقري ( (ትግረ نيا  () فلفظ لا وجود له في قوعد اللغة التقرنياوية بمعناه الدال للإنتساب إلا ما استجد منه واقتُبس مؤخراً وبعد اكتمال السّطوة – إنتهى الخروج عن النص!! ).

أمّا المكون غير الحبشي فإنّ حالات التمازج الثقافي بين أطرافه تحتاج إلى عمل مخلص ذلك لأنه قد واجه التمزيق الممنهج بالرغم من وجود كلّ عوامل نجاحه الباهر التي بين يدينا ويجود بها موروثنا التاريخي والحكاياتي وتاريخ كل الأمم التي تأثرت بنا وتأثرنا بها باعتبارنا المكوّن الذي اختار واختارت له الظروف التفاعل الدائم مع العالم الخارجي شأنه شأن المجتمعات المُتحضرة إلّا أن مظلته التراثية ما زالت قوية ومترابطة وانسيابية التلاقي التراثي بين كل عناصره مثيرة للإعجاب حيث تدلّ على طبيعية التطور وليس التطور المفروض على الكلّ كما في المكوّن الآخر ولنا في ذلك أمثلة كثيرة لا تسعها هذه المساحة.

المطلوب إذن مجهود توثيقي وتنسيقي في إطار فكرة المكون الواحد ودحض فكرة القوميات التي صُنعت لتحقّق سيطرة وسطوة المكون الحبشي المُتماسك مقابل الآخَر المبعثر بين الإنتماءات التي صُنعت له خصّيصاً ليظل داخل شرانقها الخانقة فيسهل ابتلاعها الواحدة تلو الأخرى دون عناءٍ يذكر.

بإتمام مشروع ذلك الإنتماء سنتمكن من خلق التوازن الضروري الضامن لوحدة الكيان الإرتري أولا ثم المحقق لخيار ايقاف الأقاعز عند حدّهم وحدودهم إذا ما دارت العجلة باتجاه سيطرتهم الكاملة على المكوّن الحبشي المتواجد ضمن الكيان الإرتري والذي يتحمّل المسؤولية الأولى والأخيرة لإستئصال هذا الوباء السرطاني المسمى بالأقازيان إذا ما أريد للكيان الإرتري البقاء كياناً واحداً بهوية واحدة وهوى ثنائي.

يعلن الأقاعز يوميا ويعلموننا باستمرار حتى نكون على يقين وبصيرة بأنّه سيأتي يوم يخرجون فيه للمواجهة وأنّ خريطتهم كما يدّعون تبدأ من إستئصال السّاهوا والجبرتة، ومن هنا تبدأ حالة الوحدة الحقيقية لدينا، ذلك لأن من وضعوهم كأولوية الإستئصال في أجندتهم الحاقدة كانوا أشداء في الدفاع عن حقوقهم (ويشهد التاريخ بذلك) ومازالوا في ذات النّسق (وتشهد وقائع النزاع الدائم على الأرض غيرها وصلابة موقفهم في أمور دفاعهم ضد المستعمر الجار)، واستناداً على ذلك وغيره سيظلون هم القوة الضاربة والقدرة الخارقة ومن ثم الجبهة المتقدّمة لنا في قادم الأيام. وعليه فرضُ عينٍ علينا أن نكون في ظهرهم ونقف يداً بيد معهم على الدّوام حتى تختمر كامل الفكرة وتنضج في القريب العاجل ومن ثم نلتزم بمعادلة برنامج اليوهانّسيين الحاقد بالعمل المشترك والمنظم ونصنع لأنفسنا برنامجنا المتكامل إستنادا إلى الواقع الوارد في مقال الجبهة المتقدمة وحفاظاً على هوية الوطن الواحد من خلال التوازن الرّادع.

الخطوة الأولى

يبدأ العمل بالإستعداد الشخصي بالتوثيق وإعداد ما وصلت إليه أيدينا ومسامعنا من تاريخ وموروث قديم يصب في الحاضر والمستقبل ثم دراسة العلاقات الخاصة بنا بالعالم الخارجي ومن ثم تكوين رؤية شاملة تضم الإمتداد الخارجي المترابط معنا ثقافيا وبالضرورة المتنافر مع المكون الحبشي أعلاه، وللعلم فإنّ ما نرى من ضعف في الجوار الجغرافي الذي يفترض أن يقف سنداً وامتداداً لنا لن يستمر طويلاً ثُمّ أنّه فقط المتاح لنا ولا ننس أيضاً أنّنا أصحاب مشروع بعيد المدى يبدأ من تأكيد الهوية والمصير المشترك.

أول منطلقات هذا البرنامج يكون في رفع مستوى الوعي بالأخطار المحدقة والمصير المشترك ومن ثم وضع تعريف إجماعي للقضية المشتركة، ومن ثم الهوية المشتركة.

وسنتناول ذلك في حلقتنا القادمة البشرى (الثالثة)/ رفع مستوى الوعي.

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=42157

نشرت بواسطة في أكتوبر 13 2017 في صفحة البشرى, المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010