الإعلام المعاصر وموقع إعلام الجبهة الشعبية فيه

بقلم/ محمد عثمان علي خير

كاتب وصحفي إريتري*

 ali_kheer@yahoo.com   

في الواقع أن الإعلام في عالم اليوم يعتبر بحق, المرآة التي تعكس واقع الشعوب وقضاياها وفكرها وتقدمها ومختلف جوانب حياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية, ويعتمد كل ذلك على تقديم هذا الإعلام بوسائل متقدمة ولغات حية وضمن آفاق رحبة, والتي تنسجم في مجملها مع مجريات الأحداث اليومية والتطورات المتلاحقة, والتي تعطي للمفكرين والمثقفين والفلاسفة القدرة على تفجير طاقاتهم التي تنهض بشعوبهم وتفتح لهم الطريق واسعاً نحو عالم الغد, لقد قاد الفلاسفة والمفكرون في القرون الوسطى في الغرب الثورات الفكرية والعلمية أمثال (كوبر فيل-الفلكي-1473م/1534م) و (فرنسيس بيكون, جاليليو وديكارت) في ظل غياب الإعلام الذي يسهل تقديم جهودهم للعالم, ولكنهم ساهموا بشكل كبير في وضع أسس تقدم أوروبا واقتحامها بعد ذلك لكافة مجالات العلم والمعرفة, وإذا كان العالم يعيش اليوم بسبب تلك الجهود العلمية المتواصلة وبفضل تجارب العلم التجريبي, ثورات علمية في كافة المجالات, فإننا لاحظنا ذلك وبشكل مدهش في نجاح أدوات التكنولوجيا الحديثة في البث المباشر للبرامج التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية دون المرور بالمحطات الأرضية وكل ذلك من تسخير (الخالق العظيم) والذي يقول في كتابه الحكيم ((سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق)) ولأن الإنسان لم يضف شيئاً في الغلاف الجوي بخاصية نقل الصوت والصورة الذي خلقه الله عليها يوم خلق السماوات والأرض بهذه الخصائص, ولكن كشف الله لنا هذه الخاصية في هذه الفترة, كما أننا لم نكتشف أن الهواء يمكن أن يحمل الطائرات بكل ما فيها من أجسام ثقيلة, وكلما ارتقى البشر في حياتهم زاد علمهم بآيات الله تعالى في كونه, ومن هنا يتضح لنا بأن مسألة الإعلام وما شهدته من تحولات مذهلة تضاعف من هموم ومهام البشرية, لأن الرسالة الإعلامية في عالمنا اليوم تشكل ركناً أساسياً ومهماً في تشكيل الرأي العام العالمي وتوجيه جهوده وإمكانياته في قضايا متعددة ومرتبطة بحدوث التحولات الكبرى. وإذا حاولنا أن نتوقف من باب المعلومات على الصحافة الغربية والتي تتميز بالإمكانيات المادية والتقنية والفنية الضخمة الموظفة بخدمتها والتي تساعدها في مجالات السبق الخبري والتحقيقات والتحليلات والدراسات العامة والمتخصصة, والذي جعلها تلقائياً مصدراً رئيسياً ومهماً في تدفق المعلومات وانسيابها بكل وسائل الإعلام خاصةً في العالم الثالث. وكما يقول الله تعالى (( ويخلق مالا تعلمون)) ويمكنك أن تشاهد برامج واشنطن وطوكيو وباريس والقاهرة بمجرد أن تدير مؤشر التلفزيون, ونعلم أن أشعة الليزر تستخدم الآن في الطباعة والتصوير والعرض التلفزيوني والسينمائي وهناك ثورة كاملة وعنيفة تحدث الآن في عالم الاتصالات, أما في عالم الصحافة فإن الكمبيوتر يقف وراء فنون التحرير والإخراج بأنواعه المختلفة الصحفية والإذاعية والتلفزيونية, والصحافة الغربية تنقسم إلى عدة أقسام فهناك:

 *(الصحافة الراقية): المحافظة التي تخاطب الطبقة المثقفة في المجتمع الغربي.

*(الصحافة الشعبية) الواسعة الانتشار التي تحفل بالأخبار المتصفة بالكثير من ألوان الإثارة. كما أن هناك الصحافة الحزبية وصحافة الطوائف الدينية و المهنية الخ…

وتأتي بعد كل هذا وقبله اهتمامها بالمجالات العلمية والأدبية والفنية والاقتصادية والتجارية, كل هذا الجهد الجبار من الآلة الإعلامية الغربية الضخمة تستهدف في كثير من جوانبها النهوض بوعي شعوبهم وتمليكهم للحقائق في كل المجالات, وتمكينهم من التعبير عن أفكارهم ومواقفهم وتطلعاتهم من خلال الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب ونقل صوتهم للعالم, وأمام هذه المعالم الساطعة في عالم اليوم, لا نعلم أين نصنف إعلام الجبهة الشعبية في ظل الدولة الإريترية القائمة, والتي تفتقد أهم شيء في المسألة الإعلامية وهو قيام مؤسسات للدولة بل وعدم وجودها في كثير من الأحوال, والتي تغذي الإعلام وتجعله يتعامل مع قنوات حية ومتفاعلة مع المجتمع الإريتري وقضاياه, وفي نفس الوقت منفتحة على الإعلام الخارجي تواكب معطياته وتطوراته, ومن خلال متابعتنا لمسيرة إعلام (الجبهة الشعبية) فإنه إعلام تقليدي ومحلي وغارق في مشروعه الطائفي والذي أفقده أن تكون له رسالة وقيم إنسانية تحظى باحترام الرأي العام الإريتري, وتجعله أكثر قرباً للتعبير عن هموم الإنسان الإريتري, ويمكن تصنيفه ضمن هذا الفهم في إطار (الإعلام الطائفي) ويكفي أن هذا الإعلام يرتكز على لغة وثقافة محلية مبتورة, مما يجعله يخاطب فئة محددة في المجتمع الإريتري لا تتعدى 30% من المجتمع الإريتري, وبالتالي فإن إريتريا تعتبر خارج دائرة الإعلام الحضاري المعاصر, والنابع من أصول وثوابت شعبنا وتطلعاته للارتباط بالتحولات العالمية الجارية, وتزويده بالعلم والمعلومات التي توفر له أسباب الرقي والتقدم, في عالم يعتمد اليوم على المعلومة وتبادل التجارب والأخذ بكل أسباب التقدم العلمي.

إن أهمية اللغة الحية في الإعلام تعتبر الأساس في تقديم المادة الإعلامية الهادفة, وعندما تنحصر رسالة الإعلام في فئة معينة, لفرض هيمنتها القومية والثقافية يتحول هذا الإعلام في هذه الحالة إلى سلاح سياسي يستنفر الفئات الأخرى, ويجعلها تستدعي عناصر المواجهة والرفض وعدم التفاعل أصلاً مع قضايا الوطن, وهذا الوضع هو السائد الآن في إريتريا, إعلام لا علاقة له بالشعب؟ والدولة؟؟ وهموم المجتمع, ومستقبل إريتريا للمدى البعيد, ومن هنا فإن مهمة الإعلاميين الإريتريين تتضاعف ومطالبين بجهود نوعية تنتشل شعبنا من براثن الإعلام الطائفي وما خلفه من تخريب في ثقافة شعبنا الوطنية.

إن إعلام (أفورقي) أساء إلى أخلاقيات وتراث شعبنا, من خلال الفضائية الإريترية التي تقدم الفن الرخيص والرقص المبتذل والتركيز على أغاني وموسيقى (التيقرينية) وإبراز الفنانين من هذه اللغة مهما كان الفن الضحل الذي يقدمونه, والهدف من ذلك هو تخزين المشروع الطائفي في عقول هذا الجيل, حتى تتحول إريتريا إلى دولة خالصة للقومية (التيقرينية) وهذه من الأحلام الجنونية التي تسيطر على (أفورقي) وطاقمه الإداري العاجز, عن استيعاب مرتكزات المجتمع الإريتري, التي لا تقبل مثل هذه الهيمنة ومن أقلية خدمتها عوامل خارجية أكثر من العوامل الداخلية, ويكفي أن مثل هذه المشاريع لم يكتب لها النجاح في دول كبرى مثل (روسيا) التي فرضت لغتها وثقافتها القومية, على الجمهوريات الإسلامية في آسيا الوسطى, وبعد سبعين عاماً من كل ذلك الجهد انهار المشروع القومي الشيفوني الروسي, وعادت الجمهوريات الإسلامية إلى أصولها الدينية والثقافية, وتصدرت لغاتها كافة مجالات الحياة في تلك الدول المستقلة الآن, كما نذّكر هذه الفئة الضالة في (أسمرة) بمغامرات (ميلوسيفيتش) قدوتهم في صربيا, والذي حاول أن يلغي (دولة البوسنة والهرسك وكوسوفو-ألبانيا) ومحاولة إلحاق قوميتهم بـ(صربيا الكبرى) بعد تجريدهم من هويتهم الدينية والثقافية, وبسبب أحلام هذا المقامر أصبحت القومية الصربية مهجورة الآن من العالم وتدفع ثمن هذا الخطأ التاريخي بسبب تلك القيادات المهووسة, التي لم تكن لديها قراءة صحيحة للتحولات الكبرى التي يمر بها عالم اليوم, والتي تحكمه معايير جديدة نابعة من حقوق الإنسان وحق تقرير المصير للقوميات والشعوب, وليس هناك مجال للتطهير العرقي والديني والثقافي, وهذا ما لم يدركه (بول بوت) إريتريا, وسوف يدفع الثمن غالياً هو والفئة التي تغذي مشروعه الطائفي, ولكن للأسف الضحية ستكون هذه المرة قومية (التيقرينية) باعتبار أن المشروع محسوب عليها ولم تبدي أي مقاومة لرفضه مما يجعلها في موقع ضعيف في أية ترتيبات سياسية مقبلة, إذا لم تعجل بإسقاط المشروع الطائفي برمته والعودة إلى المشروع الوطني القائم على التعايش السلمي والمساواة والعدالة التي ينشدها شعبنا بكل فئاته وطوائفه.

إن إعلام (أفورقي) المفلس سياسياً وفكرياً لن يترك أي أثر في واقع شعبنا وسوف يختفي كل شيء بسقوط المشروع الطائفي وقيادته المعزولة من غالبية شعبنا الصبور. وأمام هذا الدور المظلم لإعلام (أفورقي) فإن مهمة الإعلاميين الوطنيين الإريتريين, سوف تتضاعف في هذه المرحلة من خلال تسليط الأضواء على القضايا الجوهرية, وتقديم المشاريع العملية التي تنهض بواقع هذا الجيل وتمكنه من التغلب على كافة العقبات التي تعترض هذا الجيل في الداخل, من غياب الحقائق والتشويش الذي يتعرض له بفعل الهيمنة الثقافية للغة (التيقرينية) ومهمتنا الإعلامية سوف تكون أكبر عندما نوجه كل جهودنا لإسقاط وتدمير المشروع الطائفي في إريتريا. 


روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=6329

نشرت بواسطة في يونيو 30 2005 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010