ملامح الشخصية الإسلامية الأرترية.

بقلم : إسماعيل إبراهيم المختار

الإسلام دين الحق والهداية ، وأحكامه ومبادئه مبينة في مصدريه الأساسيين: القرآن والسنة. والإسلام يبقى واحدا لا يتعدد ، ولكن فهم المسلمين له يتباين ويختلف ، ولذلك فرق العلماء بين مفهوم “الشريعة” و”الفقه”. فالشريعة –بمعناها العام- هي الوحي المعصوم ، والفقه هو الفهم البشري المعرض للصواب والخطأ. ومنذ فجر التاريخ ظهرت المدارس الفقهية المتعددة ، والتي ظهر التباين بينها في دائرة النصوص الظنية –دلالة وورودا- ، مضافا إليه ما أملاه العرف المحلي من إختلاف في الفتوى. وهذا الخلاف كان خلافا موضوعيا له أسبابه العلمية ، من إحتمال النص لأكثر من فهم ، ومن إعتبار العرف في الشرع –إن لم يخالف نصا شرعيا- ، وقد قال الإمام ابن عابدين : “والعرف في الشرع له إعتبار لذا عليه الحكم قد يدار”[i].وهذه المدارس صبغت كل قطر بصبغتها الفقهية المتنوعة ، فصبغ المغرب العربي والأندلس بالصبغة المالكية ، وصبغت بلاد ما وراء النهر – كتركستان ، وأفغانستان ، والهند وغيرها – بالصبغة الحنفية.

ومع الإنتشار السريع للإسلام دخلت في الإسلام أقوام كانت لها حضارات ، وثقافات ، وفلسفات ؛ وهذه الأقوام وإن دخلت في الإسلام بكليته ، إلا أنها حملت معها شيئا من خصوصياتها الثقافية التي سبقت الإسلام ، لتصبح رافدا من روافد التنوع الإسلامي. أضف إلى هذا ما حدث من خلاف سياسي ، وسجال فلسفي كلامي ، كان له أثره الواضح في ظهور مزيد من التوجهات المختلفة. وبالطبع تختلف هذه التوجهات والإختلافات في مدى قربها وبعدها عن أصول الإسلام ، ولكن يظل لها أثرها التاريخي ، ويظل لها أتباع يروجون لها ويدافعون عنها.

الإسلام في أرتريا

وصل الإسلام إلى أرتريا في العهد المكي على أيدي الصحابة الذين هاجروا إلي الحبشة. لكن أثر هذه الهجرة –كما يرى د.جوناثان ميران[ii]– كان أثرا رمزيا ، وما استقر الإسلام في أرتريا إلا بعد هبوط الأمويين في جزيرة دهلك في القرن الثامن الميلادي ، وظل الإسلام في الإنتشار حتى بدايات القرن العشرين. وبذلك تكون أرتريا من أوائل الأقطار التي استقر فيها الإسلام. ورغم أن أي حاضرة أرترية لم تبرز كموقع علمي مميز ، كما برزت القيروان ، والقاهرة ، وسمرقند ، وهرر وغيرها ، إلا أنه كان لأرتريا إسهام علمي معتبر عبر من إنتسب إليها والشرق الأفريقي عموما ممن حمل لقب “الزيلعي” و “الجبرتي” من العلماء ، كالإمام المحدث الحافظ الزيلعي ، والمؤرخ عبدالرحمن الجبرتي.

ومنذ استقرار الإسلام في أرتريا ، تكونت لأرتريا عبر الأيام شخصية إسلامية لها خصائصها ومميزاتها. وكما يبين الأستاذ أحمد أمين فإن “الأمم تختلف في ميزاتها إختلافا كالذي بين أفرادها ، فهي تختلف في عاداتها ، وتجاربها ، وفي منهج تفكيرها ، وكفايتها ، ودرجة عقليتها ، ومقدار ثقافتها ، وحدة عواطفها ، أو هدوئها”[iii]. وللشخصية الإسلامية الأرترية مميزاتها وملامحها التي تكونت من تجاربها الماضية ، ومن قيمها الإسلامية ، وأعرافها المحلية. وقد برزت على مر الأيام أسر تصدت لشؤون الدعوة  كبيت الشيخ محمود ، وعد معلم ، وعد كبيري ، وفقيه حرك ، وعد شيخ ، وأسرة الميرغني وغيرها. وظهر علماء تصدوا لأمر القضاء والإفتاء ، فتكون من ذلك كله رصيد علمي دعوي يعبر عن العرف الأرتري ، وعن ظرفه الإجتماعي. ومن خلال هذا الرصيد التاريخي المنبثق من أصول الإسلام ، والمتفاعل مع محيطه الإسلامي ، والمرتكز على العرف الأرتري ، والمؤطر في ظرفه الإجتماعي المتنوع ، تكونت الشخصية الإسلامية الأرترية بكل مالها وما عليها. فهي بمجملها سنية في أصولها ، مذهبية في فروعها -حنفية مالكية في الأغلب- ، صوفية المنزع في مسلكها –في الأغلب القادرية والمرغنية- ، سلمية المنحى في طباعها ، بسيطة النمط في معيشتها. وهي شخصية قد تكونت في أجواء التعدد الديني والثقافي ، ولذلك فهي أكثر تسامحا ، وأقدر على التعايش مع الأخر الغير مسلم.

بين الإنغلاق والإنفتاح

والشخصية الإسلامية الأرترية –ككل الشخصيات- لها معايبها ولها محاسنها. وهي شخصية متجددة ، يطرأ عليها ما يطرأ على كل أمر بشري من تبدل وتحول. من الخطل البين إغفال هذه الشخصية في التعامل مع المستجدات المحلية ، ووصمها بالبدعية أو التخلف لوجود بعض المآخذ والمعايب. ومن الخطأ أيضا التشبث بكل ما استقرت عليه هذه الشخصية في ماضيها بحكم أن ذلك هو ما تعارف عليه من سبق من الآباء والأجداد.

إن الترحيب بالجديد والإنتفاع من كل إبداع مقبول أمر ضروري ، ولكن لابد أن يتم ذلك ضمن معطيات واقع الشخصية الأرترية. لابد من التفريق بين التجديد الموائم ، والإستنساخ المستورد ، دون الأخذ بالإعتبار خصوصية الشخصية الأرترية. فاستنساخ تجارب أمم أخرى كما حدث مع استنساخ التجربة الأفغانية في المجال السياسي الأرتري ، أو العرف السعودي في مجال العلاقات الإجتماعية بين الرجل والمرأة أوغيرها ، كان له أثره السلبي في التوازن والتجانس الإجتماعي. وقد سأل المفكر التونسي الأستاذ راشد الغنوشي –في مقابلة له مع مجلة المجتمع الكويتية- عن أولويات العمل الإسلامي ، فأجاب بأن الأولويات لا تحدد في فراغ وإنما في إطار مجتمعي. فالمسلمون في تونس لهم أولويات تعبر عن واقعهم الإجتماعي ، ويكون من الخطأ للمسلمين في الصين –وهم أقلية – أن يستنسخوا أولويات المسلمين في تونس.

ولذلك لابد من الموازنة بين المحافظة على الملامح العامة للشخصية الإسلامية الأرترية ، وبين إستقدام الجديد النافع  لها. ولهذا لابد من وضع عدة إعتبارات مهمة في سبيل تحقيق هذه الموازنة ، وهذه بعض من هذه الإعتبارات:

– الإنطلاق من ثوابت الإسلام وقطعياته.

– الإرتكاز على خصائص الشخصية الإسلامية الأرترية.

– وضع الظرف الأرتري بتعدده الديني والثقافي في الإعتبار.

ولعل في تجربة مسلمي أثيوبيا ما يمكن أن يستفاد منه. فقد حدث صراع بين الشيوخ التقليديين الذين يعبرون عن الشخصية الإثيوبية الإسلامية ، وبعض جيل الشباب المتخرج من الجامعة الإسلامية بالمدينة وغيرها. فالجيل التقليدي وقف موقف الجمود والتوجس من كل جديد ، واصما إياه بالوهابية واللامذهبية ؛ والجيل الجديد أغفل خصوصيات الشخصية الأثيوبية ، واصما القديم بالبدعية ، والتصوف ، والزيغ العقدي. وفي وسط هذا التناحر دخل في الخط تيار “الأحباش” –بدعم من الدولة- ، وهو تيار أنشأه الشيخ عبد الله الهرريّ[iv] (1910م – 2008م). ورغم أصول الشيخ عبدالله الأثيوبية ، إلا أن التيار نما وازدهر في بلاد الشام ، ثم نقل إلى أثيوبيا ليزيد من حدة الصراع والخلاف. والمسلمون في أثيوبيا كانوا في غنى عن هذا الصراع لو أنهم أحسنوا الموازنة بين شخصيتهم التقليدية ، والجديد الذي يوائم هذه الشخصية.

ومن المهم لدارسي العلوم الشرعية من أبناء أرتريا أن يدرسوا دراسة جيدة ملامح الشخصية الأرترية ، وعرفها ، وتراثها ، وظرفها الإجتماعي المتعدد حتى يكونوا قادرين على التعامل مع مستجداتها ، والنهوض به نهوضا سويا راشدا. فالموازنة بين المصالح والمفاسد ، وتحديد الأولويات ، وإنكار المنكر ، وإعمال السياسة الشرعية لا يكفي فيه فهم النصوص فقط ، وإنما يتطلب فهم الظرف والعرف المحيط ، حتى يتم حسن تنزيل النص ، وتحقيق مقصد الشرع من “جلب المصلحة ودفع المفسدة”.

ولعل في فتوى دار الإفتاء الأرترية – فتوى رقم 77 – في حكم عادة بعض أهل البادية في أرتريا من تعاونهم في عقر الجمل “عقب دفن الميت” لإطعام من جاء من بعيد ، وما كان يدعيه البعض من حرمة ذلك ، واعتباره عملا جاهليا مستندا إلى حديث “لا عقر في الإسلام” ما يمكن أن يستئنس له في هذا الصدد. فقد أعملت الفتوى قاعدة “الأمور بمقاصدها” ، وبينت أن المقصد في العرف الأرتري غير المقصد في العرف الجاهلي ، جامعة بذلك مدلول النص ومدلول العرف. وورد في الفتوى بعد الشرح والتفصيل ما يلي : “فاتضح من هذا أن عقر أهل الجاهلية كان مبني على المفاخرة … أو إعتقاد ركوب الميت عليها يوم القيامة. وهذا العمل الجاهلي عبث خالي من أي ثمرة إجتماعية مفيدة ، ولذلك جاء الشرع الإسلامي بإبطاله تماما. ومن لا يعرف حال سكان البادية (في أرتريا) ربما يقيس كل ذبيحة في هذا الباب على العقر المذكور ، فيطلق أعنة التحريم على عمومه فيسبب بذلك تشديدا لا مبرر له مع وجود الفارق في القياس”[v]


[i] رسالة ” نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف ” ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين

[ii] Miran Jonathan, Red Sea Citizens

[iii] ضحى الإسلام ، الجزء الأول

[iv] Haggai Erlich, Saudi Arabia And Ethiopia: Islam, Christianity, And Politics Entwined

[v] https://mukhtar.ca/%D8%AD%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A8%D9%8A%D8%AD%D8%A9-%D8%B9%D9%82%D8%A8-%D8%AF%D9%81%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%AA/.

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=43903

نشرت بواسطة في أبريل 15 2019 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010