كلمات يوهنس الرابع وأبي أحمد التي ذهبت أدراج الرياح

بقلم: إسماعيل ابراهيم المختار

 

في شهر ديسمبر من عام 1888م، أرسل يوهنس الرابع، إمبراطور الحبشة، رسالة غير عادية إلى مناوئيه المهديين في السودان. وكان المهديون بجانب الإيطاليين ألد أعداءه، وأخطر خصومه. في رسالته الطويلة، دعا يوهنس الرابع،الزعيم المهدي أبو عنجة، إلى إنهاء الصراع وإحلال السلام بينهما. تضمنت رسالة يوهنس النقاط الرئيسية التالية:

نحن جميعاً شعب واحد، وننتمي لأصل واحد.
الأوروبيون (الأتراك والإيطاليون) هم أعداء لنا جميعا.
من خلال الإقتتال فيما بيننا، فإننا نؤذي بعضنا البعض، ونمنح الفرص لأعدائنا.
الرأي الصواب هو أن نتحد ونتعاون ونقاتل معا أعدائنا.
يجب أن نكون في المحبة جسدا واحدا، وندع التجار يسافرون عبر حدودنا لتحقيق رخاء أكبر.

وكما وصفها الأستاذ عثمان سبى، فإن هذه الرسالة كانت بالتأكيد رسالة عاقلة“. وبغض النظر عن دوافعها، والتي قد تبدو من بعض نواحيها، مناورة سياسية لتحييد المهديين والتركيز على محاربة الإيطاليين؛ فإن الرسالة في حد ذاتها وضمن سياقها التاريخي، تبدو واعية وبعيدة النظر. فالرسالة لا تكتفي بالتنويه بالترابط الإقليمي المتجذر، ولكنها تحمل أيضًا في طياتها دعوة للتسامح، والتعايش السلمي، وقبول الآخر. في المقابل كان رد أبو عنجة عدائياً وشديد اللهجة. أحد العوامل المحتملة لهذا الرد، ضمن عوامل رئيسية أخرى، هو مناداة يوهنس لأبي عنجة بلقب “دجاش”، وهو لقب حبشي فخري، ولكن المترجم أساء النقل فكتبه “دجاج”، وقرأه أبوعنجة على أنه (دِجاج)، وفهم منه قصد الإحتقار. ولذلك رد أبو عنجة على يوهنس بقوله: “فأما نداؤك لي في صدر الجواب بقولك دجاج أبوعنجة فاعلم أني لست بدجاج وإنما أنت الدجاج …..”!

 

من الناحية النظرية، كانت رسالة يوهنس مميزة وواعية، ولكنها من الناحية العملية كانت على النقيض التام لسياساته وممارساته. في المنظور القومي المحلي يعتبر يوهنس الرابع بطلا دافع عن وطنه ضد الغزاة الأجانب، ولكنه في المنظور الأوسع يعتبر من أكثر القادة تعصبًا واضطهادا. تبنى يوهنس مشروع “التوحيد الديني” الطائفي، الذي جعل عصره عصر الاضطهاد والتطهير الديني. في شهري مايويونيو من عام 1878م، عقد يوهنس مجمعا يضم رجال الكنسية في بورو ميدا، حيث قرروا جعل المسيحية الأرثوذكسية القبطية العقيدة الرسمية الوحيدة في مملكته. وبناءً على ذلك، اعتبرت جميع الطوائف المسيحية الأخرى، بما في ذلك الكاثوليكية والبروتستانتية، طوائف هرطقية وتم إدانتها بشدة. غير المسيحيين من المسلمين واليهود وغيرهم، طلب منهم التخلي عن دينهم أو مواجهة النفي. وكما ذكر المبشر الإيطالي، غولييلمو ماساجا، فإن ما يقدر بنحو 50000 مسلم، و 20000 “وثني”، ونصف مليون من الجالا وهذه تسمية خاطئة يقصد بها قومية “أورومو” تم إجبارهم على التعميد والتحول إلى المسيحية الأرثوذكسية. وقد تم إجبار بعض القادة المسلمين البارزين في مقاطعة وولو على التحول إلى المسيحية، وفر الآلاف من المسلمين إلى المناطق المجاورة، ولجأ كثير منهم، كما أشار الهاشمي في مؤلفه عن تاريخ العفر والدنكل، إلى مناطق العفروغيرها. إنتهى حكم يوهنس الرابع -18عام- نهاية مأساوية في معركة متما ضدالمهديين في عام 1889م، حيث قُتل وتبدد جيشه، وانتهى بذلك مشروعهالطائفي الساعي لفرض الأرثوذكسية على الجميع. ومع نهايته المأساوية، دفنت معه كلماته “العاقلة، وطويت في صفحات التاريخ، ولم تر الضوء ولو لبرهة واحدة.

 

أقسم بالله لن نؤذيكم ابدا!

في أبريل عام 2018م، تولى الدكتور أبي أحمد رئاسة الوزارة في إثيوبيا،وظهر على الفور تغير ملحوظ في نبرة التوجهات السياسات والعلاقات الثنائية مع الدول المجاورة. بعد فترة وجيزة من صعوده، قام أبي أحمد بزيارة إلىمصر، وبعد لقائه بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وفي مؤتمر صحفي مشترك، قال أبي أحمد للمصريين كلاما هو في جوهره عين ما قاله يوهنس الرابع للمهديين منذ أكثر من قرن. ويمكن تلخيص كلمته في النقاط التالية:

نحن شعب واحد وبيننا مصالح مشتركة.
الصراع الداخلي بين الأفارقة في الماضي كان مضرا للجميع.
نحن بحاجة إلى نسيان صراعات الماضي، والشروع في عصر جديد من التعاون، وتحقيق الكسب للجميع.
يجب على وسائل الإعلام في كلا البلدين تعزيز التفاهم المشترك، والسلام فيما بيننا، والتركيز على ما يجمعنا.

كان خطاب أبي أحمد الذي ألقاه باللغة الأمهرية إيجابيا وبعيد النظر، وباعثا للتفاؤل ببداية عهد جديد من التعاون الإقليمي والتعايش السلمي. رد الرئيس المصري كان في ظاهره متفائلاً، ولكنه كان محفوفا بالشك في نبراته. وكان من الملفت للنظر طلب السيسي من أبي أحمد أن يردد خلفه باللغة العربية:والله والله لن نقوم بأي ضرر للمياه في مصر، وبدون تردد، ردد أبي أحمد كلام السيسي، مع تعثر في تلفظ بعض الكلمات العربية.

النوايا الطيبة التي خلفتها كلمات أبي أحمد الحكيمة لم تدم طويلا، والتفاؤل الذي أحدثته سرعان ما بدأ في التلاشي؛ واليوم، مصر وإثيوبيا، هما على شفا صدام كبير محتمل. كلمات يوهنس وأدت في مهدها، وبقيت حبرا على ورق، وطمرت في طيات كتب التاريخ. ستكشف الأيام مصير كلمات أبي أحمد، وهل سيكون مصيرها كمصير كلمات يوهنس الرابع، أم ستصبح شموعًا لمستقبل أكثر إشراقًا وسلامًا؟ لا تزال هناك فرصة لتحقق ذلك، لكن الأحداث الحاليةالمتصاعدة تشير إلى العكس.

 

في التاريخ عبرة ومنهاج

إن الكلمات التاريخية المتبادلة -والمذكورة أعلاه تكشف التناقض الصارخ بين معانيها السامية وواقعها المأساوي المزري. إن هذه الكلمات، على الرغم منإندثارها قبل أن تؤتي ثمارها، فإنها لا تزال حية بمعانيها، وهي علاج الصراعات التي لا تنتهي في المحيط الإقليمي. وطالما بقيت هذه الكلمات الحكيمة بعيدة عن الحياة الواقعية، فستستمر المعاناة ويستمر الصدام. مصالح الشعوب في هذه المنطقة مترابطة؛ يربطها الأصل الواحد، والتاريخ المشترك، والحاجة المتبادلة، والمصير المستقبلي. والتاريخ الإقليمي يبين بوضوح أن تغيير المسار لا بد منه ولابديل عنه؛ إما بناءا على المبادئ، وإما على أساس المصلحة المشتركة. إن عقلية “كسب المعركة” القصيرة النظر، والتي تهيمن على المنطقة، نهايتها هي خسارة “الحرب” للجميع. إن منمقتضيات حسن إستيعاب التاريخ هو السعي لاستبدال التوجهات الفئوية،والجهوية، والطائفية، بالتوجهات الإستيعابية، والتبادلية، والثنائية، والتعايشالسلمي. ومن الضروري إستبدال الصدام بالحوار البناء؛ وحل الخلاف بالتفاوض والنقاش؛ واستبدال عقلية أكسب أنا ويخسر غيري، بعقلية الكسب للجميع. وبالتبع لابد من إحلال المحبة مكان الكراهية، والعفو مكان الإنتقام، والتياسر مكان التعاسر.

 

إن دموع الأمهات اللواتي فقدن فلذات أكبادهن، وبطون الأطفال المنتفخة من الجوع، وجثث الشباب المكدسة في خنادق المعارك، واللاجئين الذين تقطعت بهم السبل في العراء، والقرى الممحوة من وجه البسيطة، والموارد الطبيعية المهدرة، والبيئة العذراء الملوثة، وحياة البؤس والمعاناة التي لا تنتهي، هي رسالة تاريخية واضحة: أنه لا مندوحة من طريقة جديدة في التعايش، تقوم على أساس السلم، والعدل، والتفاهم، والتعاون. إن التيغراي، والأمهرة، ولأورومووكذلك البني عامر، والهدندوة، والعفر… وغيرهم من القومياتوكذلك السودان، وإثيوبيا، وإريتريا .. لن يتهيأ لهم الإزدهار والإستقرار الدائم بصفة أحادية، ولا مفر لهم من إحياء المعاني التي سطرت في رسالة يوهنس وكلمات أبي أحمد. إن الشوفينيين والإقصائيين بكافة أطيافهم العرقية، والطائفية، والتوسعية، قد جلبوا الخراب للمنطقة؛ واليوم، وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، يسعون سعيا حميما لقطع الأواصر، وزرع بذور الشك والفرقة. أكثر ما يحتاج إليه الإريتريون والإثيوبيون -وهم في أدنى القوائم العالمية في مستوى المعيشة على وجه الخصوص، وجيرانهم على العموم، التفكير بطريقة مختلفة، تتجاوز حدود الظرف والزمن المحدود، وتنظر إلى الأفاق البعيدة التي تستوعب دروس الماضي، وترنوا إلى أبعاد مستقبلية رحبة.

 

إن إخفاقات الماضي، وآلام اليوم التي لا تنتهي، هي مؤشر على حاجة المنطقة إلى جيل جديد من القادة الذين يمتلكون رؤية تتسم ببعد النظر، وحكمة في التقدير، وسعة في الإستيعاب، وإبداعا في معالجة الأزمات. يذكر نيلسون مانديلا -رئيس جنوب أفريقيا السابق-، في سيرته الذاتية، نوعا من القادة الذين تفتقر إليهم كثير من المجتمعات. يذكر مانديلا أن شيوخ القبائل في منطقته لا يتخذون قرارًا على أساس الأغلبية البسيطة (50 +1 والذي يصفه بأنه تقليد غربي، ولكن على أساس التوافق والإجماع التام. ويذكر كيف أنهم يمضون ساعات طويلة في اجتماعات متكررة للتوصل إلى الإجماع، بدلاً من اتخاذ قرارات سريعة تروق للبعض، وتثير حفيظة البعض الأخر. ويشير مانديلا إلى أنهم يستطيعون تحقيق الإجماع بسبب ما يمتلكونه من حكمة، وخبرة، وحرص على الصالح العام. صحيح أن القضايا الإقليمية أكثر تعقيدًا من القضايا القبلية، وهذا يؤكد، أكثر من غيره، على أن من يتصدر لمسؤوليات أكبر لابد أن يكون أكثر حنكة، وأبعد نظرا. التوجهات الشوفينية والفئوية، رخيصة وضحلة،ولا تتطلب الكثير من الإبداع والذكاء؛ وبالمقابل فإن التوجهات الساعيةلتحقيق التوافق، وإيجاد الأرضية مشتركة، وتعزيز التعاون، تحتاج إلى نفوس كبيرة، وعقول مبدعة، وبصيرة نافذة، وقلوب حانية.

 

كلنا في سفينة واحدة

ولعله من المناسب في هذا السياق الإستئناس بمثال السفينة ذات السطح العلوي والسفلي التي ذكرت في الحديث الذي رواه النعمان ابن بشير رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:

مَثَلُ القَائِمِ في حُدودِ اللَّه، والْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَومٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سفينةٍ، فصارَ بعضُهم أعلاهَا، وبعضُهم أسفلَها، وكانَ الذينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الماءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ، فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصيبِنا خَرْقًا وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرادُوا هَلكُوا جَمِيعًا، وإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِم نَجَوْا ونَجَوْا جَمِيعًا رواهُ البخاري

 

ويمكن القياس على هذا الحديث لاستيعاب حقيقة لا مناص منها وهي: الجزء هو فرع من الكل، ولا يمكن للجزء أن يحقق النجاح دون الكل. شعوب المنطقة بكافة مكوناتها الفرعية جزأ من كيان أكبر، تصلح بصلاحه، وتفسد بفساده. من المفهوم أن يبتهج الناس بانتصار جزء على جزء آخر، لكنه إنتصار وهمي؛والإنتصار الحقيقي إنما يكون بانتصار كل جزء على أطماعه المحدودة،وتكاتفه في تحقيق النصر الكلي المشترك في كافة مجالات الحياة. وهنا يأتي دور رواد الرأي من المثقفين وحملة الأقلام في إحداث التحول الفكري المنشود،الذي يوسع الآفاق ويصحح المفاهيم؛ ويأتي دورهم أيضا في النأي بأقلامهم من أن تكون بوقا لأصحاب المشاريع الشوفينية، والإقصائية، والقاصرة النظر.

 

المراجع:

Haggai Erlich, Ethiopia and the Mahdiyya – You Call Me a Chicken?

Arnold Thomas, The spread of Islam in the world

Mandela Nelson, The long walk to freedom

عثمان سبى، علاقة السودان بإثيوبيا عبر التاريخ

هاشم وجمال الدين الشامي، المنهل في تاريخ وأخبار العفر الدناكل

فتحي غيث ،الإسلام والحبشة عبر التاريخ

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=44893

نشرت بواسطة في يوليو 8 2021 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010