“الهروب من إريتريا”.. شهادات وتسريبات من جحيم أعتى الدكتاتوريات الأفريقية

فرجت : الجزيرة

 

قيس قاسم

أمضى السينمائي والصحفي البريطاني “إيفان ويليامز” خمس سنوات تقريبا على الحدود الفاصلة بين أثيوبيا وإريتريا، في انتظار حصوله على الوثائق والخامات التصويرية التي من شأنها الكشف عن المستور من فظائع وانتهاكات لحقوق الإنسان تجري داخل إريتريا، أو كما يسميها “جمهورية الخوف”، وهي الجرائم التي تُشيع الخوف بين الناس وتدفعهم للهروب من البلد.

يستغل الوثائقي الفترة التي كان ينتظر فيها وصول التسجيلات الفيلمية السرية التي وعد معارضون للنظام بتصويرها من داخل السجون والمعتقلات وتسريبها إليه، وذلك لإجراء مقابلات في أثيوبيا مع عدد من اللاجئين الإريتريين والمعارضين السياسيين الهاربين من النظام، من أجل توثيق تجاربهم المريرة سينمائيا.

بعد وصول الوثائق والتسجيلات السرية من الداخل، أجرى المخرج مقارنة بين ما جاء فيها وبين ما ورد في كلام من قابلهم ليتأكد من تطابقها، وبذلك يضمن لفيلمه “الهروب من إريتريا” (Escaping Eritrea) مصداقية عالية بررت طول فترة تصويره، وقد مرّت البلاد خلالها بمراحل سياسية، لكنها لم تُغيّر من طبيعة النظام القمعي وممارساته، بل أكدت على استمرارها، مما يعطي للانتظار ومُحصلته من الكشف والاستقصاء السينمائي معنى كبيرا.

 

مخيم “ماي أيني”.. نصف مليون هارب إلى إثيوبيا

يشرع فريق العمل حال دخوله مخيم “ماي أيني” في أثيوبيا شتاء عام 2016 بتصوير لحظة وصول أعداد من الهاربين الإرتيريين إليه، بينهم أطفال ومراهقون لم يبلغوا سن الرشد.

ويورد الفيلم معلومة تفيد بأن حوالي نصف مليون إنسان وصلوا إلى إثيوبيا بطرق غير شرعية، عبر مُهربين ناشطين بين حدود البلدين، وذلك خلال فترة

حكم الرئيس “أسياس أفورقي”.

في مكان معزول من منطقة تيغراي، وخوفا من كشف هويات الهاربين؛ يغطي الوثائقي وجه الصبي “توماس” وهو يتحدث عن المخاطر التي واجهت رحلة هروبه، فأشدها رعبا بالنسبة إليه هو الألغام الأرضية المزروعة على طول الحدود، إلى جانب الوجود المُكثّف لدوريات الجنود التي لا تتردد باعتقال كل من يصل المنطقة، واتهامه بالتهريب أو الخيانة والتجسس لصالح العدو.

التجنيد الإجباري يشمل حتى الأطفال والمراهقين الذين لم يبلغوا سن الرشد في إرتيريا 

عبودية التجنيد الإجباري.. عوامل الهجرة

يحيل كثير من الإريتريين دوافع هروبهم من البلد إلى حجم الخوف من الخدمة الإلزامية العسكرية، مما يدفع الوثائقي للبحث في طبيعتها، ويتضح من مقابلات بعضهم أن قادة إريتريا أقاموا نظاما عسكريا خاصا منذ عقود، حيث جعلوا فترة الخدمة العسكرية الإلزامية مفتوحة غير محددة بسقف زمني، ولهذا قد يقضي المُجنّد كل شبابه فيها، كما أن الخدمة تشمل الجنسين، بل حتى الأطفال والمراهقين الذي لم يبلغوا سن الرشد.

عقوبة الرافضين للخدمة أو الهاربين هي السجن والتعذيب، وهذا التوصيف الذي يقدمونه يتوافق مع شهادات ووثائق أخرى كان قد حصل عليها الوثائقي من قبل، حيث يقود البحث في أسباب إطالة مدة الخدمة العسكرية إلى كشف فساد مُستشرٍ بين كبار ضباط الجيش وقيادات سياسية منتفعة منها.

 

“تبادل الخدمات الجنسية”.. شبكة دعارة في المعسكرات

حسب شهادة شابة هربت من الخدمة العسكرية، فإن المجندات يُجبَرن على الأعمال في الحقول والمزارع الخاصة بالجنرالات مجانا، وفي حالة الرفض تُهدد المُجندة بالتعرض للانتهاك الجسدي، حيث يلجأ الضباط إلى أسلوب تجويعهن، مما يدفع البعض منهن اضطرارا إلى مقايضة أجسادهن بالطعام.

يدير ضباط ومساعدون لهم شبكات دعارة سرية داخل المعسكرات، يُسمونها تهكما بـ”تبادل الخدمات الجنسية”، حيث تحصل بعض المُجندات على خدمات التواصل مع الأهل، أو الحصول على غذاء وماء، وذلك مقابل تقديمهن “خدمات جنسية” للضباط، أما المجندون فعليهم العمل بالسخرة في المزارع من دون مقابل مادي طيلة فترة تجنديهم التي لا يعرفون متى تنتهي، ومتى يتحررون من عبوديتهم.

يستخدم النظام أساليب دعائية كاذبة للترويج للمعسكرات، حيث يأخذ الوثائقي معسكر “ساوا” لتدريب المُجندين مثالا، فالدعاية تقدمه كمنتجع تعمه السعادة، ويجمع الإريتريين على حب الوطن، في حين يقول الواقع الموثق إنه مأوى للفاسدين من الضباط، وموقع بغيض تنتهك فيه الأعراض، وتُستَغل فيه قوة عمل الشباب مجانا.

تسجيلات فيديو سرية مدتها 10 ساعات تكشف الكثير من الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن الأريتري 

تسريبات السجون تُكذّب الرئيس.. “كوريا شمالية أفريقية”

يتطابق نموذج نظام “الخدمة الإلزامية” مع نموذج الدولة الديكتاتورية التي يصفها مشارك في الوثائقي بـ”كوريا شمالية أفريقية”، حيث تنعدم فيها الحريات، وتنتهك حقوق الإنسان، وتغيب عنها الديمقراطية تماما، فمنذ قيادة الرئيس “أفورقي” للبلاد أوائل التسعينيات لم تجرِ انتخابات فيها، وخلال حكمه انعدمت الحريات وغاب الاستقلال عن القضاء، ومُنع كل شكل من أشكال العمل السياسي المعارض.

كل هذه الممارسات ينفيها الرئيس، بينما يبرر الخدمة العسكرية الإلزامية المفتوحة بالحرب الدائمة مع الجارة إثيوبيا، وحاجة البلد إلى مزيد من الجنود، لكن تبريرات الرئيس تكذبها تسريبات ووثائق قدمها سجين يدعوه الوثائقي “مايكل” حفاظا على سرية شخصيته، وقد زُجّ به في سجن “آدي أبيتو” خارج العاصمة أسمرة، وبقي فيه لمدة أربع سنوات.

يكشف صانع الوثائقي أن “مايكل” و30 آخرين التقى بهم في الخارج قد سلموه تسجيلات فيديو سرية مدتها 10 ساعات تقريبا، وهي التي ساعدت على كشف الكثير من الأسرار، وتعرية الانتهاكات التي يتعرض لها المواطن الأريتري، حتى يكاد يأخذ الكشف عنها المساحة الأكبر من زمن واهتمام الوثائقي.

فظائع مُرتبكة بحق السجناء الذين حُشروا في مساحات ضيقة لا يمكنهم التحرك وسطها إلا بصعوبة 

مكافحة التنظيم المحظور.. شهادة العائد من الجحيم

رغم الخطورة لا يتردد السجين الهارب إلى أثيوبيا “مايكل” في كشف كل الأسرار التي يحاول النظام التستر عليها، ويخاف من نشرها في الخارج، فقد تمكن خلال فترة سجنه من تصوير أحوال السجناء بكاميرا هاتف ذكي، وساعده أحد الحراس على تهريب التسجيلات للوثائقي.

دخل “مايكل” السجن عام 2011 بتهمة الهروب من الخدمة العسكرية، وهناك شاهد الفظائع المرتكبة بحق السجناء الذين حُشروا في مساحات ضيقة لا يمكنهم التحرك وسطها إلا بصعوبة، وتعرف على أشخاص مضى على وجودهم في السجن أكثر من 15 عاما، وسياسيين زُجّوا فيه من دون محاكمة.

أثناء وجوده هناك وثّق “مايكل” أماكن تعذيب السجناء السرية، وأضاف معلومات أخرى، من بينها أن هناك نشاطا سريا معارضا قويا وتنسيقا جيدا بين الخارج والداخل، رغم تشدد الأجهزة الأمنية وإجراءاتها التعسفية ضد ما تسميه بالتنظيم السري المحظور.

“معسكر ويا”.. سجناء مدفونون تحت الأرض

يصف الوثائقي “معسكر ويا” بالفظيع، وذلك بناء على شهادات سجناء من داخله، وتكشف إحدى الشهادات بشاعة الممارسات التي يتعرض لها المدفونون في زنزانات تحت سطح الأرض، وجُلّهم من السياسيين ورجال الدين المعارضين.

يتكتم النظام على وجودهم ويعتبرهم يشكلون خطرا عليه، لهذا يجري إبعادهم عن بقية السجناء، حيث يضعونهم في زنزانات داخل الأرض، كل زنزانة لا تزيد مساحتها عن مترين، وارتفاعها بحدود متر ونصف المتر، يضعون فيها ثمانية أشخاص، ويحيلها ارتفاع درجات الحرارة بداخلها إلى جحيم خلال فصل الصيف، ويتمنى كثير منهم الموت داخلها بدلا من تحمل العذاب الأليم.

لا يقف الأمر على هذا الحد، بل إن من وسائل التعذيب المطبقة ضد السجناء إجبارهم على السير فوق الرمال الساخنة حفاة تحت الشمس الحارقة.

سجناء هاربون من النظام الأريتري قدوموا شهاداتهم للتقرير النهائي الذي أعدته الأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا 

تحقيق الأمم المتحدة.. مراوغة الجاني وشهادات الضحايا

يقابل صانع الوثائقي إحدى المشاركات في كتابة التقرير الخاص بالأمم المتحدة حول انتهاكات حقوق الإنسان في إريتريا، وتتحدث للكاميرا حول التحقيقات وتعند السلطات الإرتيرية التي كانت تراوغ لجنة التحقيق.

ورغم اعترافها بقلة ما حصل عليه المحققون بسبب امتناع السلطات هناك من تزويدهم بأسماء السجناء ومدة محكوميتهم، إلى جانب تنكرها لوجود سجون خاصة تحت الأرض؛ فإن ما يكشفونه مهم جدا، خاصة فيما يتعلق بمواقع السجون التي توصلوا إليها من خلال صور مُلتقطة من الأقمار الصناعية تُشير إلى وجودها الأكيد.

وقد كُتب التقرير النهائي على ضوء 800 شهادة قدمها سجناء وهاربون من النظام، وتتمتع بمصداقية قوية.

الشابة “حنة سولمون” التي سُجنت عام 2009 في قاعدة بحرية بعد فشل محاولتها الأولى للهروب من البلد 

“حنة سولمون”.. ابنة الوزير الخارج على السرب

من بين المقدمة شهاداتهم للجنة الدولية شابة تُدعى “حنة سولمون”، تعيش اليوم في مدينة بوسطن الأمريكية، وكانت قد سُجنت عام 2009 في قاعدة بحرية بعد فشل محاولتها الأولى للهروب من البلد.

بعد مقابلات ومرافقة طويلة لها يتضح أنها ابنة وزير دفاع سابق انقطعت أخباره واختفى أثره من الوجود، وذلك بعد كتابته رسالة احتجاج على ممارسات النظام وجهها إلى الرئيس “أفورقي” عام 2001، ووقع عليها معه مجموعة من الضباط والشخصيات السياسية.

بعد سنوات تذهب زوجته للسؤال والتحري عن وجوده في إريتريا، لكنها فور وصولها للمطار يأخذها رجال المخابرات من هناك، لتنقل إلى جهة مجهولة، وما يزال مصيرها مجهولا حتى اليوم، وكما تشير ابنتها في مقابلة لها مع الوثائقي، فقد اختفت أمها من الوجود تماما كما اختفى والدها.

بعد اتفاقية السلام بين أسمرة وأديس أبابا التي أنهت حربا وقطيعة طويلة؛ فتحت الحدود مع إثيوبيا، لكن الأمر لم يدم طويلا 

إنهاء القطيعة.. سلام العواصم وخيبة السجون

خلال فترة انتظاره الطويلة جرت أحداث سياسية راقبها صانع الوثائقي، واعتنى بشكل خاص بتلك التي لها علاقة بالوضع غير الإنساني داخل إريتريا، ويتوقف عند المصالحة الأخيرة بين أسمرة وأديس أبابا التي أنهت حربا وقطيعة طويلة.

استقبل الهاربون والمعارضون السياسيون الإريتريون اتفاقية السلام بأمل إنهاء الأوضاع السيئة في البلد، وانتفاء العمل بقانون الخدمة العسكرية الإلزامية، وتوفير ظروف عيش إنسانية للجميع، لكن لم يحدث شيء من هذا، وسرعان ما شعر الجميع بخيبة الأمل بعد إعلان الجهتين إغلاق الحدود في وجه النشطاء السياسيين.

التسجيلات التي انتظرها الوثائقي وصلت إليه، وكشفت أن أعداد السجناء لم تنخفض، بل إنها على العكس من ذلك ارتفعت بعد معاهدة السلام. ويؤكد ما سربته تسجيلات كاميرات الهواتف الذكية وجود حركة نشطة لشاحنات تنقل على متنها أعدادا كبيرة من لاجئي مخيمات تيغراي في أثيويبا إلى سجن “آدي أبيتو” داخل البلد، وأن سجن النساء قد ازدحم أكثر من السابق بسجينات أخريات، وهذه المرة مع أطفالهن.

مخيم تيغراي الذي ارتكبت فيه السلطات الإثيوبية الطرد والتهجير بحق ساكنيه 

“أعادوهم من هناك ليسجنوهم هنا”

انتهت بالخيبة محاولات الوثائقي الدخول إلى مخيم تيغراي عام 2020 لتوثيق ما جرى داخله من طرد وتهجير لساكنيه، لأن السلطات الإثيوبية منعت الصحفيين الدخول إليه، وذلك بحجة الصراع المُسلح الذي يشهده بين الجيش الأثيوبي والمعارضة هناك.

لم تستسلم كاميرات اللاجئين الذكية، فقد كشفت تسجيلاتها السرية حجم الفظاعات التي ارتكبها الجيش الإريتري داخل المخيمات بعد المصالحة مع أثيوبيا، إذ طُرد كل من فيه ووُجّهت لبعضهم تهمة الخيانة العظمى، إلى جانب قيامهم بسرقة ممتلكاتهم البسيطة وحرق خيمهم.

وكعادتها نفت الحكومة الإريترية دخولها المخيمات، لكن الأقمار الصناعية هذه المرة كشفت تحركاتهم وأفعالهم، فقد وصف شاهد عيان من الداخل نقل اللاجئين بقوله: أعادوهم من هناك ليسجنوهم هنا.

تقرير الأمم المتحدة الخاص بإريتريا دعم ما توصل إليه الوثائقي وما كشفه من أسرار الخدمة العسكرية الإلزامية وانتهاكات حقوق الإنسان مستمرة كما هي، وأعمال السخرة والعبودية لم تتوقف.

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=44878

نشرت بواسطة في يونيو 27 2021 في صفحة الأخبار. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010