السلام الاثيوبى الارترى الى اين ؟

بقلم أحمد نقاش ..  كاتب وباحث فى شؤون القرن الافريقى

منذ اعلان اثيوبيا فى يونيو من عام 2018م قبول اتفاقية الجزائر بالكامل وما توصلت اليه لجنة الامم المتحدة  الدولية لترسيم الحدود بينها وبين جارتها ارتريا و إستجابة تظام اسمرة لذلك ،تتطور الاحداث بشكل كبير بين البلدين  خارج السياق الدبلوماسى المتعارف عليه بين دولتين مستقلتين ذات سيادة وطنية ،مما جعل الشعب الارترى فى قلق من مصير سيادته الوطنية التى تحققت بعد كفاح مرير وتضحيات جسام ضد الاستعمار الاثيوبى .

الجدير بالذكر لم تكن ارتريا  يوم من الايام جزء من اثيوبيا على الرغم من مزاعم اباطرة  حكام اثيوبيا بذلك. ان اول دخول اثيوبيا الى ارتريا كان عام 1952 بموجب قرار الامم المتحدة رقم (390 أ 5 )  الذى اقر الاتحاد الفدرالى بين دولتين. الا ان امبراطور اثيوبيا (هيلى سلاسى ) الغى القرار الدولى من طرف واحد واعتبر ارتريا اقليم الرابع عشر لاثيوبي اناذاك  تحت صمت الامم المتحدة صاحبة القرار- بسبب ضغوطار  امريكية حليفة امبراطور اثيوبيا – ثم  اعلن الشعب الارترى الكفاح المسلحة الى ان حققوا ارادتهم فى تحرير كامل ترابهم الوطنى  فى عام 1991 واصبحت ارتريا دولة عضو فى الامم المتحدة بعد استفتاء  من عام 1993 للميلاد الذى اجمع فيه الشعب الارترى على كلمة  (نعم ) من اجل استقلال الوطنى الكامل غير منقوص .

الشعب الارترى رحب بمبادرة  رئيس وزراء اثيوبيا” السيد أبى” باعتبار السلام هو مطلب شعوب المنطقة كلها . الا ان التصريحات التى تصدر  من  “السيد ابى ” من وقت لاخر والخطوات العملية التى تمارس فى الواقع اصبحت مصدر قلق اخرى  لشعب الارترى وقوى المعارضة الارترية فى مصير سيادتهم الوطنية تحت نظام ديكتاتورى لا يؤتمن على المصالح العليا للوطن .

كل الاتفاقيات التى وقعت الى الان تتجاهل مسألة غاية فى الحساسية والاهمية، الا وهى “ترسيم الحدود بين البلدين ” الرئيس الارترى قال “نحن لا نحتاج للحدود بيننا، نحن بلد وشعب واحد ومن الان رئيس وزراء اثيوبيا هو مسؤول علاقات خارجية لنا جميعا ” وفى تصريح اخر له قال ” لم نخسر شئ من ممتلكاتنا لقد استعدنا كل شئ “!!

وبالمقابل قال رئيس وزراء اثيوبيا فى خطاب لشعبه “لا تخافوا من انقسام اثيوبيا بل على العكس الذين ذهبوا سوف يعدون انها مسالة وقت فقط ” معلوم الذين انفصلوا عن اثيوبيا هم الارتريون بعد تضحيات كبيرة، بل اخطر من كل ذلك  تفاوض رئيس وزراء اثيوبيا مع الحكومة الايطالية على مد خط للسكة الحديد من مصوع الى اديس ابابا كذلك مد خط أنابيب للبترول من عصب الى العاصمة الاثيوبيا.

  على مستوى السلطة التشريعية اصدر البرلمان الاثيوبى  قرار إنشاء قوة بحرية لدولة حبيسة ليس لها بحر. كل هذا يثير تساؤلات  كبيرة  حول النوايا الاثيوبية تجاه ارتريا فى ظل تواطؤ الرئيس الارترى الذى هو من اصل اثيوبى ومبعوث استخبارات امبراطور هيلى سلاسى الى صفوف الثورة الارترية فى اكتوبر عام1966 م الذى دمر كل مؤسسات الدولة الارترية ومقوماتها الاقتصادية  منذ استقلالها واغلق الجامعة الوحيد فى البلاد ورفض عودة اللاجئين الارتريين من السودان، بل تهجير ممنهج للشباب الارترى من ارض الوطن،والعمل على التغيير الديمغرافى للسكان وخاصة فى المنطقة الغربية من ارتريا – ذات كثافة سكانية مسلمة- واضعاف علاقات ارتريا الدولية وخاصة مع دول الجوار ، كل هذا الفعل ان دل انما يدل على شئ مبيت يراد تحقيقه عند ما تحين الفرصة المناسبة اقليميا ودوليا.

  فى الاوينة الاخيرة كان هناك الكثير من الحديث من قبل السياسيين والمثقفين الاثيوبيين  حول وحدة الشعبين و العلاقات التاريخية، وخطأ الانفصال عام 1991 وخطأ رئيس  وزراء اثيوبيا الراحل الذى وافق على اجراء الاستفتاء من اجل حق تقرير مصير ارتريا   .

 هذه التطورات فى ظل ضعف قوة المعارضة الارترية،وغياب اى جهة ارترية رسمية او مدنية  تتحدث فى المحافل الدولية للدفاع عن السيادة الوطنية الارترية، تجعل مخاوف  الشعب الارترى مبررة  فى الداخل والخارج  حول مستقبل  الوطن  ومصيره فى زمن ضعفت فيه المنظومة الدولية و عالم مضطرب واقليم تتصارع فيه القوى الكبرى .

هكذا يمكن القول ان السلام الاثيوبى الارترى الذى اعلن عنه الان دون ترسيم الحدود وتطبيق التحيكم الدولى بموجب اتفاق الجزائر ، يكاد يكون مجرد غطاء لتدمير السيادة الوطنية الارترية. كما كان قرار الاتحاد الفدرالى  لعام 1952 مجرد غطاء لدخول القوات الامبراطورية الاثيوبيا فى ذلك الوقت الى احتلال ارتريا-  وقد كان- .

هناك من يقول ان ارتريا اليوم دولة مستقلة لا يمكن اعادتها الى اثيوبيا بأى شكل من الاشكال. ،مثل هذا القول قد يبدو صحيحا من النظرة الاولى او من الناحية النظرية. لكن اذا اعتبرنا ان الاستفتاء له قوة قانونية فى النظام الدولى  لان حق الشعوب فى تقرير مصيرها منصوص عليه فى الفصل الاول من ميثاق الامم المتحدة، وخاصة اذا تم التوصل الى  هذا الاستفتاء بإتفاق بين  الدولتين المعنيتين،الطامة الكبرى هنا ان من   يمثل الشرعية الارترية  هم المتأمرين عليها  .

إن رئيس النظام الارترى ليس غبيا، ولن يسعى لضم البلاد بالقوة سيسعى للحصول  عن المسوقات والدعم  القانوني  وقبل ذلك  سيحاول إنشاء آليات للنجاح  مثل اعطاء الجنسيات للمهاجرين الاثيوبيين ومنع  الارتريين من العودة الى ديارهم  . فضلا عن تهيئة المناخ العام فى كل من اثيوبيا وارتريا من خلال الاغانى الشعبية كما فعل افورقى عندما ارسل عددا كبيرا من المطربين والفنانين الارتريين الى اثيوبيا ليرقصوا على اوتار اهمية الوحدة بين الشعبيين، فضلا عن العزف على اهمية الاخوة من اجل تحسين الوضع الاقتصادى،اومقولة أهمية وحدة دول القرن الافريقى  الاقتصادية التى رددها كثيرا “رئيس وزراء اثيوبيا ” من اجل  زر  الرماد فى عيون الشعب الارترى وغيرها من الوسائل.

وقد يقول قائل ان الشعب الارترى لا يمكنه  التصويت للعودة الى اثيوبيا، هذا صحيح فى حالتين: الحالة الاولى اذا كانت هناك ضمانات دولية ومحلية للحرية الكاملة فى التعبير والنزاهة فى التصويت. والثاني اذا كان الحق فى  التصويت هو  فقط للارتريين  الحقيقين وليس للمستجلبين من وراء الحدود.

هل اعادة ارتريا الى اثيوبيا من مصلحة دول المنطقة ؟

ان اعادة ارتريا الى اثيوبيا سيعيد المنطقة الى المربع الاول من الصرعات والحروب ذلك لعدد من الاسباب

  • دول منطقة القرن الافريقى (اثيوبيا والصومال وجيبوتى وارتريا والسودان) دول هشة وغير مستقرة وشعوبها متداخلة يؤثر بعضها على بعض،وبالتالى اى مساس لسيادة الوطنية الارترية يعتبر تلغائيا عودت الثورة المسلحة فى ارتريا.واندلاع حرب بين ثوار ارتريا الجدود  واثيوبيا، يعنى ذلك انفجار الاوضاع فى اثيوبيا نفسها من جديد وملامح هذا  الانفجار واضح للعيان الان فى اثيوبيا اكثر من اى وقت مضى وخاصة بين القوميات الكبرى ( اروميا- امهر – تقراى – اغادين ) والقيادة السياسية الارترية المعارضة الشابة اليوم اكثر وعيا وادراكا  بهذه التناقضات الداخلية لاثيوبيا والمنطقة اكثر من القيادات الارترية السابقة فى ايام الكفاح المسلحة الارترى الاول .
  • ان ابتلاع اثيوبيا لارتريا من جديد لن يكون لمصلحة( الصومال وجيبوتى وكذلك السودان)وكما لم ولن يكون لمصلحة الامن القومى العربى على المدى البعيد، ولن ترضى هذه الدول بذلك الا مضطرة، صحيح ان هذه الدول اليوم تعانى من مشكلات داخلية وازمات اقتصادية لكن  لمجرد ان تستعيد عافيتها  سيكون لها اعادة النظر فى كل ما يجرى فى الجوار، وارتريا منطقة حساسة فى القرن الافريقى والبحر الاحمر .
  • ان منطقة القرن الافريقى اليوم اضحت مجمع قواعد الدول الكبرى والصغرى بطائراتها واساطيلها البحرية كل حسب استطاعته  لضمان تواجده على الباب المندب  الاستراتيجى ( فرنسا-أسبانيا-المانيا-امريكا – الصين – اليابان) فى جيبوتى (اسرائيل والامارات العربية المتحدة) فى ارتريا      ( تركيا- فى الامارات العربية المتحدة) فى الصومال . فى ظل هذا السباق المحموم و المصالح المتناقضة لهذا التواجد، ان ثوار ارتريا بما لا يضع مجال لشك سيجدون نصير وحليف لهم  وخاصة اذا اجادوا الثوار ادارة اللعبة الدولية لمصالحهم ولعدالة قضيتهم .

المطلوب من قوى المعارضة الارترية اليوم :

لقد ادرك لشعب الارترى اليوم فى الداخل والخارج  حقيقة  النظام الذى يحكم البلاد، أنه ليس  وطنيا ولا دستوريا لذلك يجب ان يغادر. والثورة ناضجة و لكنها تبحث عن قائد او قيادة لادارة الصراع فى الممارسة العملية. لذلك يجب على القوى السياسية الارترية والشخصيات الوطنية والدبلوماسيين  الاسراع  بتشكيل الجبهة الوطنية المتحدة فى برنامج الحد الادنى او  لمهام الاطاحة بالنظام وادارةالفترة الانتقالية، قبل فوات الاوان لان التاخير ليس لمصحة احد، فقط  سيكون لمصلحة القوى التى تريد انهاء الوجود الارترى سواء فى ارتريا او فى اثيوبيا. لحسن حظ الارتريين ان اثيوبيا لا تزال  منشغلة بوضعها الداخلى المضطرب

وخاصة الخلاف الكبير بين “السيد ابى”  و  “الحزب الحاكم فى منطقة اقليم  تغراى”فى الرؤى والتوجهات،لان الصراع العميق بين “ويانى “الحاكم الفعلى لاقليم تغراى و “اسياس افورقى”حاكم ارتريا الفعلى  يحول دون تقدم “رئيس وزراء اثيوبيا “فى حلحلت مشاكله الداخلية والاقليمية، هذا فضلا عن استياء قيادة بارزة فى “قومية اروميا”الذين لعبوا دورا كبير وفعالا فى وصول  ” السيد ابى “الى  السلطة عن ممارسته  الفعلية للسلطة فى الشأن الداخلى والاقليمى وخاصة افتتاح تمثال ” لامبرطور اثيوبيا الهالك “هيلى سلاسى ” الذى ارتكب جرائم حرب ضد اروميا واغادين وكذلك الجرائم التى  ارتكبها ضد الارتريين  العزل، وكذلك تحالفه المثير للجدل مع نظام دكتاتورى مجرم فى ارتريا، كل هذا جعل شعبية “السيد أبى” تتأكل بشكل سريع وهكذا يمكن القول ان ” رئيس وزراء اثيوبيا” اليوم اضحى اقرب الى “قومية امهر “- التى تتعطش هى الاخرى لاعادة مجدها الذى ضاع-  اكثر من القوميات التى جاءت به الى السلطة وتفاءلت به كثيرا.انشغال “السيد ابى” بوضعه الداخلى يحول دون مدى يد العون لاسياس افورقى الذى  ضعفت قبضته فى  ارتريا منذ وقت طويل. وهذه المساحة الزمنية تعتبر فرصة ذهبية لقوة التغيير الارترى سواء من داخل الوطن او من خارجه ان تفعل شيئا ما . وكما تذكر بعض المعلومات من داخل الوطن ان الوضع فى غاية الاضطراب خاصة وسط الجيش،الا انهم غير قادريين لادارة الانقلاب بطريقة  صحيحة ذلك لضعف البنية الفكرية السياسية فى ارتريا بصفة عامة وعلى وجه الخصوص “علم ادارة الصراع او الانقلاب”

هل لاثيوبيا مصلحة حقيقية فى اعادة ارتريا اليها :

قيل قديما  ” لا احدا يتعلم من التاريخ ”

ان من مصائب بعض الشعوب فى العالم وخاصة فى افريقيا هو عدم تحرر القادة  السياسين من اوهام التاريخية واحلام  التوسع والسيطرة ولو كانت على جماجم الشعوب. فى القرن الماضى بسبب احلام امبراطور اثيوبيا ” هيلى سلاسى” واحتلاله لارتريا ادخل الشعب الاثيوبى والارترى فى حروب طاحنة لاكثر من ثلاثة عقود ذهب ضحيتها الاف الضحايا من الطرفين فضلا عن هدر الاموال والممتلكات كان الشعبين فى امس الحاجة اليها فى التنمية والتعليم والصحة.الا ان الحرب كانت وبال على الشعبين وكذلك على الحكم الامبراطور نفسه حتى قرر ضباط جيشه فى اسقاط نظامه الملكى وقتله شر قتلة بسبب هزائمه فى ارتريا. “وملس زيناوى”  رئيس وزراء اثيوبيا الراحل  كان حكيم عند ما قرر ان يحكم اثيوبيا بعيد عن ارتريا وعن امراض وهزيان اسياس افورقى .

وعلى حكام الجدود فى اثيوبيا ان يدرسوا هذا التاريخ جيدا والعاقل من اتعظ بغيره،وان يبتعدوا عن اوهام التاريخ التى تسيطر على  ( اسياس افورقى ) حاكم ارتريا اليوم وان يبتعدوا عن ارتريا وشعبها الا فى اطار حسن الجوار وتبادل المصالح المشتركة.

كذلك على الشعب الاثيوبى والسياسين والمثقفين  ان يدركوا جيدا ان مصلحة الشعبين الارترى والاثيوبى  تتحقق فقط  فى حسن الجوار وتبادل المصالح المشتركة بين الدولتين المتجاورتين ، وان يمنعوا قادتهم من التعدى على السيادة الارترى استجابتا لرئيس ارتريا  المريض والمسكون باوهام التاريخ والتاج المفقود . و الشعب الارترى لا يريد حرب اخرى مع الشعب الاثيوبى انما يبحث عن الامن والسلام والاستقرار والديمقراطية وحسن الجوار مع كل الدول وفى مقدمتها اثيوبيا،اذا ارادت اثيوبيا ان تستفيد من البحر الارترى يمكن تحقيق ذلك وفق المصالح المتبادلة والمشتركة دون مساس بالسيادة الوطنية للشعب الارترى.  .. وهل من مجيب ؟ ..

ahmednegash99@gmail.com

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=43873

نشرت بواسطة في أبريل 5 2019 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

1 تعليق لـ “السلام الاثيوبى الارترى الى اين ؟”

  1. عبدالله

    حياك الله الأخ / أحمد نقاش

    الشعب الارتري تم استفتائه وقال كلمته في عام 1993م ولا يوجد مبرر منظقي لإستفتاء آخر … ولذلك أي استفتاء يطرح مرفوض جملتا وتفصيلا …. لا نتدخل في متاهات أخرى بعد التغيير الديموغرافي الذي بدأ وهو اعطاء للإثيوبي الحرية للعمل في إرتريا ومنع الارتريين وهذا يعني تهجير الارتريين من إرتريا والسماح لهم عندما يدخلون اثيوبيا بالجنسية الاثيوبية …. إذا استمر الوضع على ما عليه اليوم سوف لن يكون ارتريا في إرتريا …. فالوضع خطير جدا جدا ويحتاج الترفع من كل الميولات الهدامة والتحرك فورا …. هذا فترة لا تحتمل التفرج من اي …. يجب الجميع ان يتحرك والمشاركة في العمل بأقسى ما يستطيع

    أرجو من موقع فرجت ان يشطب من موقعه مقولة “صوت الأغلبية الصامتة” …. الوقت ليس وقت للصمت …. يجب تجرك الجميع والمشاركة بفعالية كبيرة …. تحرك الجميع معا سوف يجهد جميع المخططات قبل ان ترى النور ان شاء الله

باب العليقات مقفول

أحدث التعليقات

أحدث المقالات والاخبار

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010