المحظور والمطروق في خطابنا السياسي

بقلم/ مصطفى محمد كردي

 

 

كمفتتح لا بد من الإشارة إلى أن بلدان منطقتنا عانت من الصراعات الاثنية والطائفية والقبائلية، بصورة طبعت الواقع فيها واحتوته، ولا تزال جل البلدان الإفريقية تواجه هذه المعضلة، ابتداء بإرتريا، السودان، زائير، نيجيريا، إثيوبيا وغيرها، وكان هذا الصراع قد تفجر بصورة دموية في رواندا، وألقى بظلاله على بوروندي الجارة، أما ما كان يعرف بالصومال فتمثل إحدى أهم المحطات إيلاما في هذا الواقع الاجتماعي القبائلي الذي يمس وبصورة مباشرة مسالة الاندماج الوطني في منطقتنا. ومنذ أن برزت ألازمة الصومالية إلى السطح في عام 1991م تابعنا بأسى لا حد له المجزرة البشرية التي قضت على ما كان يعرف بجمهورية الصومال، لتفسح المجال أمام كيانات قبلية هشة وكنتونات عشائرية واهنة ترتبط بصورة مقززة بما وراء حدود الدولة، في وقت تتبارى فيه الدول والشعوب الأخرى في التبوتق والتوحد.

الصراع الصومالي صراع معقد ويصعب على من ليس له دراية بالتركيبة الاجتماعية القبائلية الصارمة والاحاطة بها، وإذا ما حاول المرء دراسة جوانب تلك ألازمة الاقتصادية والسياسية والثقافية فانه عائد لا شك إلى نقطة واحدة هي التركيبة الاجتماعية الصارمة للفرد الصومالي ونفسية ذلك الفرد وبالتالي الأمة الصومالية، التي تمتاز بوحدة الأصل والعرق واللغة والدين والمذهب الشافعي، وهي معطيات هامة لا تتوافر لكل البلدان الإفريقية والعربية، وكان من المنطقي أن تشكل سياجا لوحدة الأمة الصومالية بدلا من أن تكون سببا في تدميرها بهذه الصورة التي لم تحدث حتى في الدول ذات التعدد الثقافي واللغوي والاجتماعي والديني!

والحقيقة فان أزمة الصومال وأزمات دول منطقتنا الأخرى تثبت لنا مجددا من ضرورة إيجاد آليات بحثية تغطي جميع مناحي الحياة في بلدان منطقتنا، وتدرس بصورة خاصة الصراعات القبلية أو حتى القابلية لها، الحراك الاجتماعي، الصراع الجهوي، الصراع الديني والصراع العشائري، فضلا عن الصراعات السياسية، في ظل غياب تام لمؤسسات المجتمع المدني ودور النخب من المثقفين والإعلاميين وعلماء الاجتماع والسياسة والمختصين، لكون المثقف وفي كافة التجارب ظل يؤدي دورا اصلاحيا لا يستهان به، وقدم المثقفون وعبر مختلف الحقب العديد من الحلول الحقيقية لمجتمعاتهم، حتى عُد المثقف الحقيقي الضمير النابض بالمصالح العليا للمجتمع، لكونه ينطلق دوما من شفافية عدلية تتكئ على حدبه السرمدي لا على مجرد مكايدات حزبية أو تنظيمية عارضة أو مصالح فئوية أو شخصية آنية زائلة.

ولهذا نجد دوما أن المثقفين الحقيقيين في صراع مع السلطة أيا كانت لسعيهم نحو الكمال ونزوعهم لتسييد قيم المساواة والتقدم والعدالة، والذي تمثله غالبا القوى المعارضة، إلا أن بعض الأنظمة قد تمارس بعضا من ذلك الكمال، وهذا ربما فسر ما نراه أحيانا من بعض الممارسات الإصلاحية للأنظمة، بمعنى أن تكون الحكومات المتسلطة أكثر ديمقراطية من القوى المعارضة والمنادية بالديمقراطية والعدالة وحقوق الإنسان!؟، مما يفرض على المثقف الحقيقي امتلاك الرؤية الصائبة وسط الكم الهائل من الضباب والتشويش، للإشادة بكافة الخطوات الايجابية – أيا كان مصدرها- في محاولة لا ينقصها الإخلاص والتفاني لإيصال قطبا المجتمع – حكومة ومعارضة – إلى جادة الصواب، بهدف تجنيب الشعوب النزاعات الانصرافية والناتجة عن الوعي الزائف والإغراق في التوصيف القاصر وتناقض الوعي الجمعي، والخضوع الفطير لمفهوم التميز عن الآخر الوطني دون فهمه كما هو لا كما تريده أن يكون، وبالتالي الارتكاس إلى الأسطورة الموهومة، وعندها فقط يغدو الخطاب المعارض مجرد خيبة تناقض الوعي الحقيقي لماهية الخلاف وسننه، وتفتح الباب لتدخلات القوى الخارجية – قربت تلك القوى أم بعدت – والتي تعمل على إعادة تفكيك المجتمع على أسس عديدة ومتغيرة وفقا لمصالحها، وتتراوح تلك الأسس ما بين التناقضات الاجتماعية والدينية والقبلية والمناطقية وغيرها من خصائص شعبنا. وتلك الأسس والمشكلات ليست كلها صنيعة أجنبية بل أن جلها تحديات حقيقية وقائمة على معطيات محلية وذات جذور من تركيبتنا الاجتماعية والثقافية والتاريخية والنفسية، فضلا عن ظلال من تجاربنا السياسية، وكل ما تقوم به القوى الخارجية هو بهدف حماية مصالحها ومن ثم التأثير علينا والسيطرة التامة على قراراتنا وآمالنا ومستقبلنا وكبرياءنا، وجعلنا لا ندور إلا في فلكها، ولا نتمكن من العيش بمعزل عنها، ولا نتحرك إلا بناء على مصالحها ورغباتها.

ونعلم جيدا انه من العسير علينا العيش بمعزل عن تدخلاتهم، وليس مرد القبول بتدخل الآخر أصيلا في قناعاتنا، ولكنه محاولة للتناغم على مضض مع واقع عالمنا المليء بصور مماثلة، ويمكن الإشارة هنا إلى العراق، أفغانستان، السودان، لبنان، فنزويلا وغيرها. ونعلم جيدا أن المصالح بيننا وبين دول الجوار متداخلة والخطوط الاجتماعية والثقافية بالضرورة متشابكة وتتجاوز اعتبارات الجوار والحدود المشتركة إلى ما هو ابعد واعقد من ذلك بكثير، الشيء الذي يفرض علينا جميعا تبني الحوار العقلاني الجاد والانفتاح والتخلص من تراكمات الماضي وعقده، وان نقوم بتحديد دقيق وصارم لمفهوم المصالح مع جيراننا وإمكانية ونطاق التعاون والتنسيق، وإنشاء آليات دائمة وفعالة لتطويق وحل ما يحتمل أن تثور من مشكلات أو توترات، بمعني لا بد من فرز المعاني المتناقضة في علاقاتنا السياسية والثقافية والدينية وقبل كل ذلك الاقتصادية، وبهدف تحديد زاوية المعالجة بصورة دقيقة وواقعية، يلزم طرح رؤية جديدة لرسم وإدارة التفاعلات البينية الارترية ومع دول الجوار، وان نتعامل مع واقعنا بشمولية واحتراف وشجاعة ومع دول الجوار بالمثل ونلتقط بدورنا كل ما من شانه أن يقربنا من إمكانية التأثير عليهم.

حقائق أوضاعنا وثقل المسؤولية:

باعتباري على صلة بحقائق أوضاعنا من خلال الممارسة العملية والمتابعة النظرية، وباعتباري أيضا من قيادات المعارضة الارترية، واستيعابا لثقل المسئولية الحقة، أرى أن هناك مشكلة خطاب حقيقي واضح بين مكونات شعبنا من جهة وما بيننا وبين دول الجوار، وغني عن القول إن الخطاب – لا مجرد الإعلام- جزء مهم ويسبق المعالجة، ودون الاهتمام بالخطاب ومن ثم الشروع في المعالجة الحقيقية، سنظل نعاني داخليا وإقليميا من إشكاليات عديدة حتى بعد زوال كافة الحكومات المتربعة على السلطة في المنطقة، لان خطابنا مع كافة المعوقات التي تعترضه يعاني من عدم المنهجية، ويفتقر إلى ترتيب الاولويات والمقومات الفكرية والمواكبة، ويجنح – الخطاب – الى الوسائل المباشرة الآنية – رزق اليوم – وكل ذلك خصما عن المنظور المنهجي الواضح، والبرنامج العملي المقنع والرؤية الشمولية للمجتمع، عدا غياب الصنعة والاحتراف السياسي المسنود بالقدرات العلمية، وإعداد الفرد من حيث الصلابة والمرونة، والقدرة المتناهية على البذل والعطاء، والتفاعل الواعي مع الداخل والتطورات الجارية في العالم وانعكاساتها على قضايانا. وأسوأ ما في الأمر ليس خطاب الجبهة الشعبية الانتقائي بل الخطاب الفطير الذي يجاريها، ويكرس بدوره – دون وعي – صورة انتقائية موهومة للواقع الاجتماعي الإرتري، وبالتالي خلق قوالب غير دقيقة لماهية الصراع في ارتريا، وتكريس مثل هذه المفاهيم في الصراع مع النهج الانعزالي الذي تمثله الشعبية مسالة خطيرة، لان الحق عندي الذي لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق الكذب ليس بحق، ولان أيضا الحكومات ليست خالدة وبخاصة الشعبية، كما تؤكد ذلك قراءتنا وأزماتها المتفاقمة وحالة الرفض المتنامية من شعبنا وأصدقائه والعالم، كما أن سنن الواقع تؤكد ذلك منذ عبر عنها المولى عز وجل في عدة سور من القرآن الكريم، وابن خلدون بنظريته ذائعة الصيت في قيام وسقوط الدول، الشيء الخطير هو استنبات وتكريس علاقة صدامية صراعية بين الأطراف الاجتماعية الارترية، لان مثل هذه الخطابات تذهب بالمجتمع بصورة أفقية وتدمر روابطه، وإذا ما ذهبت هذه الروابط فمن الصعوبة اجتماعها مرة أخرى، ويكون عندها الخاسر الحقيقي نحن لا الجبهة الشعبية والأمثلة في ذلك كثيرة.

بقى أن أشير إلى أن هناك عدة ظواهر سلبية تكتنف ممارساتنا السياسية والثقافية وهي – وان عمقها خطابنا – من استحقاقات المراحل السابقة من عمر تجربتنا الطويلة، وكلها – الظواهر – نتاج طبيعي للتشرزمات والانقسامات، وهي ذات ارتباط بموروثاتنا من الأساطير والحكاوي، ودور ذلك في خطابنا الواقعي الباهت، والذي لم يمكننا حتى الآن إلا فيما ندر – والنادر لا حكم له – من كسب ثقة شعبنا ليكون هو خشبة القفز الحقيقية للتغييرات التي نتطلع إليها، عدا غياب المنهج النقدي لعموم التجربة. هذه الخصائص السلبية فضلا عن تحييدها للعقل في إطار تجاربنا، حجبت عنا إمكانية قراءة تلك التجارب بصورة نقدية، فلم ندرس حتى اللحظة الحركات الارترية الكثيرة فكرتها، أهدافها، محاورها، بنائها، هامش حركتها وكل ما يتصل بمحاور نضالاتنا، حتى نستطيع الوصول إلى الاستنتاجات ودراسة نسق كافة الظواهر الارترية، بعيدا عن الإغراق في الذاتية وميكانيكية الاختلاف، وسيادة روح المبالغة وتناقض الوعي والخضوع لمفهوم الواقعية البسيطة، ولا بد لنا من الاعتراف – عمليا – أن هنالك مفارقات صارخة في التعاطي مع واقعنا المركب، وهنالك أيضا خيارات صعبة، ولا بد من الإدراك العميق رغم كل شيء، أن هنالك محطات عديدة وغير مطروقة في العملية السياسية الارترية.


روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=6447

نشرت بواسطة في يناير 23 2006 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010