الخلاوي القرآنية في مدينة كرن

توطئة وتمهيد لمقال الخلاوي القرآنية في مدينة كرن

 

من أحب الأشياء إلي نفسي قراءة الكتب الفكرية، والمذكرات السياسية، وأفضل ما يعجبني في المذكرات السياسية حديث كاتبها عن مدينته التي ولد فيها، وما اختصت به، واصفا الأحياء التي لعب فيها، وذاكرا المدارس التي درس فيها، والزملاء الذين صاحبوه، والأحداث السياسية، والثقافية التي شهدها في مدينته.

 

وكنت أحضر أول ما وصلت لندن أمسيات (نادي الكوفة) العراقي الممتعة، التي كانت تعقد مساء كل أربعاء، في دار النادي (ببيز وتر) وأجمل ما استمعت إليه في هذه الأمسيات تلك الندوات المتسلسلة التي خصصت للحديث عن السيرة الذاتية لكبار المفكرين، والكتاب، والصحفيين، والسياسيين، وعلماء الدين، وقادة الأحزاب السياسية، والجمعيات الثقافية، موصولة بالأحداث السياسية التي عاصرها كل منهم في مدينته، أو شارك فيها خلال حياته.

 

لقد رأيت في هذا النوع من النشاط الثقافي توثيقا لتاريخ المدن، وإبرازا لدورها السياسي والفكري، واحتفاء بمكانتها، وتقديرا لمن سكنوا فيها، وتركوا بصماتهم عليها، وعملا حضاريا رائعا، يجدر الاهتمام به، لكونه يصل الأجيال ببعضها.

 

ومدننا الإرترية ما زالت بكرا، تحوي الكثير من الذكريات، والأحداث الفكرية، والثقافية، والسياسية، وقليل من نقب عن كنوزها، وتحدث وكتب عنها، وعن رجالاتها من شعراء، وقادة، وعلماء، ومعلمين، مع أن هذا ضروري في مسيرة البناء الثقافي، من هنا رغبت أن أطرق هذا المجال، ورأيت أن أكتب عن الخلاوي القرآنية في كرن، اعتقادا مني بأنها جزء مهم في الحياة الثقافية لمسلمي إرتريا بشكل عام، ومسلمي كرن بشكل خاص، ولعلها تكون سنة حسنة يتبعني عليها الآخرون.

 

والكتابة عن الثقافة الإسلامية في هذه المدينة لا يعني بأي حال من الأحوال تجاهل الثقافة المسيحية فيها، وإنما يكتب المرؤ عن ما يعرف، ولا يقحم نفسه فيما لا علم له به، وجميل لو حدثنا مسيحيو كرن عن ما نجهله من تراثهم الثقافي، فأهل مكة أدرى بشعابها.

 

وما سأتحدث عنه في الحلقات القادمة عن الخلاوي القرآنية هو القليل الذي أعرفه عن مدينتي كرن في الجانب الثقافي الإسلامي، ولا شك أنه جزء يسير من كنز كبير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك بعضه، ورأيت من الأفضل أن أكتب أولا هذه المقدمة، مدخلا إلى الموضوع، وتمهيدا له، متحدثا فيها عن كرن موقعا وسكانا، بشكل جد موجز، ذاكرا أهمية الكتابة في مثل هذه الموضوعات، وداعيا في الوقت ذاته كل المثقفين الإرتريين إلى الكتابة عن مدنهم، من باب التواصل الثقافي، وعلى كل قد يرضى عن هذا النوع من الكتابة قوم، ولا يرضي عنه آخرون، لكن مهما كان، فرضى الناس غاية لا تدرك، وعلى الكاتب أن يكتب ما يعتقده نافعا ومفيدا.

 

 

 

كرن الموقع والسكان.

 

كرن هي أحد أهم المدن الإرترية، تقع على بعد تسعين كيلومتر من العاصمة أسمرا تقريبا، في الغرب منها، عرفت في التاريخ القديم ببلاد البغوس، سكنها حاليا حشد من البشر، دخلوا إليها من الريف، ولم تكن من قبل مزحومة بهذا الحشد كما هي اليوم.

 

أهم أحيائها الشهيرة (عد حباب) ( حلة عد عقب) (حلة السودان) ( حلة عد الدبر) (حلة تكارير) ( حلة حشلا) (حلة وربا) (كرن لعالاي) (قزباندا) (كرن جديد) (حلة دار السلام بتريا)، وربما شهدت حدوث أحيآء جديدة، لا عهد لي بها، لكن على هذه الأحياء المذكورة تركتها، سكانها كما عرفتهم خليط من شتى القبائل، والمجموعات العرقية، على نسب متفاوتة، عرفت بنشاط ديني، ( إسلامي ومسيحي) واقتصادي، وثقافي، وسياسي، وتعليمي، عاشت في سلم ووئام، بين مختلف سكانها، ومعتقداتها، فلم أشاهد اقتتالا قبليا، أو دينيا شب فيها، طيلة الفترة التي عشتها، من يوم ولدت ووعيت، حتى خروجي منها عام 1974 م، كما لم يذكر لي أحد حدوث ذلك، في ما مضى من تاريخها، منذ أن صارت مدينة عامرة.

 

في العطاء السياسي تعد كرن من أهم المدن التي لعب أبناؤها دورا أساسيا في حركة الكفاح الوطني، ويكفيك أن مؤتمر الرابطة الإسلامية التأسيسي انعقد فوق أرضها، وأن السيد بكري المرغني رحمه الله، الزعيم الروحي للرابطة، هو من أعيان كرن ووجهائها الأفاضل، كما أن سكرتيرها العام السيد أبراهيم سلطان من أبناء كرن أيضا.

 

إذا ما رضيت كرن عن أمر ما أطاعته وأناخت له بسلام، وإذا ما سخطت ونفرت، أتعبت، وأزعجت، امتاز أبناؤها بالنكت الظريفة، والملح الطريفة، والمواقف العنيدة، إذا ما آمنوا بشيئ أقبلوا إليه بحماس، وإذا ما كفروا به أعرضوا عنه بعناد، قليل منهم من يكون مذبذبا، بين هؤلاء وهؤلاء، ينافق أو يداهن، لهذا وذاك، ومتى كشفوا هذا الصنف منهم عزلوه وهجروه، وحاصروه، لا سيما إذا ما رأوا فيه خطرا عليهم، وعلى حياتهم، من أهم أنشطة الثقافة الإسلامية فيها الخلاوي القرآنية (القرآن) كما يسمونه، والمعاهد الدينية، والاحتفال بمناسبة المولد النبوي، ورأس السنة الهجرية، وحوليات الطريقة الختمية، بالإضافة إلى عيدي الفطر والأضحى.

 

في الحلقات التالية من مقال الخلاوي القرآنية في كرن سأتحدث عن التراث القرآني في مدينتنا كرن، على أن ألحقه ـ إن شاء الله ـ بمناشط أخرى، ما استطعت إلى ذلك سبيلا، وكنت قد كتبت فيما سبق عن العيدين في كرن، وكذلك عن رمضان فيها، وتلقيت عديدا من رسائل الشكر والثناء من شباب كرن، منهم من كتب إلي من داخل كرن نفسها، من الجيل الصاعد، ومنهم من كتب إلي من مواطن الغربة، وزاد هذا من قناعتي بأهمية الكتابة في تراث المدن الإرترية، وازددت إيمانا بالفكرة التي طالما راودتني نفسي عن الكتابة فيها، وهي كرن، تاريخ نشأتها، سكانها، أعيانها، المناشط الاقتصادية، والثقافية، والرياضية، والسياسية، والدينية، التعايش السلمي بين أبنائها، معالمها، تضاريسها.

 

وبهذه المناسبة أود أن ألفت الإنتباه إلى أن تدوين أنشطة المدن الإرترية في مختلف مناحي الحياة، لا ينبغي أن ينظر إليه كترف إعلامي، أو تعصب جهوي، وتقوقع مناطقي، وإنما هو في نظري جزء لا يتجزء من المساهمة في تدوين التاريخ الإرتري، وعمل ثقافي يستحق الاهتمام والإشادة، والذين يبخسون هذا النوع من النشاط الثقافي، أو يقللون من شأنه، لا يقدرون الثقافة حق قدرها، ولا يعرفون مدلولها الحقيقي تمام المعرفة، ومن الأفضل لهم أن يوسعوا مداركهم في مفهوم الثقافة، ومعناها الواسع الشامل، من هنا أناشد كل مثقفي المدن الإرترية، نقفة، وأفعبت، وسائر بلاد الساحل، أغردات، وعدردي، وسائر مدن بركة، وبارنتو، وتسني، وسائر مدن القاش، مصوع، وحرقيقو، وزلا، وقندع، وسائر مدن  السمهر، صنعفي، وعدي قيح، ومندفرا، وأسمرا، وسائر مدن المرتفعات الإرترية، أن لا يعبؤوا بتثبيطات المثبطين الذين لا يدركون أهمية تدوين مناشط المدن الثقافية، ويرون فيه انشغالا هامشيا، أو هدرا للزمن، فيما لا قيمة له، حسب نظرتهم، وأن يكتبوا بكل حماس عن مدنهم التي ولدوا فيها وترعرعوا، ويسجلوا معالمها البارزة، وتراثها الثقافي، وذكرياتهم فيها، من باب التواصل الثقافي بين المدن وأبنائها، وإحياء ما اندرس من تراث الآباء والأجداد، فالثقافة الوطنية ليست نبتة تغرس في اللحظة، وتنبت في اللحظة، وإنما هي نتاج تراكم من التراث الموروث، ومن لا قديم له، ليس له جديد، فالحاضر موصول بالماضي، ومن الماضي والحاضر يكون المستقبل، ومثل هذا العمل يقطع الطريق على أولئك الذين يعملون في تزوير الثقافات وتلويثها، ويفوت عليهم ما يضمرونه من طمس معالم مدننا، وتوجيهها وجهة أخرى.

 

بينما أنا أتصفح خلال اليومين الماضيين عددا من أعداد جريدتي (الزمان)، و(صوت إرتريا) اللتان كانتا تصدران في الخمسينيات وجدت العديد من المناشط الدينية، والرياضية، والثقافية، والسياسية التي كانت تمارس في مختلف المدن الإرترية، وتمثل رصيدا ثقافيا من تاريخنا، من ذلك سباق الهجن، والخيول، وقرض الشعر، وممارسة النقد السياسي، والفكري، ومما وجدته عن كرن مثلا خبرا عن مباراة كرة قدم، منشور في جريدة الزمان في 1 فبراير 1956 م وهو العام الذي ولدت فيه، تحت عنوان ( كأس صالح محمد عمر للرياضة في مديرية كرن) وعلمت من الخبر أن عدد الفرق الرياضية وقتها كان ثمان فرق، وكلها تبارت للفوز بهذا الكأس، كان منها فريق الأهلي الذي قابل على ساحة الملعب فريق الهلال، وانتهت المباراة بفوز الأهلي على الهلال بإصابتين مقابل إصابة واحدة، حسب صياغة الخبر. كما وجدت في الجريدة نفسها أن موظفي الحكومة بأغردات أقاموا حفل شاي كبير، تكريما للسيد أمين عبد الله الفكي… وهو سوداني قضى ما ينيف عن ثلاثة عشر سنة في كل من مديريتي أغردات وكرن…وكان في مقدمة الحاضرين سيادة علي محمد نور مهري، مدير المديرية…ووجدت خبرا آخر نشر في جريدة الزمان 28 فبراير 1958 م بعنوان ( جمعية العروة الوثقى بمصوع) يتحدث عن حفل أقامته هذه الجمعية بمناسبة الإسراء والمعراج في حرقيقو، افتتحه مرحبا بالحضور الاستاذ إدريس إبراهيم بشير، ثم كانت تلاوة آي من الذكر الحكيم، من تلاوة السيد محمد شريف سيد حسن، وتحدث فيه كل من الاستاذ صالح عبد القادر بشير، وفضيلة الشيخ غوث الدين حاج مؤمن، والاستاذ عثمان صالح سبي ناظر مدرسة الإمبراطور بحرقيقو، والشاب خيار إدريس خيار، والاستاذ محمود صالح، وكان الختام بتلاوة من خليفة الخلفاء محمد خليفة عبد الله، رحم الله منهم الأحياء والأموات.

 

من هنا أناشد كل أبناء كرن أن يزودونني بما لديهم من أمور تستحق الذكر عن هذه المدينة، دونما تمييز بين عقيدة وأخرى، سواء ما كان منها في المجال الفكري، أو الديني، أو الرياضي، أو السياسي، أو عن أي شيئ يرونه مهما، حتى يخرج ذلك في كتاب مستقل مستقبلا، فإن في هذا خدمة لمدينتهم، وتوثيقا لتراثها، ولهم مني الشكر والتقدير، وأنا بدوري سأعمل في مقابلة من أعرف من أبناء كرن هنا في لندن، أيا كانت معتقداتهم الدينية، وانتماءاتهم السياسية، ما وجدت فيهم استعدادا للتعاون، ولا أزعم أن كل ما أكتبه صواب لا يحتمل الخطأ، وكمال لا يحتمل النقص، بل هو معرض لأن يتضمن هذا وذاك، والفاضل من أهدى إلي عيوبي، وبصرني بخطئي، وعرفني بزللي، ووجهني خير توجيه، وأعانني على إكمال الناقص، وتصحيح الغلط، وأنا له من الشاكرين، ولا يفوتني هنا أن أتوجه بالشكر إلى كل أولئك الذين أمدوني بالمعلومات اللازمة لإنجاز مقال (الخلاوي القرآنية في كرن)، وهي بحق معلومات ثمينة، ونفيسة، يستحقون عليها كل التقدير والإكبار، ومنهم الاستاذ الفاضل محمد أحمد إدريس نور، في استراليا، حيث اتصل مشكورا بكرن لتوثيق بعض المعلومات، مهاتفا من بقي فيها من رجالاتها الأولين، والأخ محمود محمد نور بلندن، ومحمد علي محمد نور في هولندا، اللذان أمداني ببعض الأسماء، وأكدا لي بعض المعلومات، والزميل الأخ حسن أحمد ميا بواشنطن، الذي ذكرني ببعض الذكريات، وأسعفني ببعض ما يحفظ من الأبيات الشعرية التي رددناها معا في القرآن، ولولا أن المصلحة تقتضي عدم ذكر البقية الباقية من الإخوة المتعاونين، لأوردت أسماء كل الذين ساهموا بآرائهم وأفكارهم في أنجاز هذا المقال، فردا فردا، فلهم مني كامل الشكر والتقدير، وأنتظر منهم مزيدا من التعاون.

والمقال سيتناول العناوين التالية:ـ

·   كرن والقرآن.

·   معنى الخلوة والمصطلح الشائع استعماله في كرن.

·   القرآن وأحياء كرن.

·   الأب عندما يصطحب ابنه إلى القرآن.

·   القرآن والرعاة.

·   التكافل الاجتماعي في تعلم القرآن.

·   الشرافة والختمة.

·   المصاحف القرآنية في القرآن.

·   القرآن تراث لابد من المحافظة فيه.

ورأيت من المناسب نشره على حلقات متتابعة، لا تتجاوز أربع حلقات، فتابع مشكورا حلقات الموضوع في المواقع الإرترية،  قبيل، عونا، فرجت، عواتي، وعلق إن كان لك عليه تعليق.

 

والله الموفق.

وكتبه/د. جلال الدين محمد صالح

لندن

10/1/2005

drjalal@talk21.com

============================

وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح

 لندن   5/01/2005

الحلقة الأولى

كرن والقرآن.

 

الخلاوي القرآنية معلم من معالم التراث الإسلامي في كل المدن الإرترية، ذات الوجود الإسلامي المؤثر، وهي إرث ثقافي عريق، ونمط تعليمي تليد، ما زال المسلمون الإرتريون، يتوارثونه، أبا عن جد، وخلفا عن سلف، ويلتزمونه أينما حلوا، واستقروا، تعبيرا عن اهتمامهم بالقرآن الكريم، وتعميقا لانتمائهم الثقافي، وتثبيتا لهويتهم الإسلامية.

كرن واحدة من هذه المدن الإرترية التي جعلت من الخلاوي القرآنية، أول محاضن التنشئة الإسلامية، وأولى خطوات التربية الصحيحة، في الإهتمام بالأبناء، وتربيتهم على القيم النبيلة، فقد عرفت ـ صانها الله ـ عديدا من الخلاوي القرآنية، التي أشرف عليها وجهاؤها، من أهل الفضل والإحسان، وقام بالتعليم فيها مشايخ كرام، مَـنَّ الله عليهم بحفظ كتابه، والسهر على تعليمه، وتلقينه، فحازوا بذلك رضوان الله، وتقدير المجتمع، وتكريمه إيامهم، وذكرهم بخير، في حياتهم، وبعد مماتهم (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

ما من شاب مسلم ولد في كرن، ونشأ فيها وإلا وكانت الخلوة أول مكان جلس فيه بين يدي الشيخ، يكتب بأصبعه السبابة على الأرض الحروف الهجائية ( أ ب ت ث…)، ثم على اللوح بقلم مَـبْـرِيٍّ، من القصب، يغمسه في مداد أسود، يعرف بـ(الـدواة )، يصنع من نفاية دخان الأثافئ العالق بـظهر(الْـمَـقْـلُ)، يسمى بالتجري ( حِـمَّـامَـات) أو بمسحوق أسود، يستخرج من داخل حجر المذياع ( الريديو)، يخلط معه مقدارا من الصمغ العربي، وقطع صغيرة من القماش المهترئ، أو من (الجغـر)، في وعاء معدني صغير الحجم، أو قنينة حبر، أو ما شاكل ذلك وشابهه.

وأجود أنواع (الـدواة) وأحسنه ما أبرز الحروف، وحَـسَّـنَ الخطوط، وجمل السطور، يخط به القارئ ما يمليه عليه الشيخ من آيات الذكر الحكيم، على لوحه الخشبي، ليحفظها صباحا، ثم يعرضها على الشيخ من حفظه مسآء، ليأذن له بمحوها غسلا، والانتقال منها إلى مقطع آخر، وإلا أعاده، وألزمه بإتقان حفظها، وهكذا تمضي إيامه، حتى يكمل سورة بعد سورة، وجزءا بعد آخر، إلى أن يختم القرآن الكريم كله، ويقيم بذلك حفل ختام، تسر به الأسرة، وتـفـخـر، ويـكـرم فيه الابن والشيخ معا.

 

معنى الخلوة

الخلوة في الأصل من الاختلاء، أي الانفراد في مكان لا مخالطة فيه، وهو في الأصل تعبير صوفي جاء من اختلاء الشيخ، أو المريد بنفسه، مع ربه، ليردد أوراد الذكر، كما تلقاها عن شيخ الطريقة، ويعيش لحظة من لحظات المحاسبة، والمساءلة الذاتية، والصفاء الذهني، ثم صار مصطلحا يطلق على المكان الذي يختلي فيه معلم القرآن مع الصبيان، بعيدا عن الضوضاء، ليعلمهم نطق القرآن، وكيفية حفظه، على رواية من الروايات المتداولة، في تلقينه وتعليمه، كما هو معروف في السودان، وبعض مناطق إرتريا، لا سيما مناطق المنخفضات التي هي شديدة التأثر بالأجواء الثقافية في السودان، لكون كثير من المشايخ الذين تولوا تعليم القرآن فيها، تلقوا تعليمهم القرآني في الخلاوي السودانية، في شماله، وشرقه، من هذه الخلاوي التي قصدها الإرتريون في السودان على سبيل المثال خلوة (أمدبان) سابقا، التي حملت لاحقا اسم (أم الضوء بان)، لكن الغريب أن الخلاوي القرآنية في إرتريا عموما، وكرن خصوصا، تعلم القرآن على رواية حفص عن عاصم، خلافا لما هو دارج في غالب أهل السودان، من القراءة برواية ورش عن نافع.

أما أهل مصر فيطلقون على الخلاوي القرآنية (الكتاتيب)، وأهل موريتانيا ( المحاضن)، وأهل الخليج (التحفيظ).

 

المصطلح الشائع استعماله في كرن

مع أن مصطلح ( الخلوة) هو الاسم الغالب إطلاقه على مكان تعليم القرآن في السودان، كما أشرت، إلا أن كلمة (قرآن) هي الكلمة الشائع استعمالها بين أهالي كرن في الإشارة إلى الخلاوي القرآنية، فيقولون مثلا: (قرآن عد سِـيـدِي) أو ( قرآن عـد يـاقـوت)، أو (عـد بـا نـاي) إذا ما أسندوه إلى الأسرة التي أنشأت الخلوة، و(عـد) هنا تعني ( آل ).

أو (قرآن سيدنا بلال)، أو (قرآن شيخ أبراهيم)، أو (قرآن شيخ طاهر) أو (قرآن شيخ علي) إذا ما أسندوه إلى الشيخ القائم بأمر التعليم في الخلوة.

أو( قرآن حشلا)، أو ( قرآن حلة تكارير)، أو (قرآن حلة عُـقُـب) إذا ما أسندوه إلى الحي الذي نشأت فيه الخلوة.

وتسمية الكرنيين الخلوة بهذا الاسم ( قرآن) لكونها مكان لتعلم قراءة القرآن، وحفظه (الرحمن علم القرآن) فاسم المكان جاء من اسم القرآن نفسه.

ولكل قوم مصطلحهم في الإشارة إلى مكان تعلم القرآن، والمهم في الأمر أن ( القرآن) جزء أصيل من ثقافة المجتمع الإرتري المسلم، مثلهم في ذلك مثل بقية الشعوب الإسلامية في العالم، من عرب وعجم، الذين اهتموا بالقرآن، وتدارسوه، وحفظوه عن ظهر قلب، بالرغم من أن بعضهم أعاجم، ولكنهم يرتلونه أحسن ترتيل، وإن كان كثير منهم لا يعرف معناه، ومسلموا الحبشة بشكل عام هم من هذه الشعوب التي اهتمت بتعليم أبنائها القرآن، على الرغم من قساوة الظروف، وتعصب ملوك الحبشة، ضد الإسلام وأهله.

وقد رأى فيهم الحيمي الذي زار الحبشة في القرن السابع عشر الميلادي، مبعوثا من إمام اليمن إلى الملك فاسيلداس هذه السيرة الحسنة، فدونها في كتابه (سيرة الحبشة)، حيث قال: وصلنا قرية قريبة من مدينة الملك، أهلها كلهم مسلمون، وفيها مسجد، ومكتب لتعليم صبيانهم القرآن، فاستأنسنا بذلك غاية الأنس./97

وينادي الكرنيون شيخ الخلوة بـ( سيدنا)، أو (شيخنا) أو ( أبو شيخنا) إذا ما كان طلاب الخلوة من أبناء الجبرتة، و(أبو) هنا فيما أظن للتعظيم، وإذا كانت إمرأة دعوها بـ(شيخايت)، وهو عرف درج عليه الآباء والأبناء في مخاطبة شيخ الخلوة، إحتراما له وتقديرا ، باعتباره حاملا لكتاب الله، ومعلما إياه، فهو سيد بتسييد القرآن له، أما الطلبة فيسمونهم بلغة التجري ( كُـرْيَ) واحدها ( كُـرْيـَايْ).

 

القرآن وأحياء كرن.

ما من حي من أحياء مدينة كرن إلا وكانت فيه خلوة قرآنية، كبرت أم صغرت، ومن أقدم خلاوي كرن الشهيرة (قرآن عـد سيدي)، أو كما كان يسمى أيضا ( قرآن سيدنا بلال) باعتبار أن الشيخ القائم عليه هو (سيدنا بلال) رحمه الله، وقد أنشأ هذا القرآن السادة مراغنة كرن.

و قرآن آخر عرف باسم ( قرآن شيخ أدم) في حلة (عـد حباب) وثالث عرف بـ(قرآن عـد ياقوت) في حلة (دبر) باعتبار أنهم من أسس هذا القرآن، وخصص له مكانا في دار من دورهم، ولأن الشيخ الذي ظل قائما عليه هو الشيخ إبراهيم عرف أيضا باسم (قرآن شيخ أبراهيم)، وقد قرأت شخصيا في هذا القرآن فترة من عمري، وممن زاملوني فيه، وحققوا إنجازا علميا في حياتهم الأكاديمية، ويردني ذكرهم الآن، الدكتور صلاح حمد نبراي، طبيب أطفال في واشنطن، وقد قابلته هنالك في ولاية فرجينيا، وذكرني بأيام (قرآن شيخ أبراهيم)، والمهندس عبد الله عبد الرحيم كيكيا، المقيم بالرياض، والمهندس الأخ حسن أحمد ميا المقيم بواشنطن.

ثم تأسست من بعد ذلك خلاوي قرآنية عـديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر ( قرآن شيخايت) في حلة السودان و(قرآن شيخ محمد عمر بلتوباي) في حلة تكارير، و(قرآن شيخ علي) في حلة عد حباب، وخرجت هذه الخلاوي أعدادا كبيرة من الشباب الكرني.

ويحسن بي أن أتوقف ها هنا ولو قليلا للحديث عن كل من (سيدنا بلال)، والشيخ (أدم دويدة)، رحمهما الله بشيئ من الاختصار، حسبما تسعف به الذاكرة، وتوفره المعلومات، بوصفهما من أقدم الذين عرفتهم مدينة كرن، من معلمي القرآن الكريم، لكن قبل ذلك لا بد من الإشارة إلى أن الخليفة جعفر والد المرحوم حسين جعفر، وجد كل من جلال حسين جعفر، وخليفة حسين جعفر، هو أول من أنشأ خلوة قرآنية في مدينة كرن، ثم تلاه الخليفة بلال إدريس، ثم الشيخ عبد الحي الجبرتي في حلة (حشلا)، ثم الشيخ أدم دويدة، ثم الشيخ معروف الجبرتي رحم الله الجميع:

سيدنا بلال

هو بلال، بن إدريس، بن محمد علي، بن إسماعيل، بن أكد، رحمه الله، ورحم آباءه، كان أحد خلفاء السيد بكري، بن السيد جعفر المرغني، رحمهما الله، تتلمذ على يد (سيدنا مصطفى ود حسن) في بركة، ودرس في خلوة الخليفة جعفر، حفظ القرآن الكريم، وكان رحمه الله، قصير القامة، في قامة ابنه بشير بلال تقريبا، رحمهما الله، يتقن ( البداويت) إحدى لغات البجة، إلى جانب العربية، والتجري، كما علمت ممن قرأ عليه، أدركته، وكنت واحدا ممن التحق بخلوته، وأنا يومئذ صغير، توفي عام 1974 م، رحمه الله، وأسكنه فسيح جناته، وجعل القرآن شفيعه، وأثابه بكل حرف علمه، لا أقول (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(ميم) حرف.

قام رحمه الله بالتعليم القرآني في هذه الخلوة منذ عام 1926 م، وهو العام الذي افتتحت فيه خلوته، درس القرآن على يديه أجيال متعاقبة من أبناء مدينة كرن، إذ كانت خلوته تتقاسم مع خلوة (شيخ أدم دويدة) في حلة ( عد حباب) معظم أبناء كرن، وإليك أسماء بعض من درس عليه من الأجيال الكرنية، موزعين على أجيال أربعة.

 

·   من الجيل الأول.

محمود أمان رحمه الله.

محمد عافة. بارك الله في عمره ( والد المرحوم عافةمحمد عافة) والمناضل (إبراهيم محمد عافة).

الخليفة عثمان يزيد رحمه الله.

 

·   من الجيل الثاني

أحمد علي صالح رحمه الله.

عمر أمان رحمه الله.

 محمد نور ياقوت رحمه الله.

إدريس بابكر رحمه الله.

الاستاذ إدريس أبوبكر كريش رحمه الله.

المناضل عافه عمر ضرار.

الاستاذ محمد سرور رحمه الله.

 

·   من الجيل الثالث

الأستاذ أحمد إبراهيم محمد سعيد.

المناضل صالح إياي رحمه الله.

محمد عثمان لجاج

الاستاذ ياسين لجاج

حسين عثمان لجاج.

الاستاذ شفى نور رحمه الله.

الأستاذ سليمان علي كرار.

 

·   من الجيل الرابع.

المهندس خيار محمد نبراي

الدكتور محمد نور عثمان نبراي.

الدكتور محمد إبراهيم نبراي

المهندس عبد الرحمن حسن مهري.

المناضل طاهر عبد الله جبريل.

المناضل إدريس إبراهيم محمد سعيد ( قريش).

الشهيد محمود إبراهيم محمد سعيد ( شكيني).

 ترك من ورائه ذرية، لها إسهامات متنوعة، في حياة المجتمع الكرني، والإرتري بشكل عام، ذكورا، وإناثا، وأبناؤه من الذكور هم الاستاذ محمود بلال رحمه الله، وكان مدرسا، والاستاذ بشير بلال رحمه الله، وكان ممرضا، والاستاذ عبد الله بلال، والاستاذ أحمد بلال، الفنان التشكيلي، المقيم حاليا بالمملكة العربية السعودية، وكان مدرسا، اعتقل لفترة طويلة في أديس أبابا، بسبب رسم نقدي (كريكاتيري) لشخص الإمبراطور هيلي سلاسي، وأفرج عنه في السبعينيات.

أما الإناث فهن السيدة (مدينة بلال) رحمها الله، حرم جارنا السيد محمود أحمد رحمه الله، والسيدة عائشة بلال، والسيدة سعدية بلال، رحم الله منهن الأحياء والأموات، وبارك في نسلهن.  

وبقليل من التأمل في الأسماء المذكورة من الذين درسوا عند سيدنا بلال رحمه الله ندرك الدور التربوي الذي قام به هذا الشيخ الفاضل بصفة خاصة، والخلاوي القرآنية، او( القرآن) بصفة عامة، في المسيرة التربوية لأبناء هذه المدينة، فالقائمة المشار إليها كما ترونها تضم رجالا برزوا في المجال الأكاديمي، وآخرين في المجال الاقتصادي، والتجاري، ومنهم من تبوأ مقاعد التدريس في مختلف المراحل التعليمية، وآخرين ساهموا في عملية التحرر الوطني، وصارت ألقابهم التي حملوها وهم في (القرآن) معلمهم الذي به يعرفون، ويميزون عن غيرهم، من قرنائهم، وزملائهم، في مختلف ميادين الحياة، فعلى سبيل المثال أن المناضل إدريس قريش، حمل لقب (قريش) من (القرآن)، لأنه كثيرا ما كان يردد سورة (قريش) ليحفظها، ذلك ما ذكره عنه السوري صديق الثورة الإرترية، احمد أبو سعدة في كتابه إرتريا من الكفاح المسلح إلى الاستقلال.

كذلك نجد من الأسماء البارزة الاستاذ محمد سرور، وهو أشهر من أن يكتب كاتب عن قدرته الأدبية، وثقافته العربية العريضة، ومكانته العلمية المرموقة، علم من أعلام الأدب العربي في إرتريا، له سجل حافل في إحياء الثقافة الإسلامية، والقيام بنهضة أدبية، رثاه يوم وفاته الأديب عبد الرحمن سكاب رحمهما الله معا، بأجمل قصيدة، وسكاب نفسه هو واحد من أولئك الذين خرجهم ( القرآن) من بعد أن نهلوا من معينه الصافي، في فجر تكونهم العلمي، على يد شيخ من مشايخ (القرآن) فهو هبة القرآن، وما أكثر هبات القرآن حين تعدها في مجتمعنا، الأمر الذي يرينا دور (القرآن) في تكوين الثقافة الإسلامية، وتخريج روادها، والحاملين لواءها، والمدافعين عن رسالتها، في المجتمع الإرتري.

 

الشيخ أدم دويدة.

 

الشيخ أدم دويدة، والد الأستاذ السجين محمد أدم دويدة، فك الله أسره، ورده إلى أهله حيا معافى، تقع خلوته في نفس منزله بحي عد حباب، بالقرب من دكان (عد تيناي) ومسجد قاضي عمار، (وودق سنينا)، ونشأت خلوته أول ما نشأت في مسجد الصومالي بالقرب من آل سلطان، متوسط القامة، فاتح اللون، أحد أهم من علم القرآن في مدينة كرن، من أبرز الذين درسوا عنده الأديب الأريب الشاعر عبد الرحمن اسماعيل سكاب، عليه من الله شآبيب الرحمة، والغفران، والاستاذ محمود محمد نوراي، والاستاذ إدريس عثمان رحمه الله، والاستاذ ياسين عثمان رحمه الله، وآخرون غير هؤلاء كثر، من أهالي كرن.

عرفت له من الذكور ابنا واحدا، وهو الاستاذ محمد أدم، تخرج في معهد الدين الإسلامي بكرن، أول معهد إسلامي فتح بكرن، واشتغل في مجال التدريس، وأنا واحد من تلامذته، عندما كان مديرا لمعهد أصحاب اليمين، المرحلة الابتدائية، وظل كذلك لا يفارق مجال التعليم الإسلامي، إلى أن اقتادته عام 1991 م زبانية الجبهة الشعبية من منزله ليلا إلى مكان موجهول، ولا يعرف حتى اللحظة أحي هو أم ميت، والله المستعان، وإليه وحده المشتكى، آخر مرة قابلته فيها كانت في الثمانينيات عندما قدم المملكة حاجا، بعد غياب دام أكثر من عشرة سنة.

أما من الأناث فقد خلف فتاتين، مريم، وفاطمة، وكانتا ضمن طالبات معهد أمهات المؤمنين لأصحاب اليمين، أول ما تأسس، أسأل الله لهن الصبر والثبات، فقد كان شقيقهما الأستاذ محمد أدم معيل الأسرة الوحيد، والدنيا دار ابتلاء وامتحان، وإن ربك لبالمرصاد، ليس بينه وبين دعوة المظلوم حجاب، ومن الوفاء لهذه الأسرة الكريمة تفقد أحوالها المعيشية، والتعاون معها على تخفيف صعوبات الحياة، عرفانا بما قام به الشيخ أدم دويدة، وابنه الاستاذ محمد أدم، من تعليم القرآن، وتدريس العلوم الإسلامية، لأبناء مدينة كرن.

 

وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة بعنوان ( الأب عندما يصطحب ابنه إلى القرآن).

 

drjalal@talk21.com

====================================

الخلاوي القرآنية في كرن

  الحلقة الثانية.  

 

الأب عندما يصطحب ابنه إلى القرآن.

 

يصطحب الأب ابنه إلى القرآن وهو يحمل هموم تربيته على القيم الإسلامية، فـ(القرآن) في حـس الآباء ليس هو محل لتعلم القراءة والكتابة فحسب، وإنما هو فوق ذلك بيئة مناسبة لتشكيل سلوك الأبناء وتوجيههم نحو وجهة حسنة، تحفظ حياتهم من الانزلاق في الانحرافات الأخلاقية.

 

من هنا أن الأب يطلب أول ما يطلب من الابن حين يأتي به إلى (القرآن) تقبيل يد الشيخ (سـعـم إدي سيدنا)، دليلا على الاحترام والتوقير لمكانة الشيخ، ثم يأخذ الابن مكانه ليبدأ كتابة الحروف الهجائية بأصبعه السبابة على الأرض الرملية، تحت إشراف الشيخ، أو من يوكله الشيخ من كبار طلابه، إن كان هذا الطالب لا علم له بالحروف الهجائية، أو يمسك بلوحه الخشبي، ليجلس أمام الشيخ على هيئة جلسة التشهد في الصلاة، وقدامه دواته، وبيده قلمه، ليكتب ما يمليه عليه الشيخ من حفظه، أو من المصحف.

 

وليس للقرآن لباس رسمي  يرتديه طلابه، ولكن اعتاد الآباء أن يخيطوا لأبنائهم ثوبا (عراقي وسروالا) من قماش (أبو جديد)، لرخصه أولا، ثم لقدرته على تحمل تبعات الجلوس على الأرض، وما يتناثر عليه من قطرات الدواة.

 

وربما قليل من يعرف أن تعلم القرآن قبل الستينيات كان حكرا على الذكور، ثم بات ما بعد الستينيات حقا مشاعا للذكور والإناث معا، وهكذا بدأت الفتات الكرنية تأخذ مكانها في الخلوة القرآنية جنبا إلى جنب مع شقيقها، لكن مع الفصل التام بين الذكور والإناث، والجدير بالذكر هنا أن أول إمرأة تعلمت في كرن واشتغلت بمجال التدريس فيها هي الأستاذة (سعدية فرج)، ثم تلتها بعد ذلك أفواج إثر أفواج، من الأخوات، حتى شهدت المدينة معاهد إسلامية للبنات، إلى جانب المدارس الحكومية، والمقام هنا يناسب ذكر قرآن شيخ أبراهيم في ذلك التل الجبلي، الذي عرف ( بكبت حرعت) أجارني الله وأياكم، ثم تحول إلى (كبت خير) بفضل هذا القرآن الذي تحول فيما بعد إلى معهد خاص بالبنات، ليكون ثان معهد بنات بعد معهد أمهات المؤمنين لأصحاب اليمين، وتخرجت من هذه المعاهد فتيات مؤمنات قانتات، نفع الله بهن الإسلام والمسلمين،  تقبل الله منهن، وممن كان سببا في تعليمهن، وما زالت هذه المعاهد تؤدي رسالتها حتى اللحظة، والله يوفقها لمزيد من العطاء.

 

 العقوبة في القرآن.

 

 يعطي الأب لشيخ القرآن كامل الصلاحية في تهذيب ابنه، وتأديبه، من أول يوم يسلمه فيه، حتى لو اقتضى الأمر ضربه، قائلا له: (عـجـم إقـلـنا وسـجـاه إقـلـك) بمعنى (لـنا العـظـم، ولك اللحـم).

 

إن هذه المقولة بقدر ما تعطي الشيخ صلاحية ضرب الابن تضع حدا لهذا الضرب، وتقيده، بحيث لا يبلغ ضرره إلى القدر الذي يكسر العظم، وبهذا يدرك الشيخ حدود سوطه، أو عصاه، فلا يتعداه، فهي بمثابة عقد تربوي، بينه وبين الأب، في معاقبة الابن، إذا ما عصى.

 

ولعل اعتماد غالب المشايخ السوط في الضرب، بدل العصا، نابع من الانضباط بمقيدات هذه المقولة المأثورة، ومراعاتها عند اللجوء إلى هذه الوسيلة، في التربية القرآنية.

 

ولا يوقع الشيخ عقوبة الضرب إلا عند عبث الطلاب ساعة الحفظ، وانشغالهم بالمحادثة الجانبية، (الونسة) ( هجك) مع بعضهم البعض، أوعند غياب الطالب من غير عذر مقبول، أواستئذان مسبق، أو عند إخفاقه في حفظ مقطعه.

 

والضرب في هذه الحالات كثيرا ما يكون بالسوط، إما على المقعدتين ( الفندوت) من الخلف، أو على باطن القدمين، وهو المعروف بـ(الفلقة)، وإن من المشايخ من يستخدم العصا في ضرب الفلقة، وفي هذه الحالة لا بد أن يمسك بقدمي الطالب المضروب اثنان من كبار طلاب الشيخ، ممن لا يستطيع الطالب المفلوق الانتقام منهم لاحقا.

 

وكان الطلاب الذين يعلمون أنهم سيتعرضون للعقوبة، لسبب من أسبابها، يأتون وقد تهيؤوا لها بلبس سروانيين أو أكثر، حتى يتقوا ألم الضربة على المقعدتين، ولكن الشيخ بالمقابل أحدث ما أسماه بـ(شد القماش) حيث يأمر أحد طلابه الكبار أن يشد ثياب الطالب إلى الحد الذي يلتصق ببدنه، ثم ينهال عليه بالضرب، فيكون لضربه مفعوله القوي، ويتذوق الطالب مرارة ألمه، وربما أعمل الشيخ سوطه في ساقي الطالب، فيصرخ الطالب من الألم وينط، ويرى زملاؤه على خده دموعا تنهمر، وبهذا يكون عظة وعبرة لغيره، من أمثاله.

 

كيفية التعليم في القرآن.

               

اللوح، والدواة، والقلم القصبي، والمصحف، ( الختمة ) كما يسمونه، والأرض الرملية، كلها أدوات تعلم ضرورية وأساسية، لابد منها للدارس في (القرآن)، وأول ما يقرأ الطالب في (القرآن) هو الحروف الهجائية ( أ، ب، ت، ث…ألخ) يـتـقـن نطقها، ورسمها، وحفظها، على الترتيب الذي وضعت عليه، ويخرجها من مخارجها، وترى الشيخ يدربه على تمييز حرف (غ ) من حرف ( ق ) وحرف ( ث ) من حرف ( س ) وحرف ( ص ) من حرف (س) وحرف (ض ) من حرف ( د) وهكذا يرددها الطالب، والشيخ يصوبه ويصححه، حتى يتمكن من نطقها نطقا سليما، قدر استطاعته، ثم ينتقل بعد ذلك إلى التدرب على نطق الحركات، وكتابتها ( النصبة، الكسرة، الضمة، الجزمة) على الحروف الهجائية نفسها، فيقول: ( أَ ) نـصبـة، ( إ ) كـسـرة، (أ)  ضـمـة، ( بَ ) نصبة، ( بِ ) كسرة، ( بُ ) ضمة، كما يتدرب أيضا على تركيب كلمات منها، فيقول: آن، إين، أون، بان، بين، بون، وهكذا يرتقي حتى يتمكن من القراءة، والكتابة، ويكون مؤهلا لإلتقاط وكتابة ما سيمليه عليه الشيخ من السور القرآنية.

 

الرمي والعرض.

الـرمي، والعـرض مصطلحان من مصطلحات الثقافة الإسلامية، ذوا صلة وثيقة بأصول التراث الإسلامي، في عهود توثيق الحديث النبوي، وتدوينه، اعتدنا على تداوله، وسماعه، ونحن طلاب في (القرآن)، الشيخ (يـرمي) والطالب (يـعـرض).

 

والمقصود بالرمي هو إملاء الشيخ من حفظه، أو من المصحف، المقطع المقرر حفظه على الطالب، ليكتبه على لوحه الخشبي، وذلك صباح كل يوم من أيام القرآن.

 

أما العرض فالمراد منه عرض الطالب من حفظه على الشيخ ذلك المقطع المقرر عليه حفظه مساء كل يوم من أيام القراءة، ليجيزه الشيخ، ويسمح له بمحوه غسلا.

 

وعند الرمي يأخذ الشيخ مكانه ساعة الشروق، ويتحلق الطلاب حوله، على شكل حرف (ن) الشيخ بمثابة النقطة في الحرف، والطلاب نصفه الدائري، جلوسا على هيئة جلوس التشهد في الصلاة.

 

وليس بالضرورة أن ينتظر الشيخ حتى تكتمل الحلقة، وإنما يبدأ بالرمي على من بكر بالمجيئ من الطلاب، ولكي يرمي الشيخ على الطالب لا بد أولا من أن يسمعه الطالب آخر ما وقف عليه مما رماه عليه البارحة، كأن يكون مثلا قوله تعالى: (ولهم فيها أزواج مطهرة، وهم فيها خالدون)

 

وأول ما يسمع منه الشيخ آخر ما وقف عليه البارحة، من الآيات، فورا يرمي عليه الذي يليها، فيرمي عليه مثلا ما بعد تلك الآية وهو قوله تعالى: ( إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها).

 

بسرعة يلتقط الطالب من فم الشيخ ما سمعه، فيكتبه على لوحه، ويعيده عليه، فيرمي عليه الشيخ الذي بعده، وهكذا، حتى يأمره الشيخ بالتوقف، فيقوم من مجلس الرمي، ليتنحى إلى جانب من جوانب الخلوة، ويشرع في حفظ ما كتب، وترى الشيخ يرمي من حفظه إن كان حافظا، أو من المصحف إن لم يكن حافظا، في لحظات متقاربة من ساعة الرمي، على أكثر من طالب، في أكثر من سورة قرآنية، وغالبا ما يكون هؤلاء الطلاب من خيرة وأكفأ ما عنده، ثم بعد ذلك يوكل إليهم الرمي على من هم دونهم، في السن والحفظ.

 

عند الساعة التاسعة، أو الثامنة والنصف صباحا تقريبا يكون الرمي قد انتهى، وفي بعض الخلاوي يعود الطلاب إلى منازلهم للإفطار، ويأخذ الشيخ قسطا من الراحة من بعد تناول إفطاره، وشرب القهوة، ثم يعودون من بعد ساعة تقريبا، أو نصفها، ويقرأون حتى الثانية عشر والنصف، ظهرا، ثم ينفضون، ويسمونه ( فداسي) وأظنها كلمة أطالية الأصل، ويعودون في الساعة الثانية ظهرا، ويقرأون إلى صلاة العصر، وقبل العصر يبدأ الطلاب في عرض ما حفظوه مما رمي عليهم صباح هذا اليوم على الشيخ، ليجيز منهم من يجيز، ويعاقب منهم من يعاقب، ويسمون هذا الفعل منهم بـ(العرضو).

 

والطالب المجاز يغسل مقطعه من لوحه الخشبي في خانة مخصصة لغسل الألواح، في ركن من أركان الخلوة، عليها أحجار متوسطة الأحجام، يغسل عليها الطالب لوحه، ويمسحه بمادة تسمي ( الجير) وهو نوع من (الحجر) لكنه سهل التفتيت، يشتريه الطالب من السوق، وخاصة من سوق يعرف بـ(سوق بره)، ولعله سمي بهذا الاسم لكون الذين يرتادونه هم من أهل البر، ( سب بر) أي أهل الريف، ومن هذا الحجر ما هو جيد ورديئ، والجيد منه ما يثبت على اللوح، ويُـمَـكِّـنُ القلم القصبي من الكتابة بانسياب، وبعض الطلاب يستخدم الرماد (شبل أتافئ) في تبيض لوحه، إلا أنه يعيق سير القلم، مما يستدعي نفضه، كما أن الألواح منها الرديئ وهو الذي عليه تقعرات (حفر صغيرة) ونتوءات، أما الجيد منها فهو ما كان ألمسا، سالما من هذه النتوءات والتقعرات، والألواح تباع في سوق بره، وأحيانا على أبواب جامع كرن، يؤتى بها من الريف الإرتري، وأيضا من السودان، وربما صنعها بعض نجاري مدينة كرن، من أخشابهم الزائدة.

 

وفي بعض الخلاوي (القرآن) يتلقى الطالب بجانب قراءة القرآن شيئا من مبادئ الفقه، والعقيدة، ونصوصا أدبية مختارة، من محفوظات اللغة العربية، والأناشيد الإسلامية، من ذلك حسبما أذكر منظومة في العقيدة الأشعرية، كان الطلاب ملزمين بحفظها في (قرآن شيخ أبراهيم)، (قرآن عد ياقوت)، ومطلعها هو:

 

أبدأ بسم الله والرحمن      وبالرحيم دائم الإحسان.

ثم الصلاة والسلام سرمدا  على النبي خير من وحدا.

 

وكذلك أنشودة الآباء التي كثيرا ما كنا نرددها عند نهاية اليوم القرآني، أو أيام الاحتفالات، ويقوم بتدريبنا على أدائها بلحن موحد، الاستاذ رمضان رحمه الله، الذي توفي بجدة، في الثمانينيات، تقبل الله منه، ونفعه بما علم، وعمل، وعلم، ومما أحفظ منها:

 

أهلا وسهلا         بقدومكم أهلا.

شرفتمونا بحضوركم أهلا        وعليكم سادتي منا السلام.

آباؤنا يا فخرنا                 أبناؤكم………

ألقوا نظركم نحونا             وتعاهدونا كل حين.

إنا نقوم بحقكم                دوما وذكرى فضلكم.

الله يجعلنا لكم                 خير القرابة والبنين.

 

وكما ترون بعض الأبيات ساقطة، وربما القصيدة غير مرتبة، وإنما كتبت ما هو في الذاكرة، واتصلت بالزملاء، فرقعت كلمة بأخرى، وكم أكون شاكرا لمن يحفظ هذه القصيدة بشكل صحيح، ويزودني بها.

 

 

وإلى لقاء آخر في حلقة قادة بعنوان ( القرآن والرعاة).

 

وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح

 

لندن

14/3/2005

drjalal@talk21.com  

========================

الخلاوي القرآنية في كرن

الحلقة الثالثة

القرآن والرعاة.

 

إذا كان في القرآن طلاب يشتغلون بالرعي، ولا يمكنهم الحضور على النحو الذي يلتزم به من سواهم، حملوا معهم ألواحهم إلى البر من بعد أن يرمي عليهم الشيخ المقطع الذي يتوجب عليهم حفظه، وهنالك في الخلاء، وتحت ظل الأشجار، وعلى التلال، وبطون الأودية، ينفرد الراعي بلوحه فيحفظ مقطعه، وفي المساء بعد عودته يعرض على الشيخ ما حفظه فيجيزه، وفي الصباح قبل الانطلاق إلى الرعي يرمي عليه الشيخ مقطعا جديدا وهكذا، في عمل أشبه ما يكون بنظام الدراسة عن بعد، المعمول به حاليا في الجامعات المتخصصة.

 

وقليل من الخلاوي القرآنية ( القرآن) من يقيم حلقات القرآن الليلية بعد صلاة المغرب إلى العشاء، وقد اختفت هذه الظاهرة تماما عندما سلط المستعمر الإثيوبي على المجتمع قانون حظر التجول، وممن كان يسير على هذا المنوال ( القرآن) الذي أسسه والدي الشيخ محمد صالح حامد رحمه الله، مؤسس مؤسسة أصحاب اليمين التعليمية، في الستينيات، باسم مدرسه الإرشاد الإسلامي عندما استقدم بعضا من أبناء الكوناما والبازا، وأجلس لهم شيخا يعلمهم القرآن، وذلك في المسجد المجاور لمنزلنا، مسجد الخليفة جعفر، كذلك كان الشيخ طاهر بن شقيق الشيخ قاضي عمار يقيم ليالي قرآنية، وأحيانا ينشد فيها المدائح النبوية، وقد أسس هذه الخلوة الشيخ قاضي عمار، ومعه الشيخ عثمان بخيت، وكان للشيخ طاهر وكيل يقوم مقامه، يدعى (خليفة) وكان ينجذب للمدائح النبوية، ويدخل في حالة اللاوعي، إذا ما سمع أداء المديح النبوي، من زميله الشيخ الطاهر، الذي عرف بجمال الصوت، وحسن الأداء، أو من غيره، وربما أسرع إلى الجمار الموقدة ليلتهما، ما لم يبادر الحضور إلى الإمساك به، خشية عليه من الاحتراق.

 

وقرآءة (القرآن) ليلا هي جزء من تراث الثقافة الإسلامية في إرتريا، عرفه مسلموا منخفضات إرتريا، في القرى والحضر، إذ يتحلق الطلاب على نار موقدة، تتعالى ألسنتها لتضيئ الساحة، وتبعث على الأنفس روح الهمة، وتطرد عنها النعاس، وتسمى هذه النار بـ( المُدجى) إذ يأت كل طالب بعود من الحطب، ثم تشعل النار، وعلى ضوئها يقرأون، خلال الفترة المخصصة من الليل، إذ لاكهرباء يوجد، وإذ لا وقت كاف في النهار، لأهل الريف على وجه الخصوص، حيث الرعي، والزراعة، وسائر هموم الحياة، ومطالب المعيشة اليومية.

 

 

التكافل الاجتماعي في تعليم القرآن.

 

وإن من قرى الريف ما ليس فيه (قرآن) وشيخ مفرغ لتعليم القرآن، إما لأن أهل القرية رحل، تسوقهم المواشي إلى حيث الكلأ، ومنابت العشب، وليس لهم استقرار، وإما لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليف القرآن، وإما لأنهم لم يجدوا شيخا مناسبا، أو لسبب آخر من الأسباب، وفي هذه الحالة يأتي الحريصون منهم على تعليم أبنائهم القرآن أقرب مدينة إلى ريفهم، ويبحثون عمن يتكفل بتعليم ابنهم القرآن، من الأسر الميسورة، وقد عرفت كرن هذا النوع من التكافل في تعليم القرآن، وتبنت بعض أسرها أطفالا من أبناء القرى، يأتي بهم آباؤهم، ويسندون أمر تعليمهم القرآن إلى أسرة من الأسر، إما لقرابة تربطهم، وإما لمعرفة سابقة تصلهم، وإما من باب الإحسان، والتعاون على البر والتقوى، يأوون إلى منزلها، ويعيشون بين أبنائها، ويلبسون مما يبلس منه أبناؤها، ويقرأون في القرآن نفسه الذي يقرأ فيه أبناؤها، ويكونون واحدا من الأسرة، ومن جانبهم لا يقصر هؤلاء الطلاب الوافدون، في خدمة الأسرة المضيفة، والمشاركة في تقديم الخدمات المنزلية، مثلهم في ذلك مثل أبنائها، وكان أكبر عدد كفلتهم الأسر الكرنية من طلاب القرآن الوافدين إلى كرن هم أبناء الكوناما الذين استقدمهم والدي الشيخ محمد صالح حامد رحمه الله من سوسنا، وو زعهم على بعض الأسر الكرنية، فقامت الأسر الكرنية ـ جزى الله الجميع خيرا ـ أحسن قيام بما يلزم أمر تعليمهم.

 

 

الإجازات في القرآن، وأجرة نهاية الأسبوع

 

القرآن أو الخلاوي القرآنية باعتبارها حقل من حقول التربية والتعليم لا بد أن تكون لها أيام ومناسبات تعطل فيها، ترويحا على الطلاب، وتنشيطا لهم، والإجازات في الخلاوي القرآنية، أو (القرآن) كما تعودنا على تسميته، منها ما هو أسبوعي، ومنها ما هو سنوي، فالإجازة الأسبوعية هي يومي الخميس والجمعة، وأول من سن هذه الإجازة في التاريخ الإسلامي هو الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، لكن جرى العرف في كرن على أن أن يسدد كل طالب الذي عليه، من أجرة نهاية الأسبوع، تعطى للشيخ مساء يوم الأربعاء، وهي عشر سنتيمات، بجانب ما يعطى له آخر الشهر ريالا واحدا، أما الإجازات السنوية فهي إجازتي عيد الفطر والأضحى، ورأس السنة الهجرية، ويوم المولد النبوي.

 

 الشرافة والختمة

 

الشرافة، والختمة، مصطلحان طالما تداولته الخلاوي القرآنية في كرن، وفي غير كرن، من مدن المسلمين.

 

الشرافة بضم الشين المشددة، وفتح الراء المشدد، على وزن ( فعالة) وهي صيغة المبالغة في اللغة العربية، مأخوذة من (شرف) الشيئ إذا علا قدره، وعظم شأنه، والمراد بها هنا السورة القرآنية التي نال الطالب بوصوله إليها مرتبة من مراتب الشرف القرآني، وعلا بها قدره، وعظم شأنه، وعليه أن يظهر ذلك بإقامة حفل في اليوم الذي يبدأ عليه الشيخ رمي هذه السورة، وبهذه المناسبة يلزمه تزيين لوحه برسم جامع بمنارة، وقبة،  يقوم برسمه واحد من ذوي الموهبة الفنية من طلاب الخلوة، ولا بد أن يترك هذا الرسام قلب اللوح ووسطه مخصصا لكتابة ما يرميه الشيخ من آيات السورة المحتفى بها، بينما يزين الأطراف بألوان شتى من ألوان الصباغ، واستعمال الصباغ في رسم الشرافة أحب إلى أنفس الطلاب، من استخدام أقلام التلوين المدرسية، لأنه أطول مكثا، وأشد بروزا، وتختار الألوان بكل دقة وعناية، وتناسق، حتى تكون متناغمة، ومناسبة، فالقبة مثلا تلون باللون السماوي، ولا يألو فنان الخلوة جهدا في إظهار ملكاته الفنية، وإبداع أجمل صورة شرافة، تنطبع على الأذهان، قبل أن تنطبع على الألواح، وكان رسام (قرآننا) سليمان محمد بخيت، صاحب ذوق رفيع، وقد نمت فيه هذه الموهبة، فتخصص لاحقا في الفن التشكيلي، وتخرج فيه من جامعة دمشق، عاصمة الأمويين، واتخذ من مدينة أوربرو بالسويد سكنا له، بعد مضي ثلاثين عاما من الاغتراب والتنائي، قابلته قريبا في لندن، وتذاكرنا معا أيام القرآن، وملكاته الفنية في رسم الشرافة، والتي جعلت منه فنانا محترفا، يمارس اليوم الفن التشكيلي، بكفاءة متخصص.

 

وعمل الشرافة يشعر الطالب بأنه أنجز شيئا مهما في تعلمه للقرآن، ويرفع من معدلات حماسه لإكمال المشوار القرآني، والمضي في ارتقاء درجاته العليا، ويجد من الأسرة تشجيعا، ودفعا معنويا، عندما تخبز له الأم خبزة ( قجة) سواء في مخبز المنزل (المققوا) أو بإرسالها إلى المخبز الآلي، من بعد أن تحضر لها تحضيرا جيدا، بتوفير جميع مستلزماتها، مطعمة بحبة السوداء، ولأن الطلاب يتباهون فيما بينهم، ويتفاخرون بما يخبزون، يهتم كل منهم بالجودة في صناعة الخبزة (القجة)، كما أن كل أسرة تحرص على حسن سمعتها، وتتجنب قدر الإمكان إحراج ابنها، فتبذل أقصى ما تستطيع في الاهتمام بالجودة، بما في ذلك الشاهي الذي تفوح منه نكهة منعشة، ومُـشـهِّـية، لما يوضع فيه من الهيل، أو القرنفل، لذا تحرص صانعة الشرافة، أما كانت، أم أختا، على إبراز كل قدراتها الذوقية، والمطبخية في إخراج (قجة) الشرافة إخراجا حسنا، لتصل إلى القرآن وهي في أحلى طعم، وأجمل منظر، يتحدث عنها الطلاب أياما، وأياما، لذا تجد تفاوة وتمايزا بين خبزة (قجة) وأخرى، وإن من هذه المخبوزات خبزة (قجة) إذا وضعت عليها يدك ألفيتها ناعمة، وكأنك تلمس حريرا، وإذا ما طعمتها ومضغتها، قلت من حلاوتها هل من مزيد، وإذا ما أجلت إليها نظرك من قرب، بدت لك في أروع شكل فني خلاب، مشوب بألوان الصفار، والسواد.

 

وأول ما تأتي الشرافة ( القجة) مكسوة بقماش أبيض، في صينية، ومعها ( الشاهي ) إلى القرآن من منزل الطالب يحملها نفر من طلاب القرآن، يختارهم الشيخ، تشرأب إليها أعناق الطلاب، ويتهامسون بشأنها وينكتون، وتخيم على القرآن حالة من الصمت المشوب بالفرحة والحبور، ثم تقطع الشرافة ( القجة) تحت إشراف الشيخ، إلى قطع بعدد طلاب القرآن، ثم توزع على الجميع، وإذا ما فاض منها يعاد تقسيمه ثانية، فربما وصلت كل واحد منهم قطعتان، ويومها يفرح جميع طلاب القرآن ويبتهجون، كما يفرح صاحب الشرافة ويبتهج.

 

وفي يوم الشرافة يطرق بعض الطلاب ومعهم ألواحهم المزينة برسم الجامع، أبواب بعض المتاجر في السوق، يعرضون أ لواحهم، ويترنمون ببعض الأناشيد التي منها ( عندنا شرافة، شرافة نبينا محمد) ويحظون ببعض الجوائز، والهبات المشجعة.

 

وأما الختمة فهي التي تكون عند ختم القرآن بإكمال سورة البقرة، رميا من الشيخ، وعرضا من الطالب.

 

والمصحف يسمى في عرف مسلمي إرتريا (ختمة)، لكونه يحوي القرآن من أول ما نزل منه إلى آخر ما ختم به، أو لأنه خاتم الكتب السماوية، كما أن الرسول صلى الله عليه وسلم خاتم الرسل عليهم السلام جميعا.

 

سور الشرافة.

 

وسور الشرافة في (القرآن) محددة، فقد تعارفت الخلاوي القرآنية عندنا على أن تكون الشرافة في السور التالية:ـ

سورة النبأ ( عم يتساءلون عن النبأ العظيم) ويقدم الطالب خبزا وشايا ( قجت وشاي).

سورة الملك ( تبارك الذي بيده الملك) ويقدم الطالب خبزا وشايا ( قجت وشاي).

سورة المجادلة( قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها) ويقدم الطالب خبزا وشايا ( قجت وشاهي)

سورة الرحمن ( الرحمن علم القرآن خلق الإنسان) ويقدم الطالب خبزا وشايا ( قجت وشاهي).

سورة ياسين ( يس والقرآن الحكيم) ويذبح القادر من الطلاب شاة، وإلا قدم (قجت وشاهي).

 

أما الختمة فهي أعلى درجات الاحتفال، ولا تكون إلا بعد ختم القرآن بإكمال سورة البقرة، والطالب الميسور يذبح بقرة، وما رأينا أحدا فعل هذا في مدينتنا كرن، وما شهدنا إلا بما علمنا، وما كنا للغيب حافظين.

 

 

وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة بعنوان ( المصاحف في القرآن)

وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح

لندن

21/3/2005

drjalal@talk21.com  

================================

الخلاوي القرآنية في كرن

الحلقة الرابعة ( الأخيرة)

المصاحف في القرآن.

 

اللوح الخشبي كما أسلفت هو وسيلة التعليم الأولى في القرآن، عليه يكتب الطالب مقطعه، ومنه يحفظه، أما المصحف فهو بيد الشيخ، يرمي منه، ويراجع فيه، ولا يكلف الشيخ الطالب بشرائه، لغلاء ثمنه، وندرة وجوده، وبعض من المشايخ يحتفظ بمصحف مخطوط، بخط يدوي، ربما ورثه عن قريب له، أو منح له من شيخه، أو اشتراه من خطاط، أو خطه بنفسه، تراه يعتني به غاية الاعتناء، ولا يدع أحدا من صغار الطلاب يقترب منه، ويلمسه، يحفظه في حافظة من القماش، مفصلة على مقاس المصحف، لها حبل تعلق به، ورباط يلف عليها، عند إغلاقها، تعرف بـ( البورسة) ثم صار حصول طلاب القرآن على المصحف أمرا ميسورا، حين أحضر والدي الشيخ محمد صالح حامد رحمه الله، مؤسس مؤسسة أصحاب اليمين التعليمية من بلاد الحرمين الشريفين كمية من المصاحف القرآنية، وزعت على كافة خلاوي إرتريا، مقابل خمس وعشرين سنتا إثيوبيا، تغطية لتكاليف الشحن، وأجرة المخزن، وقد جرى توزيعها من  دكان حجي صايغ، بسوق الصاغة، في مدينة كرن، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، وكنت يومها صغير أرقب والدي وهو يقوم بتوزيعها، يفد إليه شيوخ القرآن في مدينتنا كرن، ليأخذ كل منهم حظه ونصيبه من هذه الهدية العظمي، المصاحف القرآنية.

 

القرآن والدراسة في المدارس الحكومية.

 

من شدة حرص بعض الأسر الكرنية على ارتباط أبنائها بالقرآن ظلت تسعى إلى التوفيق بين دراستهم في المدارس الحكومية، وقراءتهم في القرآن، فإذا كانت الدراسة صباحا من نصيب المدرسة، فإن الفترة المسائية تكون من نصيب القرآن، وإذا تعذر التوفيق بينهما لأمر ما كأن تكون الدراسة المدرسية صباحا ومساء، فإن الطالب يأتي إلى الشيخ مبكرا في الصباح، ويكتب مقطعه من القرآن ثم يذهب إلى المدرسة، وفي المساء بعد المغرب يحفظ مقطعه، ويعرضه على الشيخ، وهكذا، مثله في ذلك مثل الراعي، وعلى هذا المنوال ارتبط نفر من الطلاب بالقرآن، بالرغم من دراستهم في المدارس الحكومية، ونمت فيهم الثقافة القرآنية، وتكونت عندهم حصانة إسلامية، تذكرهم بماضيهم الإسلامي، كلما حاولت فئة ضالة إضلالهم، وحتى إن أخطأوا طريقهم لفترة من الزمن استيقظت فيهم ذاكرة القرآن لتعيدهم إلى رشدهم، إلا من حقت عليه الضلالة، ومشى مكبا على وجهه، لا يدري إلى أين هو سائر.

 

القرآن تراث لا بد من حمايته

 

هذا التراث الكرني في العناية بالقرآن وتربية الأبناء على تلاوته، وقراءته هو بالتأكيد تراث كل مسلمي إرتريا، في مدنهم وقراهم، ولا بد من المحافظة عليه، وإحياء ما اندرس منه واختفى، ففي ذلك بناء الشخصية الإسلامية الإرترية على أسسها الحضارية، وربطها بثقافتها الإسلامية، وحمايتها من التلوث بالأفكار التحريفية، والتوجهات الانحرافية، ولا بد من تطوير الخلاوي القرآنية، بحيث تواكب تطور عصرها، ويجد فيها الطالب من المحفزات ما يدعوه إلى التوجه إليها، ويشجعه على القراءة فيها، وذلك بتكوين لجان مهتمة، وجمعيات متخصصة، في التعليم القرآني، توثق تاريخ الخلاوي القرآنية في إرتريا كلها، وتاريخ من قام عليها، من المشايخ الذين علموا فيها، والأسر التي أنشأتها، وتوفر المصحف، والمعلم المجود، و تهيئ المكان المناسب، وترصد الجوائز للحفظة من الطلاب، وتجري المسابقات بين حفاظ المدن أو الريف، على مستوى الوطن كله، ثم بين الفائزين منهم، لتختار منهم من يمثل مسلمي إرتريا في المسابقات الدولية لحفظ القرآن، التي تقام سنويا، هنا وهناك، من عالمنا الإسلامي، وتتصل بالمحسنين الإرتريين، وغيرهم من أجل بناء أوقاف خاص بالخلاوي القرآنية، ينتفع من دخله الشيخ المعلم، ويصرف من ريعه على داخليات تستقبل أبناء الريف الذين لا يجدون من يكفلهم من أسر المدينة، وتوفر لهم الزاد اليومي، ويتخرج من هذه الداخليات طالب القرآن وهو يتقن بجانب حفظه للقرآن صنعة يعيش منها، نجارة، كهرباء، أسس التجارة، وأسلوب تعاطيها، ترجمة شفهية، وتحريرية، من لغة إلى أخرى، فن التعامل مع الأجهزة الإلكترونية، التعامل مع الكمبيوتر، وذلك بإدخال المتفوقين، والمقتدرين، من هؤلاء الطلاب معاهد، ومدارس، وكليات متخصصة، على حساب، ونفقة هذه الأوقاف، وبهذا تساهم الخلاوي القرآنية بمؤسساتها الاقتصادية، في تخريج طلاب من أبناء المجتمع، ذوي كفاءات علمية متنوعة، ونماذج يحتذى بها ويقتدى في الحياة العلمية والعملية، وليس بالضرورة أن يتخصص كل طلاب القرآن في الدراسات الشرعية، بدخول المعاهد الإسلامية، والكليات الشرعية، كما كان من قبل، وإن كان من الضروري تطوير المعاهد الدينية الإرترية أيضا، من خلال التفكير في تطوير مناهجها، ومصادر تموينها وتزويدها، ولعل الحديث اللاحق يكون حول هذا، إذا ما مد الله في العمر، ووجد في الزمن فرصة وسانحة…الخ.

 

وكم هو جميل أن تنشأ نقابة باسم اتحاد الخلاوي القرآنية الإرترية، تكون تحت إشراف دار الإفتاء الإرترية، وتكون لها أفرعها في كل المدن الإرترية، وتقوم ببعض المهام التي تندرج في مجال التكافل الاجتماعي، كتأسيس صندوق تأمين تعاوني، يقتطع له مقدار من دخل كل شيخ عضو في الجمعية، ويستقبل الهبات، والتبرعات من أهل الخير، والزكاة النقدية، وغير النقدية، ويوظف في استثمارات مناسبة، بأيد أمينة، وتبنى منه أوقاف، ثم يعود إلى الشيخ في سن التقاعد، أو عند إصابته بمكروه، من مرض يعجز معه عن أداء مهمته، أو يعود إلى ذرية له ضعاف عند الوفاة، وبهذا يحفظ للشيخ قدره، ويوفى له حقه، ولا يكون القرآن والقائمون عليه عالة على غيرهم، وهكذا نحيي تراث (القرآن)، وهكذا يشارك المجتمع في الحفاظ على الهوية الإسلامية في إرتريا، ويحمي ذاته بذاته كما حماها من قبل يوم أراد المستعمر الإثيوبي طمسها، وتذويبها في ثقافته الأمهراوية، لغة وعقيدة، وبهذا يكون القرآن جزءا لا يتجزء من التكوين الثقافي لمجتمعنا.

 

رحم الله جميع من رحل عن حياتنا هذه من حملة لواء القرآن، من الذين سبقونا بالإيمان، من مشايخنا الكرام، وتسببوا في تعليمنا، وبارك في الذين خلفوهم، واهتدوا بهداهم في تعليم القرآن، والسهر على حفظه وتحفيظه، خيركم من تعلم القرآن وعلمه، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ورد كيد المتآمرين على القرآن وخلاويه، من الذين حرضوا على إغلاقه، ويرون في إحيائه تخلفا ورجعية، من فلول الماركسيين وملحديهم، ويمكرون، ويمكر الله، والله خير الماكرين.

 

وكتبه/ الدكتور جلال الدين محمد صالح

لندن

26/3/2005

drjalal@talk21.com  

 

 

 

روابط قصيرة: http://www.farajat.net/ar/?p=8120

نشرت بواسطة في يناير 5 2005 في صفحة جغرافيا. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010