المسلمون الإرتريون والتحديات

بقلم فتحي عثمان

التظاهرات التي بدأت في لندن وامتدت حتى الآن إلى هولندا وفرنسا، وستستمر كذلك في مدن أخرى، انطلقت بدايةً للمطالبة بإطلاق سراح الشيخ آدم شعبان ابن مدينة قندع وزملائه، ثم تطورت في فرنسا لتطالب بإطلاق سراح جميع معتقلي الضمير والمعتقد، باعتبار أن المعاناة خلف جدران زنازين الديكتاتور لا تعرف ذكراً ،ولا أنثى، ولا طفلاً ولا شيخاً جليلاً، كما لا تعرف للرحمة سبيلاً.
لقد أثارت هذه التظاهرات ردود فعل متباينة: مؤيدة، ومعارضة، وأخرى معادية انطلقت من أبواق الديكتاتورية المعروفة بالتشويه وإثارة التفرقة. كما طرحت هذه التظاهرات أمرين في غاية الأهمية:

التحديات الراهنة والمستقبلية التي يواجهها المسلمون في إرتريا .

العلاقات الإسلامية–المسيحية في ظل حكم ديكتاتوري غاشم لجأ موخراً إلى تبنّي توجه طائفي بغيض يهدف إلى شق الصف الوطني عبر فتنة دينية منتنة.

هذا الأمر الجلل يستحق – فوق كل اعتبار – اهتماماً ومعالجة خاصة، وهذا المقال يندرج في هذا السياق .

الشيخ المغيَّب آدم شعبان ليس أول المغيَّبين في إرتريا، ونتمنى أن يكون الأخير، فقد سبقه آلاف غيره، وهؤلاء بحاجة دائمة إلى تضامننا وتأييدنا المستمر. وواجبنا أن تكون حملة التغييب الأخيرة التي طالت حتى محافظ مدينة قندع آخر الاعتداءات على حقوق المواطنين. مسلمو إريتريا هم مواطنون اولاً (وهذا سبب مطالبتهم بحقوق المواطنة)، وهم مسلمون ثانياً؛ لكن في أجواء طائفية متطرفة ينقلب هذا الترتيب ليصبح: مسلمون اولاً ومواطنون ثانياً، مع تشديدٍ على هاتين الصفتين.
تقديم المواطنة على ما عداها أمر يفرضه واقع العالم اليوم بدوله وجنسياته. فالحاج الارتري يعرف رسمياً بجواز سفره وبلده، فهو في هذه الحالة مواطن دولة يغادر بلاده لأداء مناسك في دولة أخرى وفقاً لكل تحديدات الهجرة الدولية. فالعالم اليوم يقدم المواطنة على الهوية الدينية والتي ترفض بعض الدول تسجيلها في الوثائق الرسمية. بناء على ذلك أن المسلم لا يستطيع الاستغناء عن المكان من أجل عبادته.
في كتابَيَّ اللذين أضفتهما إلى المكتبة الإرترية (2014–2021) وعشرات المقالات الأخرى، أكدتُ دائماً أن التعايش الثنائي في إرتريا يشبه بركة هادئة لا يعكر صفوها إلا أحجار الفتنة والتفرقة التي تلقى فيها بين حين وآخر. فقد لجأ البريطانيون إلى الفتنة الدينية حين حاولوا تقسيم إرتريا، وكذلك فعل هيلي سيلاسي حين أراد ضمها مستخدماً الإرهاب إلى جانب التفرقة. واليوم يلجأ اسياس أفورقي إلى النهج ذاته لإطالة أمد بقائه في السلطة، بهدف إثارة فتنة بين المسلمين والمسيحيين، بل وحتى بين المسلمين أنفسهم.

إن عدم التسامح الديني مرَّ بمراحل تاريخية عديدة: من ممارسات البريطانيين، إلى حزب الاندنت، ثم إلى ما يُعرف بالجهاد الإسلامي الإرتري، واخيراً الأقازيان. وجوهر التعصب واحد: “أنا، وليذهب الآخرون إلى الجحيم بوطنهم ودينهم وحقوقهم”. والمشهد الإرتري في الخارج يبدو منقسمًا بشدة، ويتجه بقوة نحو فرز طائفي بغيض ما لم يتدارك عقلاء المسلمين والمسيحيين الموقف
يواجه المسلمون الإرتريون تهميشهاً وسلباً للحقوق غير مسبوق، يقابله بعض المتطرفين بتطرفٍ أشد. كما يواجهون تحديات الهم الوطني والعلاقات الداخلية وتعقيداتها .

أما الظلم والتهميش فلن يُقضى عليهما إلا باجتثاث شجرة الطغيان. وأما التطرف المسيحي في الخارج فلا يجوز أن يُواجه بتطرف أعنف؛ لأن الآباء والأجداد المسلمين تركوا لذرياتهم إرثًا وطنيًا مشرفًا لا يمكن التفريط فيه لصالح التطرف الأعمى، وهو حمل راية الدفاع عن الوحدة الوطنية والاستقلال في الأربعينيات، وتفجير شرارة الكفاح المسلح ضد الاستعمار. هذا الإرث – الذي صار ملكاً مشاعاً لكل إرتري وإرترية – يلقي على التنظيمات والمجموعات الإسلامية، بشكل خاص، لأنها تتصدى للعمل السياسي، عبء أن تكون أفضل من الآباء والأجداد أو على الأقل في مستواهم،

في المقابل، نسمع اصواتاًً بين المسلمين تدعو إلى تجاوز هذا الإرث لأنه “تاريخ مضى”. ويزيد هذا الشعور مرارة الموقف السلبي والمخيب للنخبة من التقرينية (خاصة في وسط العمل المقاوم للديكتاتور) التي تتجاهل هذه المظالم ولا تبدي أي تضامن مع معاناة المسلمين تحت حجة أن الظلم يطال الجميع. هذا الموقف يفتح الباب أمام المتعصبين من المسلمين للتشكيك في معنى التعايش والدعوة إلى تمزيق الوطن، من دون تقديم بدائل عملية.
في دولة يحكمها رئيس مسيحي يعاونه وزير دفاع مسيحي، ويدير أجهزة قمعها مسيحي آخر، وتُفرض لغتها التقرينية، يحق للمسلمين المطالبة بإدانة صريحة من مثقفي التقرينية للظلم الواقع عليهم، إضافة إلى تضامن فعّال مع مطالبهم المشروعة. قد يُقال إن المسيحيين الإرتريين ليسوا مسؤولين عن أفعال الفئة الحاكمة، ولكن هذا أكثر ما يوجب التضامن الأخوي وإبراء الذمة في رأينا. للأسف، هذا ما لا يقدمه المثقف المسيحي لأخيه المسلم. وتبرير ذلك بأن الجميع تحت “طائلة الاستبداد” حجة لتغطية التقاعس. فنحن في أوروبا لا يمكن أن نقارن أنفسنا بالذين يعانون في زنازين سجن عيرا عيرو
واليوم، وللتعبير عن مطالبهم، يجد المسلمون الإرتريون أنفسهم أمام خيارين: إما التركيز على مطالبهم الخاصة بمعزل عن الهم الوطني، أو اعتبار مظالمهم جزءًا من الظلم العام، مما يدفعهم إلى الدفاع عن إخوانهم من طائفة شهود يهوه، والقساوسة الأرثوذكس الذين ناهضوا سياسات الحكومة القمعية مثل البطريرك أنطونيوس، أو من أخوتهم وأخواتهم من طائفة البنطي المطاردة من الحكومة. فعلى النخبة الواعية من التقرينية أن تدرك الخيار الأول وتدعم الخيار الثاني
إن التقاعس عن مواجهة التعصب أيا كان مصدره وعدم إدانته، سيؤدي إلى تصدع الثقة الغالية بين المكونات، ويهدد بمصير شبيه بما حدث في الهند عند الاستقلال، حين لجأ المسلمون إلى إنشاء وطن خاص بهم (باكستان). قد لا تصل الأمور إلى هذا الحد، لكن الثقة زجاج إذا تكسر يصعب جمعه. والذي يبعث على الطمأنينة أن روح التعايش في داخل البلاد لم تمسها رياح التعصب اللاهبة في الخارج.
بطبيعة الأشياء، فإن الهدم أسهل بكثير من البناء؛ فالأول لا يحتاج إلا إلى معاول وسواعد غاضبة، بينما البناء يتطلب إرادة وخارطة ومواد عمل وجهداً جماعياً.

إن التطورات في إرتريا تسير نحو منعطف تاريخي جديد يتطلب فهماً عميقاً للجراح التي خلّفها حكم ثلاثين عاماً من الاستبداد، ورغبة وطنية صادقة من كل الأطراف في بناء وطن سليم معافى يتمتع فيه الجميع بالحرية والعدالة وسيادة القانون.

الوضع الذي نعيشه اليوم خاصة في الخارج يمثل بيئة مثالية لسياسة فرق تسد التي يستعملها الديكتاتور في تأخير التغيير وتشويهه ونرى أن نخبة التقرينية بالمتاح لها يقع عليها دور كبير في إدانة التعصب المسيحي وتفهم مظالم المسلمين في ارتريا والتعامل معها بروح التضامن بين مواطنين البلد الواحد الذي يحتاج جهد كل مواطن من أجل غد مشرق وعادل للبلاد. أما المسلمين عامة والنخب القائدة منهم مطالبة بدور تاريخي يستعيد إرث الماضي بما يؤسس لوطن مجيد خال من الديكتاتور
وأثاره البغيضة .

تعكس هذه المقالة وجهة نظر الكاتب وتهدف إلى تسليط الضوء على القضايا الحيوية التي تواجه المسلمين الإرتريين .

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=47679

نشرت بواسطة في أغسطس 31 2025 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010