بعد أكثر من ربع قرن هل بدأت دورة التغيير الحتمي في ارتريا ؟


ابراهيم قبيل
قبل أكثر من 27 عاما كان عناصر السلطة الحالية في ارتريا(النخب الحاكمة ) مجرد ثوار يحلمون بالحرية والاستقلال في وداخلهم ولكن ما ان تحقق الحلم المستحيل بعد تضحيات جسام من الشعب الارتري وأصبح مجسدا على ارض الواقع وتجلت ملامح الدولة الوليدة اختطفوا ذلك الانجاز لأنفسهم بدلا من ان يتخذوا المسار الصحيح الذي يؤدي الى تسليم السلطة للشعب كما هو مفترض ألا انهم بذلك وللأسف كرروا تجارب فاشلة لأغلب حركات التحرير الوطنية في العالم الثالث التي نجحت في تحرير بلادها من المستعمر الاجنبي وأضحت هي البديل السلطوي للمستعمر الاجنبي بكل اساليبه في الحكم والسلطة والثقافة السياسية اللهم فقط الذي تغير هو هوية الحاكم !! ولعل هذا السلوك الانتهازي لنخب ثورية جاءت من صفوف الشعب يمكن تفسيره في سياق الثقافة السياسية التي كانت الحاضن لمفاهيم السلطة والصراع السياسي ابان مرحلة الكفاح المسلح والتي تصور الاحتلال الاجنبي كحالة طارئة ومؤقتة يمكن تجاوزها بالحسم العسكري فحسب و ان المهمة التاريخية (المناطون بها ) انما هي تغير بنية المجتمع وبناء مجتمع جديد يتناسب مع معايير مفهوما الحرية والعدالة لديهم والتي هي في الحقيقة مستوحاة من ايدلوجية شمولية لا تنظر لحقوق افراد المجتمع إلا ضمن اطار قوانين الصراع مع الاخر ولكن غالبا ما يؤدي بها ذلك في النهاية الى صراع مع الشعب نفسه ومن هنا تبدأ دورة (التغيير الحتمي) لإعادة تصحيح المسار التاريخي لنضالات الشعب من أجل الحرية والاستقلال والديمقراطية وعلية ان السؤال الذي يطرح نفسه في حالتنا الارترية وقد اقترب موعد الاحتفال بالذكرى السابعة والعشرون للتحرير والاستقلال هل بدأت عندنا دورة التغيير الحتمي فعلا أم فقط ارهاصاتها الاولية؟ قد يفهم هذا السؤال على انه سؤلا نظريا لا اكثر بالنظر الى واقع استمرار السلطة القائمة في الحكم مدة 27 عاما نقريبا دون ان تختبر قوتها او بالأصح لم تواجهه تحديا كبيرا من قبل الشعب يمكن التعويل على نتائجه في الوقت الحاضر لربما يحتاج الامر مزيدا من الوقت كما يبدو في الظاهر وبالتالي قد يعزز الاعتقاد بان دورة التغيير لم يحن وقتها او حتى ارهاصاتها. قد يكون ذلك صحيحا نوعا ما ولكن اذا تمعنا النظر في تجربة الحكم طيلة تلك المدة الزمنية الطويلة نوعا ما نجد ان هناك اشارات مهمة يمكن الاستناد عليها تدعم هذه الفرضية التي اشرت اليها وهي (دورة التغيير الحتمي ) والمؤشرات هي كالتالي :
1- فشل السلطة الدكتاتورية في تحقيق انجازات يمكن ان تقنع الشعب بصوابية نهجها السياسي والسلطوي والأخلاقي بل بالعكس اظهرت للشعب انها لا تملك مشروعا سياسيا اصلا انما هي فقط سلطة قمعية هدفها لا يعدو ان يكون سوى البقاء في السلطة بأي ثمن لا أكثر .
2- فشلها في بناء مؤسسات دولة طبيعية حتى ولو كانت قائمة على مقومات مشروعها السياسي الشمولي الافتراضي كما هو مثلا الحال في النماذج / الصيني /والفيتنامي والجزائري/ وغيرهم في المنطقة العربية والتي قادت حرب تحرير ناهيك ان تقيم دولة قانون.
3- انهيار بنيتها الادارية المتمثلة في هروب جماعي لكوادرها (بالمئات) الادارية في مختلف التخصصات والأصعدة وهو مؤشر مهم على هشاشة نظامها السياسي.
4- انكماشها داخليا حول نفسها من خلال تقسيم البلاد الى مقاطعات عسكرية يحكمها جنرالات لإحساسها القوى بإمكانية انهيار مقومات بقائها في السلطة اذا ما واجهت تحديات كبيرة سواء كان من الشعب أو من داخلها عوضا عن الاعتماد على القدرات الادارية المدنية .
5- تراكم ملفاتها حول انتهاكات حقوق الانسان الارتري في المحافل الدولية مما زاد من عزلتها دوليا وعدم قدرتها حتى في استخدام الذراع الدبلوماسي في التخفيف من عزلتها الدولية والاقليمية وتأمين الاحتياجات الضرورية الحياتية ناهيك عن الاحتياجات الاستراتجية لأنه اصبح عاجزا عن اداء دوره الطبيعي بسبب استحالة الدفاع عن السياسات القمعية والغربية الاطوار لحكومته والتي لا تحمل حتى سمات حكومة طبيعية يمكن الدفاع عنها .
6- تزايد النغمة الشعبية ضده بشكل واسع وان كان التعبير عنها اخذت اشكالا كثيرة ولكن اكبر تجلياتها كانت تظاهرة مدرسة الضياء و نظرا الى التعتيم الاعلامي وعدم وجود عمل منظم ومؤسس ساهم في عدم بروز كل اشكال التعبير والمقاومة ضد هذا النظام.
7- كثرة الاعتقالات سواء كان ذلك في اوساط المدنيين في الفترة الاخيرة أوفي اوساط الجيش والقوى الامنية يؤكد على حقيقة هامة وهي وجود مخاوف كبيرة لدى هذه السلطة من اتساع رقعة السخط عليها و الذي انتقل الى داخل اجهزتها العسكرية التي تعول عليها كثيرا في حمايتها و بشكل غير محدود مما يعد مؤشرا خطيرا يدل على إمكانية اتساعه أكثر كل يوم جديد .
وعليه ان كل ما ذكرته من مؤشرات يمثل في تقديري ارهاصات (لدورة التغيير الحتمي) وان المحاولات اليائسة لهذه السلطة لإخمادها من خلال تكثيفها لعمليات القمع والاعتقالات قبل حدوثها لا يعدو ان يكون سلوك درجت عليه كل الانظمة الدكتاتورية قبل سقوطها المدوي ولا يختلف هذا النظام الدكتاتوري عنها في شئ سوى انه يخطو خطؤها لنهايته المأساوية الحتمية وبالتالي يمكن القول ان دورة التغيير في بلادنا بدأت تتشكل عناصرها وعندما تكتمل تكون النهاية الحتمية لحقبة دكتاتورية في تاريخنا وبداية عهد ديمقراطي.
25 مارس 2018م
Ibraahim62@hotmail.com

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=42974

نشرت بواسطة في مارس 26 2018 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010