مدرسة الضياء وضوء الحرية في إرتريا

محمد البصيري

إرتريا هي تلك الدولة الصغيرة التي تقع شمال القرن الأفريقي، على الساحل الغربي للبحر الأحمر على مقربة من مضيق باب المندب، حيث تمتد شواطئها بمسافة ألف كيلومتر على البحر، وتحتل موقعا استراتيجيا مهما للغاية، مما جعلها مطمع للكثير من الدول.

فمنذ نشأتها كدولة بحدودها المعروفة، وبعد خروجها من تحت ظل الحكم العثماني، لم تنعم بالاستقرار والسيادة على أراضيها. فقد استعمرها الإيطاليون لمدة 50 عاما (1890-1942)، ثم انتقلت إدارتها للبريطانيين.

وخلال هذه الفترة، نشطت النخب الإرترية في إنشاء الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني التي تطالب بالاستقلال وتقرير المصير. ومن أهم هذه الكيانات؛ كانت الرابطة الإسلامية التي جمعت معظم الطيف المسلم في البلاد، والذي كان يمثل تعداده آنذاك أكثر من 75 في المئة من سكان إرتريا. وكانت تطالب باستقلال الوطن بالكامل، وقدمت أول شهيد في معركتها التحررية؛ المناضل عبد القادر كبيري، أحد مؤسسي الرابطة ورئيس فرعها في العاصمة أسمرا. فقد تم اغتياله في العام 1949م بينما كان يستعد للسفر إلى أمريكا ضمن وفد الرابطة المتجه للأمم المتحدة، لعرض قضية إرتريا والمطالبة باستقلالها بشكل كامل عن الاستعمار.

وعلى النقيض من الرابطة، كان حزب الوحدة الذي يمثل المسيحيين، وكان يطالب بالانضمام إلى إثيوبيا. وفي العام 1952م، وبقرار جائر من الأمم المتحدة وتحت ضغط أمريكي، دخلت إرتريا في حكم كونفدرالي مع إثيوبيا، في عهد الإمبراطور هيلا سلاسي؛ الذي كان يتمتع بدعم من الدول الغربية، وبنفوذ واسع في المنطقة. وما أن استلمت إثيوبيا مقاليد الحكم في إرتريا، حتى بدأت في فرض هيمنتها بالقوة لإخضاع الشعب الإرتري، وبدأت عهدها بالاعتقالات والقمع، خاصة بعد اعتبار إرتريا إقليما من أقاليم إثيوبيا، وإنزال العلم الإرتري في العام 1958م، مما إضطر الكثير من الشعب للنزوح إلى الدول المجاورة، وخاصة السودان.

وفي العام 1960م، تم الإعلان عن إنشاء جبهة التحرير الإرترية في دولة مصر العربية، من قبل الطلاب والمثقفين الإرتريين المقيمين في المشرق العربي، رافضة الاستعمار الإثيوبي، ومطالبة بتحرير إرتريا. وبعد ذلك بعام، ومن داخل الأراضي الإرترية، خرج الشهيد البطل حامد إدريس عواتي؛ إلى جبال إرتريا، ليعلن ثورته وانتفاضته على الاستعمار الإثيوبي في 1/9/1961م، لتتلقف ذلك جبهة التحرير وتتبنى الثورة وتنصهر معها، ليبدأ فصل طويل بطولياً في مواجهة إمبراطورية قوية مدعومة من الغرب، وبإمكانيات محدودة ساهم فيها جميع الشعب الإرتري، وبدعم مقدر من بعض الدول العربية، على رأسها العراق وسوريا.

واستطاعت الثورة تحرير 70 في المئة من تراب الوطن بإمكانات مادية لا تكاد تذكر، وبغياب كامل عن المشهد الإعلامي الدولي، حيث أدار لها العالم ظهره، وتركها الجميع تواجه عدوانا سافرا ومحرقة تعرض لها الشعب لأكثر من 30 عاما. ومن ثم انضمت للثورة في منتصف السبعينات؛ الجبهة الشعبية لتحرير إرتريا. وبتحالف مع جبهة تحرير تجراي الإثيوبي وبدعم غربي بعد انتقال إثيوبيا للمعسكر الشرقي في عهد الجنرال الشيوعي منغستو هيلا ماريام، استطاعت تحرير إرتريا في العام 1991م. ونالت استقلالها بالكامل بعد إجراء الاستفتاء في 24 أيار/ مايو 1993م، وبدأ فصل آخر من المعاناة أقسى من سابقاته.

فبعد أن ظن الشعب أنه نال حريته عقب التضحيات الكبيرة التي قدمها، ظهرت الصورة قاتمة للغاية منذ استلام الرئيس أسياس افورقي مقاليد الحكم وإعلان الحكومة المؤقتة لإدارة البلاد، حتى شاع الظلم والاستبداد. فلا أحزاب غير حزبه، ولا حياة سياسية، ولا برلمان، ولا دستور، وفتحت السجون وزج فيها جميع المعارضين، بل حتى غير المعارضين، وتم إفراغ الوطن من نخبه السياسية والثقافية، وحتى زملاء الأمس من كوادر حزبه تخلص منهم الواحد تلو الآخر وزج بهم في السجون، وتمت تصفية البعض منهم.

وبدأ حربه مبكرا على اللغة العربية، والتي تعتبر اللغة الرسمية للبلاد بجانب اللغة التقرينية، ويتحدث بها أغلب المسلمين. وأقفل المدرسة الوحيدة في العاصمة التي تدرس منهجها باللغة العربية، وفرض التعليم باللهجات المحلية؛ إمعاناً في محاربة العربية وتهميشها، وتهميش المسلمين ومحاربة ثقافتهم. وبدأ في إقفال المعاهد الإسلامية، وسجن معظم مدرسيها والعاملين فيها، وألقى بجميع علماء المسلمين في إرتريا في سجونه المرعبة، منذ العام 1991م، ولا يعرف مصيرهم حتى الآن. كما لم يترك القساوسة ورجال الدين المسيحي الذين يخالفونه، فألقى ببعضهم في سجونه القاسية، وجعل راعي الكنيسة الأرثوذكسية تحت الإقامة الجبرية؛ لا يغادر مكانه.

ولم يكتف بذلك، بل أرجع البلاد إلى الخلف سنوات ضوئية، بلا اتصالات متطورة ولا خدمات. فالمواطنون لايهنأون بالكهرباء والماء، فهما خارج الخدمة طيلة العام. ويقف السكان في طوابير طويلة للحصول على الماء، ولا تتوفر خدمة الإنترنت إلا بمقاه قليلة في العاصمة، وبعض المدن تستخدم النظام القديم بالاتصال المحدود، مما جعلها في عزلة عن العالم الخارجي.

والأدهى من ذلك، والطامة الكبرى التي جعلت الشباب في فرار دائم إلى خارج الوطن؛ هي الخدمة الإلزامية بمدى مفتوح. فأنت كمواطن إرتري مجند في الجيش بلا زمن محدد حتى تبلغ من العمر عتيا، ولا يسمح لك بمغادرة البلاد وإلا مصيرك هو القتل المباشر عند اصطيادك هاربا على الحدود، أو السجن والتعذيب إن قبض عليك، مما اضطر معظم الشباب لدفع تكاليف باهظة حتى يغادرون البلاد عن طريق سماسرة التهريب، وكثير منهم فقد حياته في الصحراء، أو كان عرضة لتجار الأعضاء البشرية في الدول المجاورة، أو ابتلعته أسماك القرش عند تخوم القارة العجوز قبل وصوله إلى منتهى أحلامه في الخلاص من الحياة البائسة.

وفي خضم هذا الظلام الدامس، انبعث ضوء من أقصى حي في العاصمة أسمرا، وهو حي أخريا الشهير الذي تقطنه أغلبية مسلمة، ومن مدرسة الضياء الإسلامية التي تم تأسيسها على يد الأستاذ محمد بشير، خريج دار العلوم بجمهورية مصر العربية، وأعيان المسلمين في العاصمة أسمرا، في العام 1967م.

فبعد أن قامت الحكومة الإرترية بإغلاق هذه المدرسة بالقوة المسلحة ومصادرة المبنى واعتقال مديرها، الشيخ التسعيني موسى محمد نور، بعد أن رفض الإملاءات التي فرضت على المدرسة، وتمثلت في عدم تدريس المناهج الدينية، ومنع الطالبات من ارتداء الحجاب، وفرض اختلاط الذكور والإناث من الطلاب في فصول مشتركة.. ما كان من الشيخ إلا أن جمع أولياء أمور الطلبة وقال كلمته التي أصبحت مشعلاً لرفض الظلم ومواجهته وجعلته أيقونة للثورة، قالها بصوت عال دون خوف: “لا نقبل الشروط التي يريدون فرضها على المدرسة، ولن يستطيع أحد، كائنا من كان، أن يفرض علينا ما لا نريد، ونحن نتبع الإجراءات السليمة وليس هنالك ما يخيفنا.

– هؤلاء الفتيات اللاتي يأتين إلى المدرسة محجبات هُن بناتنا المسلمات، ولن يستطيع أحد أن يمسهن بسوء.

– نحن مستعدون لتحمل المسؤولية كاملة، ونحن على أتم الاستعداد للاعتقال أو الموت في سبيل ديننا وعقيدتنا.

– عدد تلاميذ وتلميذات هذه المدرسة يبلغ 2800، ويقدر عدد آبائهم وأمهاتهم بأكثر من خمسة آلاف. هذا يعني أن من يتعرض لهذه المدرسة بسوء؛ فإنه يسعى لإثارة غضب أكثر من 10 آلاف شخص.

– هذه المدرسة شيدت بأموالكم، أنتم المجتمعون أمامي الآن، وليست مدينة لأحد بطوبة واحدة أو كيس إسمنت واحد.

– لقد استدعينا من قبل من وزارة التربية والتعليم، وأخطرناهم بوضوح بأنه لا يستطيع أحد أن يلزمنا بأي تغيير أو تعديل في المدرسة، هذه مدرستنا شيدناها بأموالنا.

– أما عن حديثهم المتكرر عن الدين، فإن الدين هو الذي يمنع المرء من الانحراف، ويرشده إلى الطريق القويم. والإنسان بلا دين لا يختلف عن الأَنْعَام، فلماذا تعادون الدين؟

– نحن مسلمون، وسنمضي بتعاليم ديننا، ولن لا يستطيع أحد منعنا من ذلك.

– لن يجدوا أي ثغرة يتسللون بها إلى المدرسة، ولنحرص على التربية القويمة لأبنائنا في منازلنا، فإن المنزل اساس التربية”…

فاجتمع طلاب المدرسة 31 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، وانطلقوا معلنين الرفض؛ في مظاهرة انضم لها سكان الحي والأحياء المجاورة، وتوجهوا إلى قصر الرئيس، ولكن تم صدهم بالرصاص الحي الذي أطلق بكثافة في الهواء. وتم تحويل العاصمة بعد ذلك إلى ثكنة عسكرية، وحوصر الحي وتم تطويقه بالكامل، والاعتقالات تجري بعشوائية للمواطنين المسلمين؛ بعد أن تم اعتقال جميع الكادر الإداري في مدرسة الضياء الإسلامية التي شع منها ضوء الحرية ولن يتم إطفاؤه بعد الآن.

 

 

نقلاً عن عربى21

 

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=42435

نشرت بواسطة في نوفمبر 14 2017 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010