وقفات مع ذكرى يوم استفلال أرتريا!

بقلم: إسماعيل إبراهيم المختار

يوم 24 مايو هو يوم إحتفال وطني كبير، ويوم فخر للإريتريين في جميع أنحاء العالم. يحتفل الأريتريون بهذا اليوم عن جدارة واستحقاق، بعد أن كافحوا وصمدوا طويلا، وقدموا التضحيات الكبيرة، ودفعوا ألأثمان الباهظة، من أجل وطن يعيشون فيه مرفوعي الرأس، وموفوري الكرامة. وهذا الإنجاز التاريخي هو إنجاز للأريتريين بكل قطاعاتهم، ولا ينحصر في قطاع أو فصيل بعينه، ولا يقتصر على المؤسسين، ولا على من حملوا راية النصر النهائي. الكفاح الأريتري مثله كمثل “سباق الجري بالتناوب”، حيث يتناوب فيه مجموعة من العدائين من البداية إلى نهاية خط، والإنتصار النهائي هو إنجاز مشترك بين الجميع؛ لمن كان في بداية الخط، ووسطه، ونهايته. كل الأريتريين، باستثناء أولئك الذين إنحازوا إلى الظلمة، كان لهم نصيب في التضحيات التي قُدمت لضمان النصر، وتحقيق الإستقلال. الكل ضحى بنسب مختلفة. الذين ضحوا بأرواحهم قدموا أغلى التضحيات، وخلفوا وراءهم أثرا باقيا لا ينسى. والأمهات اللاتي فقدن فلذات أكبادهن، وعانين من مرارة الفراق؛ والأيتام الذين حرموا دفء الحياة الأسرية، وشردوا في إنحاء الأرض؛ والشباب الذين حرموا فرص التعليم، وبناء مستقبل أفضل؛ وكل إريتري حرم من حق العيش الكريم؛ كلهم ضحوا، وبذلوا، وقدموا. وفي ذكرى يوم الإستقلال، كلهم يستحقون التهنئة بجدارة لما قدموه من تضحيات، ولما أظهروه من مثابرة، وشجاعة، وثبات على الطريق.

 

طقوس الاحتفال

في ذكرى يوم الإستقلال، تقام الاحتفالات كل عام، وعلى مدار السنيين تكونت “طقوس” إحتفالية تتكرر كل عام، ولها ثلاثة مكونات:

· لحظة الصمت والوقوف وفاءا للشهداء.

· كلمة رسمية عن أهمية يوم الإستقلال، والتضحيات التاريخية، والنصر وما تلاه من تحديات داخلية وخارجية.

· عروض الفلكور الشعبي بكافة أنواعه مع الغناء والرقص.

إن الحفاظ على ذكرى التضحيات الكبيرة التي قدمت، أمر أساسي في تكوين أجيال واعية بالثمن الباهظ المدفوع للحصول على الإستقلال، والحفاظ على الشعور بالكرامة الوطنية، وتذكر الهدف المشترك الذي تمت التضحية من أجله. ولكن يوم ذكرى الإستقلال ليس فقط يوم تذكر الماضي، والإفتخار بالبطولات، وإنما هو أيضا يوم وقفة للمراجعة، والتقييم، وتصحيح الوجهة، وتذكر الأهداف الأساسية. “الطقوس” الإحتفالية تعين على تحديد الروتين الإحتفالي، ولكنها على مرور الأيام قد تتحول إلى ممارسات رتيبة، تصرف الأنظار عن الغايات والأهداف الأساسية. ومن اللازم إعادة تقييم هذه “الطقوس” حتى لا تتحول إلى دغدغات عاطفية، ومناسبة ترفيهية. ولعله من المناسب -وفي الذكرى الثلاثين- الوقوف وقفتين مهمتين وهما:

 

1) تذكر الأهدف الأساسية للنضال والكفاح:

من الطبيعي أن ينسى الإنسان وتنسى الشعوب أهدافها الكبرى، وتنشغل بالأمور الشكلية، وتسير في خط يبعدها عن أهدافها ومقاصدها. مع مرور الوقت تظهر الفجوات بين الأهداف الأساسية وبين الواقع، وتظل تتسع حتى تصل إلى الحالة التي وصفها “مارتن لوثر كينغ” -زعيم حركة الحقوق المدنية في أمريكا- ب”الشخصية الإنفصامية” -Schizophrenic personality-، “الممزقة بين ذوات متعددة” – torn between selves-؛ الذات التي “تعتز وتفتخر” بالأهداف النبيلة، والذات التي “تمارس النقيض” من هذه الأهداف. والمناسبات الإحتفالية، إن أحسن إستعمالها، فهي فرصة لإعادة ربط الحاضر بالماضي، والواقع بالأهداف والغايات، وسد الفجوات. ولعل خير ما يمكن الإحتفال به في يوم الإستقلال هو إستقراء أهداف

النضال الإريتري، وتقييم الحالة الراهنة في إطار تلك الأهداف. ومن خلال النظرة التاريخية لأهداف النضال، كما بلورها الجيل المؤسس، وكما عبرت عنها مشاعر عوام الناس من خلال القصائد، والأغاني، والتعبيرات العفوية يمكن تلخيص الأهداف في أربعة نقاط:

· الكرامة

· الحرية

· المساواة

· العدالة

وقد عبّر الأستاذ عبد القادر كبيرى عن قيمة الكرامة في رسالة بعث بها إلى أحد معارفه واستشهد فيها ببيت شعر يقول:

وعش بالعز والإقبال يوما *** ولا تحت المذلة ألف عام

وهذا بيت شبيه بقول الشاعر الجاهلي، عنترة:

فعيشك تحت ظل العز يوماً *** ولا تحت المذلة ألف عامِ

ونظير ذلك قول الأستاذ “ولد آب ولد ماريام” عن قيمة الحرية: “الناس بدون الحرية هم كمن لا وطن لهم على الإطلاق”. وقد أكد هذا المعنى، وبشكل قاطع الأستاذ إبراهيم سلطان حين عبر عن رفض الإريتريين لأي إستعباد وخضوع “بغض النظر عن نوعه، وشكله، أوالوجهة التي يأتي منها”. وقد لخص الأستاذ إبراهيم توتيل، تطلعات الشعب الأريتري في أبيات أنشدها الفنان حسين محمد على:

قال العامل قد دمت طويلا

قال الراعي أماه قد دمت ذليلا

قال الفلاح أبتاه قد دمت أسيرا

قالوا هيا هيا نبحث عن فجر جديد!

وبعد تحرير أسمرة، ووسط أجواء البهجة في شوارعها، عبرت إمرأة بسيطة، وبعفوية تلقائية ما تعنيه الحرية حين قالت: “من الآن فصاعدًا، سوف نسير على أرض بلادنا كما نريد أحرار”! والسؤال الذي ينبغي طرحه في يوم الإستقلال هو ما مدى تقارب واقع إرتريا اليوم من الأهداف الأساسية التي قام عليها الكفاح المضني. وعلى وجه التحديد، يمكن طرح الاسئلة التالية:

· هل يستطيع المواطن الإريتري اليوم أن يتكلم بحرية وبدون خوف؟

· هل يستطيع المواطن الإريتري التنقل والتحرك بحرية في أرجاء وطنه؟

· هل يستطيع المواطن الإريتري المغترب، بغض النظر عن آرائه ومواقفه السياسية، السفر بحرية إلى بلده ذهاباً وإياباً؟

· هل يتمتع كل مواطن إريتري، بغض النظر عن إنتماءه الديني والقبلي، بنفس الفرص، ويحظى بنفس المعاملة بالتساوي؟

· هل جميع شرائح المجتمع الإريتري ممثلة تمثيلاً عادلاً في هيكل السلطة في بلدها؟

وعلى مستوى أكثر تحديدا، يمكن إجراء هذا التقييم بالنظر في واقع السجون في إريتريا وكيفية معاملة السجين فيها؛ لأن نهضة الأمة ورقيها لا يقاس بمبانيها الشاهقة، ولابمشاريعها الضخمة، وإنما -أولاً وقبل كل شيء- بكيفية تعاملها مع مواطنيها، ولا سيما مع نزلاء سجونها، الذين هم أكثر عرضة للإساءة وسوء المعاملة. السجن ونوعية السجناء فيه هو خير مقياس لمدى كرامة المواطن، ومدى إحترام حقوقه. ولعل بعض الأسئلة الرئيسية التي يجب طرحها في هذا الصدد:

· هل زاد أو نقص عدد السجون في إريتريا بعد الإستقلال؟

· هل اختفت السجون السرية وعصابات الخطف؟

· من هم السجناء؟ ما الجرائم التي ارتكبوها؟

· هل هم مجرمون حقيقيون أم هم سجناء رأي؟

· هل تم سجنهم حسب الأصول بموجب مذكرة إعتقال قانونية؟

· هل يتم تعذيب السجناء؟ هل يجبرون على الإعتراف؟

· هل يسمح لهم بزيارات منتظمة؟

· هل لديهم حق الوصول إلى مستشار قانوني؟

· هل يتم الحكم عليهم من قبل قضاة مستقلين؟

· هل لديهم الحق في الاستئناف؟

هذه الأسئلة وما شابهها، إذا أجيب عنها إجابة صادقة، بعيدا عن الإنتماءات السياسية والحزبية، فبإمكانها أن تحدد بوضوح مقدار الفجوة الموجودة بين واقع اليوم والأهداف الأساسية التي بذل من أجلها الأريتريون الغالي والرخيص.

 

2) مصارحة النفس وتحمل مسؤولية النجاح والفشل على حد سواء:

كلمة يوم الاحتفال الرسمية عادت ما تركز على التحديات والمؤامرات التي ينسجها أعداء إريتريا. والمؤامرات التي يشار إليها كثيرة، ولكن التي يتم ذكرها باستمرار هي مؤامرات “ويانى”. المؤامرات ليست جديدة، فهي جزء من الحياة السياسية، وجزء من الصراع والتنافس المحلي والعالمي. والخطر في المؤامرات ليس في مجرد وجودها، فذلك تحصيل حاصل، وإنما في توفر مناخ داخلي يمكنها من التأثير والإفساد. إذا كانت الدولة قوية، وجبهتها الداخلية متماسكة، ومواطنوها سعداء، فإن المؤامرات لن تكون ذات أثر، وستعود من حيث أتت. أما إذا كانت الجبهة الداخلية مزعزعة، والمواطن فيها مقهور مكتوم، فإن المؤامرات ستنهش في أحشاء البلد، وتعيق تقدمه ومسيرته. ولذلك فإن أنجع علاج للمؤامرات هو إصلاح وتقوية الجبهة الداخلية. حينما تكون البلاد في سلام مع كل مكوناتها، دون وجود تمييز يولد الشعور بالقهر والإقصاء، فإن كل مؤامرة سوف تندحر وتموت قبل ولادتها.

كثير من الدول الشمولية اليوم تشتكي من مؤامرات دول الجوار، واستضافتها للجماعات المعارضة. ولكنها تنسى أن الجماعات المعارضة لا تنشأ نتيجة مؤامرات، وإنما لضيق مجال الحراك السياسي المنفتح الذي يسمح للمعارضة بالمشاركة القانونية، ووجود إحتقان داخلي، وحرمان حقوقي. ومن الأفضل توجيه النظر إلى العوامل الداخلية دون الخارجية، ومحاسبة الذات أولا، قبل الحديث عن الآخرين ومؤامراتهم. وعليه ينبغي وبصراحة طرح أسئلة:

· أين فشلنا؟ ولماذا؟

· هل تعلمنا من إخفاقاتنا؟

· ما الذي يمكن أن نفعله بشكل مختلف حتى لا نكرر نفس الأخطاء؟

· ما هي الفرص التي أضعناها وكيف نستعيدها؟

· ما الذي كان يمكن أن نفعله بشكل أفضل لتجنب النزاعات الإقليمية المكلفة؟

· لماذا يتآمر الآخرون ضدنا؟

· كيف يمكن لنا ترتيب جبهتنا والعمل بشكل تعاوني وإيجابي مع كل الأطراف الخارجية؟

إن تحمل مسؤولية الفشل والاعتراف بالخطإ هو مفتاح الحل، وطريق المضي نحو الوجهة الصحيحة. إن البحث عن كبش الفداء، أو تبرير الفشل، أو الشكوى الدائمة من المؤامرات، ليس قصورا في النظر فحسب، بل هو لا محالة مسار الفشل والسقوط. وقديما قال الشاعر العربي:

نَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا *** وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا

 

معنا أو ضدنا!

وجهة نظر الرئيس الأمريكي الأسبق -جورج بوش- ذات البعد الواحد: “أنت معنا أو ضدنا”، كانت نظرة إستقطابية وصدامية، وكانت لها آثار سلبية ومدمرة على الصعيد العالمي. وهذه النظرة تحول دون إيجاد أرضية مشتركة، وإقامة حوارات إيجابية. ومن المؤسف أن بعض الخطابات السياسية حول القضايا الوطنية الإريترية، تأخذ في بعض الأحيان خط جورج بوش ذوالبعد الواحد – معنا أو ضدنا. وهذه النظرة ترسخ الصراع الحزبي، والفئوي، والإثني، وتعزز الولاءت الضيقة، وتقوض الولاء للأسس والمبادئ.

من المهم أن تكون الخطابات الإريترية، على كل المستويات، على أساس المبادئ والأهداف التأسيسية. يجب أن يكون الولاء الأساسي لهذه المبادئ، وليس للأطراف، أو القادة، أو الفصائل. وتحت مظلة الولاء للمبادئ يمكن التحاور الموضوعي، والخروج من الإنسداد، وردم الفجوات.

وفي تقديري، فإن الفجوة بين أهداف النضال الإريتري وواقع اليوم قد اتسعت توسعا قد يصعب رتقه. إن الإعتراف بوجود هذه الفجوة المتنامية، وتحمل مسؤوليتها هو خير ما يمكن الإحتفال به في ذكرى يوم الإستقلال، وخير ما يمكن الوفاء به لتضحيات الشهداء، وما عدا ذلك فهي طقوس وطنطنات يوم، لا تصلح عوجا، ولا تعزز قيمة، ولا تصلح وجهة.

________________

ملحوظة: هذا المقال ترجمة لمقال باللغة الإنجليزية نشرته في عام 2018 في موقع عواتى مع شئ من التعديلات

flavour-different-http://awate.com/celebration/

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=44828

نشرت بواسطة في مايو 24 2021 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010