تفكيك النسيان – ٧

بقلم: محمد اسماعيل هنقلا
                                                                                      
الزيارات المتكرررة كانت مفيدة بالنسبة لي ، لانها ساعدتني الي معرفة الاهل والأماكن التي كانوا  يسكنونها ..وكلما زرت القرية  كنت استحضر صور جدي وابي عندما كانا صغار وهما يجريان ويلعبان في احضان هذه البيئة ،  وعندما كبرا مشيا خلف القطيع الي المرعى ، و مارسا الفلاحة في موسم الزراعة …
والمكان شاهد على كل تلك  الذكريات ،على نموهما  وعلى كل تصرفاتهما في كل المواسم  المختلفة ،احاول ان استنطق البيئة والتي لم تقل شيئا  ،كانت امينة لا تبوح بالاسرار ، كما كان الغطاء النباتي يستر الارض من التعرية،أيضا  كان غطاءاً لأسرارهم   ،ومازالت الأسئلة تتوالد في ذهني …

أما مع  بقية المناضلين تكررت اللقاءات في ظروف وأمكنة  مختلفة ….وعدنا حاملين معنا ذكريات المكان والمناسبة..

    مأتو وقدن كرخ وباقي الأمكنة ، التي يسكنها آل هنقلا .
هي الأمكنة التي تشكل فيها وعيهم  وأحلامهم البسيطة والطموحة أيضا ..         
وهذا المكان كلما زرناه  يبعث فينا ذكريات طفولتهم . المكان ليس مجرد حجر وشجر بل يأخذ معناه وبعده الدلالي من خلال الإنسان . وضمن هذا السياق يأت اسم مأتو …    مأتو تلك القريةالهادئة والبقعة النائية في مخيلة الآخرين ..لكن بالنسبة لأهل مأتو لا يرونها انفسهم انهم في بقعة نائية، برغم حضور ذلك الإحساس عند الآخرين .
وان المنطقة تتميز بالجبال والوديان، وبالغابات الكثيفة التي تشكل غطاء نباتي متنوع.
أهل المنطقة يعرفون أسماءها وفوائدها كما يعرفون أنفسهم ،وهي امتداد طبيعي لأماكنهم الأولى .
وفي مأتو يوجد مجرى مائي ،مياهه صافية  تشق الوادي ،وترى من تحت المياه الصافية الحصي والحجارة ،وكذلك الصخور الملساء نصف المغمورة بالماء..ويتم تعكير هذا الصفاء في موسم الأمطار ،عندما تصب اليه مياه الجبال المجاورة المحملة بالطين والحجر والشجر التي  تجرفها مياه الأمطار الغزيرة .
سكان المنطقة يتمتعون بالحيوية ونجد مؤشر هذه الحيوية  في طبيعة النشاط الزراعي الرعوي  ..
وبيوت مأتو أكواخ متناثرة هنا وهناك علي سفح الجبل وعلى قمة الجبل ، بيوت اساسها من حجر ثم يضعون فوق الحجر إطار من الخشب ويتم  غطاء هذا الإطار  بسقف من القش …ويمارسون الزراعة على سطحه الجبل  ،وكذلك يزرعون على الارض السهلية .
  اما على سفح الجبل يمارسون زرعة المدرجات .والمدرجات معمولة بشكل هندسي  بحجارة لحماية التربة من التجريف ..
   يركضون وراء الحياة بنشاط وهمة عالية.كبقية اهل  القرى المجاورة  ،لهم ارض يزرعون فيها غرسهم وحبهم،  ويعيشون  فوقها حياتهم  التي يحلمون بها ،ويمارسون حياة الرعي والزراعة .
ويوسعون مساحة الأرض المزروعة كلما تطلب أمر الحياة الاقتصادية ،ويتم ذلك ،عبر  إصلاح أراضي جديدة من ارض المرعى … لصالح  الزراعة …
سكان هذا المكان هم آل هنقلا،يعرفون بها ويعرف بهم المكان ، وتوجد معهم أسرتان في الطرف الآخر  على سفح جبل مأتو ،أسرة محمد بخيت وأسرة إسماعيل فرج …وعلى ذكر سيرة الزراعة
عندما التحق إدريس هنقلا بالثورة  كانت له قطعة ارض يزرعها  ..وان شخص من اهل المنطقة استغل ظرف غياب إدريس المفاجئ وزرع الارض دون ان يأخذ إذن ممن الذين يعنيهم الأمر …. وعندما شرع في حراث الأرض تصدى له صالح عافة وحصل عراك عنيف بين صالح عافة والرجل الذي مارس السطو مستفيدا من غياب صاحب الارض ،وبهذا التصدي تم  منع الرجل من حرث الارض  ..
ان تصرف صالح عافة هذا ليس نابع  من  باب علاقة القرابة مع إدريس  ، بل كان ينطلق التصرف من  دائرة مفهوم  الوطن والوطنية القائل :
-غير مقبول هذا التصر  ،والاعتداء على ارض  ،شخص ذهب ان يدافع لكل ارض ارتيريا ، وانت تتجرأ وتعتدي على مزرعته . المفروض إذا أمكن نزرعها لمصلحته ،وان لم نستطيع ذلك نحافظ عليها  ونجعلها أمانة على رقبتنا …لا ادري لماذا لجا الشخص  الي هذا الأسلوب الغريب الذي لا ينتمي الي  أخلاقيات المجتمع ، اي ،الاعتداء  على مزرعة غير مزرعتك ، لان هناك أعراف موغلة في القدم تنظم حياة ونشاط الإنسان .ومعروفة عرفا بين الناس ،وهي تلامس وتنظم كل أنشطتهم الاجتماعية والاقتصادية …وهو  (عرف بيت طوقي )
صالح عافة رجل طويل القامة نحيف الجسد  لون بشرته اسمر فاتح ..لا تفارق يده  العصا  ،رجل مرح يقدم  العون الي المحتاجين  دون اي تردد ،رجل شجاع لا يخاف على الحق لومة لائم .
كان له محل مقهى في وسط سوق خشم القربة … وأول  ما تدخل بباب المقهى  تسمع صوت  ترحيب عثمان ادم قبل ان يطل عليك بوجهه البشوش ،ويسألك نوع الضيافة… :

قهوة أم شاي .وهو شريك صالح في المقهى ..
ومع الجلوس في احدى طولات المكان  المطلة نحو داخل المقهى،تصبح وجه لوجه مع جدران مليء بملصقات الثورة الارتيريا ،ملصقات تعبر عن مختلف المناسبات للثورة الارتيريا .ملصق يزدحم بصور شهداء ،وآخر يحمل صور لجيش التحرير  يلوحون باشارة النصر …
واختلاف هذه الزيارة  وما يجعلها مختلفة عن سابقاتها ،السبب هو ان الوالدة كانت مهمومة بآخوها الوحيد ،وكانت تقول ليلا نهارا:
-لازم نتزوج له ونشوف أولاده ، الدنيا مامعروفة ، صحيح الاعمار  بيدالله لكن ظروف الثورة ومعاركها تحمل كل الاحتمالات لازم يتزوج مادام لا توجد موانع مادية ومعنوية  .
وأخيرا تحقق حلمها وكان العرس في مأتو ،وكان الحدث عبارة عن مناسبة متميزة ،وماجعلها متميز ة العريس مناضل وثانياً تحقق حلم أهله لان الولد الوحيد في الأسرة .
وان حضور هذه المناسبة أتاح لي فرصة روؤية الجبهة بكمية كبيرة ومتسلحين  بسلاح متنوع ،لم أراه من قبل .
المكان يضج بالأصوات ،وهذه الأصوات تشير  بوجود مناسبة ما ..  روائح دخان الحطب ممزوجة بروائح الأطعمة التي تشتعل النيران من تحتها ،تملأ فضاء المكان ،وبشكل هادئ كان يتم التعبير عن الفرح.   لان الحالة    الأمنية لا تسمح ،والخوف منتشر في كل مكان ،الوضع ليس آمن مثل الزمن السابق ،زمن الأمان والسلام .
الأعراس في السابق ،تختلف تماما عن  واقع  الزمن الذي نعيش فيه ،كان يسمع فيها من بعيد زغاريد النساء ، ودق الطبول ،التي كانت تجذب الشباب من كل اركان المنطقة ليقضوا ليلتهم في حلبة الرقص ومع انقضاء السهرة يعود كل واحد الي مشاغله اليومية .  ولهذا كان رد فعل صوت فرح  المناسبة ،غير ملفت للانتباه…
ومرت المناسبة ضمن هذا النمط ،نمط الحيطة والحذر من العدو وعيونه …
تقاطرت الناس كل واحد محمل بالهداية لأهل العرس ،وأنزلوهم في مكان مخصص للضيوف .وأهل المناسبة ، يتحركون  في خدمتهم .و صبية جاؤوا برفقت اهاليهم الي جانب صبية مأتو .يلعبون أمام مكان المناسبة وأنا من ضمنهم  ،وكلما طلب منهم مرسال المتمثل في جلب الحطب والماء كنا ننفذ بسرعة .في الغالب في مثل هذه المناسبات شباب المنطقة يقومون بكل المتطلبات على حسب حوجة  اهل المناسبة ..
ومن بين الحضور  ، المناضل عبدالله ديغول، المناضل عبدالله الجاك، المناضل جبارحامد ومعه مجموعة من المناضلين ،المناضل إدريس هنقلا ، المناضل صالح فكاك ، المناضل ابوبكر طلوق، المناضل محمد سعدالله ، المناضل محمد نور عبي هنقلا .وانا كلما وجدت فرصة سانحة اجلس بقربهم وأجول ببصري ،فاغر الفم مابين الدهشة والخوف ،الخوف من ان يطلبني أحد  ويقطع متعة الجلوس هذه .ومصدر الدهشة كان أسلوب حديثهم الهادئ وضحكاتهم ،لا شيء يقلقهم وكانهم ليسوا في مواجهة مع عدو شرس ، لكن مع هذا كانت هناك حراسة  تتناوب حتى لا يتسلل العدو باي شكل من الأشكال ،ويفسد ساعة الاستراحة القائمة نتيجة المناسبة . اما انا أعيش اللحظة بكل إحساسي ، لان نادرا ما اتيحت لي فرصة مثل هذه … وفي الجلس كان إدريس  ،كلما نظرت اليه  يبتسم متذكرا الحكاية التي  حكتها له الوالدة ..ولا ادري هل اخبر بها زملائه أم ، لا. الحكاية:

الجبهة لهم مقدرة  في الرؤية الليلية دون اي صعوبة ،والسبب انهم يكحلون عيونهم بعيون الذئاب ..لا ادري من الذي غذاني بهذه الفكرة ..وفي احدى جلسات القهوة  بعد أيام من مجيئنا وقبل ان يزدحم الدا ر بمناسبة العرس ، حكت أمي الحكاية لإدريس هنقلا  والأهل في الجلسة .. وضحك إدريس والحضور من هذه الحكاية الأقرب الي الاسطورة من الحقيقة .. وكلما نظر اليّ مبتسماً في الجلسة كنت اقلق ،معتقدا سوف يحكي  الحكاية للحضور  ممازحا ..العرس انتهي بسلام ،وقبل ان سمع الرواية بلسان إدريس هنقلا .
محمدنور عبي هنقلا كان اللقاء بيننا الأول والأخير ، لانه استشهد بيد الغدر والخيانة في منطقة لكُتَّات هو ورفيقة إدريس إنكودو .نزلا عند أحد لجان المنطقة هو ورفيقة إدريس إنكودو  .
واثناء المسامر ة سأل الجندي ضمن سياق  الحديث لعضو اللجنة  ان كان يعرف استخدام السلاح .
ردا محمدنور عبي هنقلا :

عمك لسع مأخذ التدريب اعفيه  عن هذا السؤال . محمدنور هنقلا هو قائد المجموعة ،وهذا الجندي رافقه لمدة زمنية ضمن هذه المجموعة ، وهذه الفترة كانت تمر الساحة النضالية الاريترية بظروف حرب رفاق السلاح ، حرب الذات مع الذات .
وأشعلت الحرب  الأهلية موقد نيرانها في كل الساحات  وعبر هذه النيران التهمت الأخضر واليابس معلنةً مهرجانا للموت .وهكذا أصبحت حرب رفاق السلاح تقضم من رصيد مستقبل حرب التحرير …
وهذا الجندي في كل الجولات التي رافق فيها محمد نور عبي هنقلا ،كان جندي منضبط السلوك ،لم يبدر منه أي مخالفات حتى جاءت الساعة المشؤمة.ناس نيام في أمن وامان،و كل حذرهم وخوفهم  كان من العدو الخارجي .
نهض الصباح قبل صلاة الفجر ونفذ   على  رفاقه عملية القتل العنيف، باستثناء  روح محمد نور هنقلا ، ارتقت روح  زميله فورا الي بارئها ،وبعد مدة زمنية أيضا  صعدت روحه محمد نور هنقلا الي بارئها  ،سالكا  درب رفاقه.
بعد ان قاموا بمراسم  الدفن كل مجموعة تحركت الي مواقعها . وحتى الان لا يوجد تبرير لفعله القذر هذا . حول المنطقة كانت هناك مجموعة أخرى من جيش التحرير  ،بعد سماع الخبر حاولوا إسعاف المناضلين وكذلك قاموا بملاحقة الجندي ،لكن الجندي تمكن من تسليم ذاته بسلام. الي اقرب مركز للعدو .. أما مع  بقية المناضلين تكررت اللقاءات في ظروف وأمكنة  مختلفة ….وعدنا حاملين معنا ذكريات المكان والمناسبة..

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=46172

نشرت بواسطة في يناير 3 2022 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010