الذكري الـ(33) لاستشهاد القائد الشهيد إدريس إبراهيم هنقلا…

بقلم المهندس / سليمان دارشح

22/9/2018م

إن للوطن رجال كتب التاريخ اسماءهم بمداد من ذهب .. هامات لا تحني ولا تنكسر.. رجال رصفوا الطريق بدمائهم لتحقيق عزة بلدهم وشعبهم .. رجال رددوا جميعاً في ذلك الزمان الصعب إن زمن الانكسار والخنوع قد مضى .. من هؤلاء الرجال القائد الشهيد إدريس هنقلا.

هو رجل – طيب الله ثراه – حياته حافلة بالوفاء ووقفات العز والشموخ ، جمع بين الشجاعة والصدق والأمانة وقوة الشخصية والكاريزما ، عليه من جلال الهبية والوقار وعزة النفس ، متدين عارف حدود الله سبحانه وتعالى ومحافظاً علي الصلاة وعلي خلق.

عرفته ميادين الحروب والقتال ، له بها صولات وجولات طوال فترة نضاله التي امتدت تسعة عشر عاماً

من عرفه قال عنه : محباً لأبناء وطنه ، فأحبوه وألتفوا حوله ومنحوه ثقتهم ، شعلة من الحماس الوطني المتدفق ، ومن المناضلين الشرفاء الذين كانوا يعيشون في قلب الحقيقة ، والذين تنطلق حياتهم من واقع القيم الثورية والأخلاقية النبيلة ، سباق إلي الخيرات ، نموذج يحتذي به في خدمة الوطن والشعب والإخلاص ، فمثله لا يرحلون ولا يشعر الإنسان بأنهم جزء من الماضي الذي ذهب وتلاشي ، بل إنهم يظهرون كومضة نور في حياة الشعوب المناضلة ، تنير للآخرين دروب الحياة الحرة الكريمة وترشدهم إلي مسالك العزة والمجد وتقودهم إلي حيث رضاء الله ورضاء الشعب والوطن.

وبالعودة إلي حياة القائد الشهيد إدريس هنقلا ، وإرثه النضالي : تشير الروايات المتواترة إنه ولد في منطقة حلحل 1945م تقريباً ، ينحدر من بيت عريق من البيوت الإرترية ، وسليل أسرة هنقلا المشهورة بالتدين والتقوى والشجاعة والإقدام والمروءة والكرم والتفاني في خدمة الدين والوطن والمجتمع.

نشـأ القائد الشهيد إدريس هنقلا في هذه البيئة الصالحة ، وشب علي التدين وعلي مواساة الضعيف ونصرة المظلوم ، ليواكب بذلك وعياً وطنياً مبكراً في حياته.

قرأ – رحمه الله تعالى – القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة في خلاوي منطقة حلحل ، ثم تلقى تعليميه الابتدائي في حلحل ، والمتوسط والثانوي بمدينة كرن ، عمل بجانب تحصيله العلمي في الخلايا السرية التابعة لجبهة التحرير الإرترية بمدينة كرن ، فكان من النشطاء في توعية الجماهير وجمع الاشتراكات والتبرعات للثورة الإرترية.

وفي عام 1966م التحق بصفوف جيش التحرير الإرتري ، وبعد إكماله للتدريب والتأهيل العسكري ، عين مسؤلاً عن الاستخبارات العسكرية في المنطقة الثانية ، وفي عام 1968م اختير من قبل القيادة العامة لجيش التحرير الإرتري عضواً في جنة تقصي الحقائق التي قرر مؤتمر أدوبحا تكوينها ، فكان من النشطاء في هذه اللجنة.

وفي عام 1969م تلقي دورة عسكرية في الجمهورية العربية السورية ، وفي عام 1975م شارك مع رفاقه المناضلين في تحرير ألف مناضل سياسي من سجن “سمبل” الواقع في ضواحي العاصمة أسمرا ، وكان من بين السجناء المناضلين  سعيد حسين ، وحامد عثمان طمبار ، ولدي داويت تمسقن ، وهيلي ولد تنسائي ( هيلي درع).

وفي عام 1976م التحق بكلية ضباط منظمة التحرير الفلسطينية بالجمهورية العربية السورية وتخرج منها برتبة ملازم ، وبعد عودته من سوريا عين مشرف علي الوحدة الإدارية رقم (8)

قاد وشارك في العديد من معارك التحرير الي خاضتها جبهة التحرير الإرترية عام 1977م لتحرير المدن نذكر منها علي سبيل المثال لا الحصر : معركة مندفرا ، وعدي خلا ، وعيلا برعد ، ومعارك حصار أسمرا وبارنتو وتسني.

وفي عام 1988م عين قائد اللواء (69) ، وفي عام 1980م عين قائد اللواء (19) أسلحة ثقيلة ( مدرعات) ، وفي المؤتمر الوطني الثالث لجبهة التحرير الإرترية عام 1983 م إنتخب عضواً في المجلس الثوري ، وعين عضواً في هيئة الأركان ، ونائب رئيس جهاز الأمن والاستخبارات العامة.

وبعد تكوين التنظيم الموحد ودمج المجالس التشريعية للتنظيمات الموحدة أصبح عضواً في المجلس الوطني للتنظيم الوحد ، ونائباً لرئيس جهاز أمن الثورة وعضواً في اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الأول للتنظيم الموحد.

اغتيل هذه القائد الوطني العظيم برصاص الغدر والخيانة ضمن مسلسل إجرامي مخطط مسبقاً ، حيث أقدمت في مساء يوم 20/9/1985م مجموعة إجرامية – أشارت كل الدلائل والتحريات أنها تابعة للجبهة الشعبية – بإطلاق رصاص الغدر عليه أمام منزلة بمدينة كسلا السودانية ، أدت إلي استشهاده علي الفور ، ولاذو الجبناء بالفرار.

لجوا هؤلاء المجرمين الجبناء لاغتياله بهذه الطريقة الغادرة والمجردة من كل القيم الأخلاقية والإنسانية ،  عندما عجزوا من مواجهته في ساحات القتال. انتشر في ذلك اليوم الخبر المفزع وبسرعة كبيرة وفي كل الأرجاء ، تدفق الألاف إرتريين وسودانيين إلي منزل الشهيد بحي الشعبية ، تعالت في تلك اللحظات العصبية صيحات الأسي دون حدود ، وتمزقت القلوب كما تريد ، والدموع انهارت ما شاءت ، حقاً كان يوماً حزيناً وطويلاً لا يوصف.

إن المصـائب أشكال وألوان

أطلق سراح الدموع للشهـيد

فقد بكي لفقده الجبال والوديان

نعم .. كان يوماً .. قاسياً جداً .. لا بل ربما لا توجد كلمة في قاموس الإنسان علي الأرض يمكن أن تصف انفجار الألم في قلوب الجماهير الإرترية والسودانية بسببه ..!! سهم أصاب الافئدة .. ومزق نياط القلوب .. وحطم مواطنِ  الكبرياء .. وفتح جرجاً عميقاً غائراً في الكرامة وفي الذاكرة .. جرحاً لا يندم أبداً .. نعمل لا يندمل حتى يأخذ المجرمون الجبناء عقابهم.

ووري في ذلك اليوم الحزين جثمان القائد الشهيد إدريس هنقلا الثري في مقبرة الحسن والحسين بمدينة كسلا ، بعد أن شيعته جموع غفيرة من الإرتريين والسودانيين في جنازته بما يليق ويستحق به من واداع.

لقد أرادت مجموعة الجبهة الشعبية الإرهابية بعملها الإجرامي هذا الانفراد بالساحة الإرترية لتمرير مخططها الإجرامي في تصفية مكتسبات الثورة الإرترية ، وأن تذل الشعب الإرتري وتفرض عليه نفسها وممارساتها بقوة السلاح والإرهاب المنظم.

كانت تري هذه العصابة وبإستمرار وجود جبهة التحرير الإرترية وقياداتها التاريخية عائقاً كبيراً وعقبة تقف بصلابة أمام نهجها التأمري ، وعندما عجزت التخلص من بعض قياداتها – الجبهة – في ميدان القتال وعلي أرض المعركة أختارت السودان ليكون مسرحاً لتلك الجرائم البشعة.

نعم .. رحل في ذلك اليوم القائد الشهيد إدريس هنقلا ، ومات واقفاً شامخ الرأس ، ألتحق بركب عظماء أرتريا ، الذين فدوا الوطن بدمائهم بياناً وعملاً.

عزائنا الوحيد إن هذا النوع من الرجال لا يموتون ، نعم قدر الله تعالى في مخلوقاته أن تفني ، ولكن القيم الرفيعة لا تموت يتمثل بها العظام أمثال القائد الشهيد هنقـلا ، فيبثونها في عقول من حولهم فتسود وتمكث في الأرض، نعم .. العظماء لا يموتون إنما تغيب سحناتهم.

هكذا هم فرسان الثورة الإرترية يحملون أكفانهم في جعبتهم ، ويستعدون للشهادة في كل لحظة ، ولسان حالهم يردد .. (اللهم ردنا إليك مقبلين غير مدبرين).

ولابد في ذكرى استشهاد القائد الشهيد إدريس هنقلا أن نتوقف عند مجموعة من المميزات والقدرات التي جعلت هذا القائد الوطني يشكل خطورة علي قوي الشر والعدوان التي خططت لاغتياله.

أولاً: كان له الفضل إلي جانب قيادات جبهة التحرير الإرترية في تحقيق الانتصارات في معارك التحرير ومطاردة الجواسيس والعملاء وكشفهم أول بأول.

ثانياً: كان القائد الشهيد هنقلا يتمتع بقدرة عجيبة علي الإستقطاب ، وفتح القنوات والتواصل مع رموز وطنية ودينية وسياسية واجتماعية متباينة  وخصوصاً في مناطق المرتفعات الإرترية (كبسـا).

ثالثاً: من المميزات الشخصية للقائد هنقلا سرعة الحركة والبحث دائماً عن الموقع العسكري المتقدم ، ليكون جنباً إلي جنب مع المقاتل في المواقع الأمامية في جبهات المواجهة مع العدو.

رابعاً: لا يعرف القائد الشهيد هنقلا اليأس إلي قلبه طريقة ، يزرع الأمل بالنصر مهما اشتدت المعارك ، ومهما علا دوي المدافع ، كان يردد دوماً إما النصر أو الشهـادة.

خامساً: كل أيام القائد الشهيد هنقلا كانت رائعة ومميزة ومكللة بالنصر والانجازات علي الصعيد العسكري والجماهيري والسياسي ، وهذا أزعج كثيراً قوي الشر والعدوان.

سادساً: كان الشهيد هنقلا رجل استخبارات وأمن من الطراز الأول ، إستطاع عدة مرات كشف خطط العدو وإفشالها بضربة إستباقية ، كما عُرف عنه أنه مخطط عسكري بارع وضع العديد من الخرائط لمارك تحرير المدن ، وهو أيضاً صاحب حس أمني عالي المستوى وأفكار مميزة في إدارة الأجهزة الأمنية.

سابعاً: القائد الشهيد إدريس هنقلا شخصية لا تعرف إنصاف الحلول والعمل في الخفاء كالخفافيش ، فقد كان – رحمه الله – جرئ مقدام شجاع في قول الحق وكشف الحقائق ، ظل خلال مسيرة حياته النضالية صامداً كالطود الشامخ لا تهده أقوي الرياح والاعاصير، لا يتردد ولا يتلون كالحرباء في لونه السياسي ومواقفه ، ولا يهادن ولا يجامل في القضايا الوطنية العليا وفي مكتسبات الثورة الإرترية ، صاحب رأي سديد وحكمة ، قال كلمة حق عندما أعترض بشدة علي استقطاب ما يقارب ثمانية ألاف شاب من المرتفعات الإرترية ( كبسـا) في صفوف جبهة التحرير الإرترية دفعة واحدة وبطريقة غير مدروسة ، أقترح آنذاك – رحمه الله – نوعية هؤلاء الشباب بدءاً ثم توزيعهم بعد ذلك علي دفعات بسيطة ، للأسف لم يجد اقتراحه الآذان الصاغية ، كما هو معروف قد تسببت تلك الجموع في اختلال توازن جيش التحرير الإرتري ، وتطور الأمر إلي قيام ما يسمي لاحقاً بحركة ” الفالول” التي أربكت وهزت الجبهة ، وأستطاعت الجبهة إخمادها في وقتها ، ولكن ظهرت آثارها لاحقاً في دخول الجبهة للأراضي السودانية عام 1981م.

ثامناً: كان رجلاً وحدوياً ، يميل نحو العمل الوحدوي المشترك مع الفصائل الأخرى ، وكان دائماً يردد أمام اصدقائه ورفاقه المناضلين وجنده : ” العمل الجماعي يربك العدو أكثر من العمل الفردي”.

وبمناسبة ذكرى استشهاد القائد هنقلا القامة الوطنية الشامخة ، نقول لشهداء الثورة الإرترية الأبرار : أرقدوا في سلام مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً ، فإن أبناء شعبكم الأوفياء الأحرار الشرفاء عند حسن ظنكم ، علي العهد باقون ، وعلي خطاكم سائرون ، يكملوا المسيرة النضالية لجعل إرتريا الحبيبة علي صورتكم البهية ، نقية شامخة عزيزة حرة ديموقراطية سيدة بين الأمم.

ونقول لقوى المعارضة الإرترية الوطنية أصبروا علي قضيتكم وأثبتوا في مواقفكم لا يضيركم من هرب وهرول من وسطكم بعد ان عياه طريق النضال الشاق ، حافظوا علي قضية عاهدتوا عليها من استشهدوا وقدموا أرواحهم رخيصة في سبيل الوطن والشعب .. ناضلوا وكافحوا لإسقاط النظام الدكتاتوري الشمولي في أسمرا ، الذي يحصد أرواح الأبرياء ويدمر البلاد ويكبل الحريات منذ سبعة وعشرون عاماً ..وأعلموا إن إسقاط وهزيمة نظام الهقدف واجب وطني مقدس والتخاذل والخروج عن النضال خيانة كبرى ،  والنقاش عن واجباته موبقة.. أخرجوا من شرنقة الذات والأنانية والمحدودية الفكرية ، ووحدوا صفوفكم وقلوبكم ، وأحذروا عملاء وجواسيس النظام المندسين في أوساطكم ، ولا تنطلي علي بعضكم اتفاقيات السلام الذي  يحاول نظام الهقدف الطائفي الفاسد توقيعها مع أثيوبيا ، فالسلام بدونكم سلام فاشل ، لأنكم أصحاب الأرض الحقيقيون والهقدفيون هم لصوص الأرض.

ونقول: آبي أحمد توقيع اتفاقيات سلام وشركات اقتصادية مع لصوص وقتلة أمر باطل ، قانوناً وأخلاقـاً.

 

 

 

 

 

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=43583

نشرت بواسطة في سبتمبر 23 2018 في صفحة التاريخية, المنبر الحر, شخصيات تاريخية. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010