إنتهت لعبته فمتى تبدأ لعبتنا؟

في خطاب الإعلان عن القبول بمبادرة د. أبي أحمد تفاخر إساياس قائلا “هنا تنتهي مراوغات الوياني (قيم أوفر)” معلناً انتصاره على الوياني، ثم أعلن إرسال وفده إلى أديس أبابا، ليجني ثمار الإنتصار بالطبع!!

يعلن الإنتصار بالرغم من أنّ أدوات النّصر ونتائجه كلها في إثيوبيا حيث تم التسليم بكل سقوف إثيوبيا وأحلامها الكبرى منها والصغرى. ولا أدلّ على ذلك أكثر من كلمة رئيس حكومة إثيوبيا في حضور وابتهاج طاغية إرتريا التي أكد فيها بأنه وإساياس سيُجمَعان ويجتمعان فيقتسمان عصب.

الجدير بالإشارة هنا أنّ التقراي كانوا وما زالوا يؤكدون بأن التضحيات التي تمت لم تكن لاسترداد “بادمي” بقدر ما كانت للتفاوض حول السيادة على “عصب” من موقع القوة وتحت ضغط رائحة الدماء والموت. كما لا يخفى على الجميع  بأنّ الوياني لم يكونوا بالقدر الكافي من الحماس لدعم المعارضة الوطنية الإرترية الفاعلة وذلك لعدم قبول أي منها بمبدأ تسليم أو تقاسم السيادة على عصب. وليس سرّاً حين نقول أنّ هذا الأمر قد تم طرحه على قيادات المعارضة كلٌّ بمفرده، وتم إلزامهم بالسكوت حياله. وعليه كان التّقراي يحلمون بأنّ للحرب دائما مردود استراتيجي وكانوا يأملون أن يكون هذا المردود في شأن عصب بأيدي تقراوية. كذلك كانت حملاتهم الدعائية أثناء الجولة الأخيرة من حرب العامين حيث الشعار الجذاب بأنّ “وقوفنا عن الحرب سيكون على شاطئ البحر الأحمر”. ومن ثمّ إبتزاز وإلهاب مشاعر المقاتل الإثيوبي، ثم نتيجةً لتضحياته يلي ابتزازٌ للدولة الإرترية.

إذن أمر عصب لم يكن بعيداً عن حوار ما قبل الحرب المجهول لدينا، وحوار الحرب المميت لنا ثم حوار البهرجة والمهرجة الأخير في أسمرا وأديس أبابا وهواسا الغريب علينا.

بالفعل انتهت اللعبة إذن!! ولكن مع كثير من المتغيرات في الشخوص والأزمنة والأمكنة والحالة العامة حيث الفرح العارم هنا وهناك!!

الشكل يوحي بنهاية!! ولكن ليست تلك النهاية التي إدعى إساياس الصمود من أجلها وحمّل الشعب الإرتري كل ألوان المعاناة في سبيل تحقيقها. ولكنها على العكس تماماً حيث النهاية الأفضل التي ربما لم يكن ليحلم ملس زيناوي بتحقيقها. صحيح أنّه ربما يتم إقصاء مؤقت أوشكلي أو حتى فعلي للتقراي من ساحة اللعب، ولكن يتم تحقيق كلّ تطلعاتهم وآمالهم تحت الشعارات السائدة فيتحقق لإثيوبيا التواجد القوي في البحر الأحمر عبر شواطئنا ومن على جزرنا تجاريا وأمنيا وعسكريّاً أيضا.

لعبته انتهت بتحقيق سيادة فعلية غير معلنة على شواطئنا، على أقلّ تقدير في المراحل الأولية، أو ربما يكون قد أكمل المهمة التي أرسل من أجلها في الستينات كما تقول الوسائط الإثيوبية وهي الوحدة الطوعية بين إرتريا وإثيوبيا بعد التأكيد بأنّ العداء السافر لفكرة الوطن الإرتري ستنتشر وتنتشي مع بعض الإنفراج الذي سيأتي بناءاً على عودة العلاقة مع إثيوبيا وبعد تأزيم حياة المواطن الإرتري الممنهج الذي أجاد إساياس في تحقيقه. ولا يسعنا هنا إلا أن نشكك أيضاً بأنّ عراك الأشقياء أبناء الشقيقتين الذي ولّى لم يكن إلا ضمن ذاك البرنامج الوحدوي سيء السمعة.

بالعودة إلى الواقع المعلن، وللمقارنة الأولية البسيطة فإنّ هذه أمور السيادة على أي بقعة من التراب الإرتري لم تكن مطروحة على الإطلاق في أي من الساحات الإرترية ومراحل النضال إلّا في مرحلة متقدمة السبعينات حين كان البعض يفكر بمنطق الدولة الإشتراكية الموحدة حول العالم.

مقارنة أخرى بين ما وافق عليه واحتفل به اساياس وبين ما دعاه لإذلال واستعباد الشعب الإرتري من أجله وهو في البداية رفضه الإنسحاب من بامي وتقديمه سببا مباشراً لوضع إرتريا في خانة المعتدي وإضعاف موقفها دبلوماسيا عند بداية الحرب العبثية، ثم للمفارقة تمسّكه بالإنسحاب من بادمي قبل كلّ شيء وما بين لا انسحاب والإنسحاب أبدع في إذلال وامتهان شعبنا في الداخل والخارج، وكأنّ الهدف الأسمى له تحقيق كل ما يؤدّي إلى إيذاء الشعب الإرتري والوصول إلى إجهاض فكرة الوطن باعتبارها فكرة مميتة كما أسلفنا ضمن تصرفاته لتحقيق ذلك.

ولكن كانت ومازالت للشعب الإرتري مسارات غير التي خطها الدكتاتور بالتعاون، ربما، مع أهله في إثيوبيا. وقد تجلى ذلك في صمود المقاتل الإرتري رغم ما كابده من قسوة عدم الإعداد وسوء القيادة وتمكن العدو من كلّ وسائل النصر. ولكم في قصة القائد العسكري صالح عثمان قائد جبهة عصب في المواجهة الأخيرة من الجولة الثالثة لحرب الحدود حين رفض أوامر الدكتاتور بالإنسحاب من كامل الجبهة تمكينا للتقراي من مدينة عصب وتحقيقاً لمشروعهم بالوصول إلى الشواطئ الإرترية، ومن ثم استبسل هو وابناءه من أبطال إرتريا وتمكن من صد الهجوم الذي قاده كبار قادة الجيش الإثيوبي الذين توافدوا إلى جبهة عصب تاركين الجبهة الغربية ببادميها، وذلك تأكيداً لسعيهم لتحقيق مشروع الحملة والهدف الرئيسي منها والمتمثل في الوصول الى الشواطئ الإرترية.

وبما أنّ لعبته قد انتهت وعراك الأشقياء أبناء الشقيقتين قد ولّى وتم تسليم فاتورة احتفالات الخيانة والدمار والغدر والموت إلى شعبنا، وقد سدّد نصفها ويبدوا أنّه مقبل على تسديد النصف الآخر منها حين يخوض معركة استرداد ما تنازل عنه إساياس ضمن صراع الأشقياء أبناء الشقيقتين. وعليه لعبة الشعب الإرتري الإجبارية قد بدأت حيث الرفض القاطع لعطاء من لا يملك لمن لا يستحق.

كما سمعنا ورأينا فهذا العطاء الغادر قد تجاوز كل الإحتمالات حين دعا سيده الجديد أن يقود ارتريا وأنه يسلمه مقاليد الأمور فيها مكرّراً ذلك ثلاث مرات خلال أقل من ستين ثانية. وكلّ هذه الأحداث والتنازلات تحدث في هواسا حيث البلدة التي شهدت ميلاد المجلس الوطني الإرتري للتغيير الديمقراطي (حالة الإجماع الإرتري الوحيدة حتى الآن، والذي تمثل فيه كل الوطنيين الإرتريين الرافضين للتنازل عن شبر من أرضهم رغم حالة الضعف التي كانوا عليها). كان إساياس حاضراً بقوة وبشهادة ممثلين لكلّ شعوب إثيوبيا وحضور رئيس حكومة إثيوبيا المخلص لوطنه فانطلق من هواسا وأطلق رصاصة الرحمة على أي أمل أن يكون مواطناً إرتريّاً ناهيك عن أن يكون رئيساً لإرتريا ومتحدّثاً بإسمها وإسم شعبها.

كان للتاريخ صفحات مفتوحة تدون كلّ الحدث، كما تحدث بنفسه عن ذلك في أديس ابابا وفي رمزية للتوحّد بين الشخصين والكيانين كان الخاتم الذي يعبر الرابط المقدس عنواناً لعودة الازواج إلى بيتهم الجامع (إثيوبيا بالضرورة) كما أكدت ذلك صاحبة هدية الخاتم في تفسيرها لما فعلت. ثم كان يتم التعريف به مواطنا إثيوبيا مخلصاً في هواسا حيث يتم تقليده كل التراث الإثيوبي الواحد تلو الآخر، وكان يتمايل كما الراقصات اللاتي يتم توظيفهن والرضا عنهن بقدر التمايل الذي يقدمنه حتى وصل به الأمر الى القفز ابتهاجا بترجمة مليئة بالسخرية والأداء الدرامي لرئيس حكومة إثيوبيا لكلمته والتي لم يكن لها أدنى علاقة بواقع خطابه، وأخيراً وفي تأكيد للإنتماء الإثيوبي يتحدّث بالأمهرية إلى شعبه الإثيوبي كما قدمه رئيس حكومة إثيوبيا، ويثبت انتماءه الحقيقي بواضح كلماته ثم تنتهي الدراما بإلباسه التاج الإثيوبي التاريخي المقر من الكنيسة الأورثودوكسية.

نعم هو تسليم لإرتريا إلى إثيوبيا حتى لو كان رمزيّاً في مراحله الأولى ولا تفسير آخر غير ذلك. ألم يقل حرفيا بأنّه يسلم مقاليد الأمور بقوله “أكلفك بجميع المهام الخاصة بالحكم”. فيتمايل معه الثاني مبتسما ومبتهجا فيرفع من وتيرة شغفة للعودة الى إثيوبيا بقول “انا في غاية الجدية”. “أسلمك مقاليد الامور في ارتريا والمنطقة”.

لعبته انتهت وربما لعبتنا قد بدأت.

 

بشرى بركت

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=43349

نشرت بواسطة في يوليو 19 2018 في صفحة البشرى, المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010