تحديات التغيير والبناء

عمر جابر

قضية القوميات :

المعارضة الارترية تننظم فى وعاء كبير وتعمل تحت مظلة (التحالف الديموقراطى الارترى ) وفق ميثاق عمل و قوانيين تحكم  علاقته وتوجه حركته وتحدد عضويته . ليس كل من يعارض النظام يوجد داخل هذا التحالف – منظمات المجتمع المدنى والمستقلون ( وهى قوى مقدرة كما و نوعا ) تعمل من خارج مظلة التحالف ولكنها لا تتخذ موقف العداء او الصراع مع التحالف – بل تتوجه بكل طاقتها نحو الهدف الاكبر : النظام الدكتاتورى .

والتحالف الديموقراطى اخذ على عاتقه مهمة التغيير وبالتالى احتضن كل من رفع شعار معاداة الدكتاتورية ومن ضمن هولاء تنظيمات وتجمعات قومية .

  • لا يمكن مواجهة ومعالجة قضايا المركز اذا اسقطنا تلك القضايا القومية التى تخص الاطراف . ولكن عند البحث عن الحلول علينا ان نسال ونوثق بعض الامور :
  • 1- هل هناك بالفعل قضية قومية تخص فئة ما وتستحق ان تعطى  حيزا ومساحة ؟
  • 2- هل من يتقدم باسمها ويدعى تمثيلها يملك تفويضا من تلك الفئة ؟ لا يكفى الانتماء  العرقى او الثقافى او الجغرافى لتلك المجموعة ولكن لابد من وضع معايير ثابتة وواقعية والا سنواجه  بانقسامات  وتناحرات من داخل تلك المجموعة .
  • 3- ما هو محتوى وشكل المطالب لتلك الحركة او التجمع القومى ؟ هل هى حركة مطلبية ام فدرالية ام انفصالية ؟ ما تأثير مطالبها على قضايا المركز الاساسية ؟
  • لنناقش الان تلك النمازج التى يمكن ادراجها فى هذا المحور واعتبارها قضايا قوميات تبحث عن حل .

اولا : قضية الجبرتى – وهذه اقل تعقيدا  واكثر وضوحا وتحديدا فى مداها ومحتواها .

الجبهة الشعبية فى برنامجها لتقسيم  القوميات  الارترية اعتبرت الجبرتى جزء  من قومية التقرنية – وهو ما رفضه كل المنتمين الى تلك القومية واعتبروه اجحافا فى حقهم … لماذا ؟؟

1- انهم – اى الجبرتى – لهم تاريخ منفصل ومتميز فى نشأته وتطوره عن  تاريخ ابناء المرتفعات الارترية من المسيحين .

كانوا ضحايا حملة صليبية فى اثيوبيا ضدهم اجبرتهم على ترك ديارهم للحفاظ على دينهم واستقروا فى المرتفعات الارترية (سراى ) والهضبة الوسطى (كرن) .

اصبحوا جزءا اساسيا من الحركة الوطنية الارترية بدءا بجمعية حب الوطن والرابطة الاسلامية وانتهاء بجبهة  التحرير الارترية مرورا بالكتلة الاستقلالية وحركة تحرير ارتريا

2- ان مشاركتهم فى اللغة مع المسيحيين من ابناء المرتفعات الارترية لا يعنى الغاء التمايز واسقاط الفوارق . حتى مفردات اللغة نفسها تختلف عندما تستخدم فى الطقوس والشعائر الدينية (الزواج والموت) تأتى عند الجبرتى مفردات مثل : الله – الرسول الجنة النار وقراءة القران باللغة العربية فى عقد الزواج ومراسم الدفن .

3- الدين – وهذا مكون اساسى من مكونات الهوية …. الجبرتى كلهم مسلمون وتلك خاصية ربما  لا تتوفر لدى معظم القوميات الارترية ….. انهم جزء من النسيج الاسلامى يرتبطون به وجدانيا ونفسيا ويحكمهم طموح مشترك .

ماهى طبيعة وحدود مطالبهم ؟؟

باختصار يقولون : تاكيد وتثبيت الاعتراف بهم كقومية منفصلة ومتميزة  مثلها فى ذلك مثل بقية القوميات .

اى انهم يطالبون بما حصل عليه الاخرون … على الاقل نظريا . من حقهم ذلك  فهم اصحاب القرار فى تحديد هويتهم وتوجههم .

نأتى الان الى مسالة التمثيل ومصداقية التعبير عن ذلك الطموح .

الصناديق الخيرية التى تنظم معظم ان لم نقل كل الجبرتى فى مختلف انحاء العالم  هى مظهر للتعاون وتفعيل العلاقات الاجتماعية بحيث تكون المحصلة النهائية مشاركة  كاملة وفعالة فى قضايا المركز .

ومن هذا المنطلق تم تكوين حزب النهضة  كاداة لتفعيل المشاركة ووسيلة للاسهام فى الشان الوطنى العام بنصيبهم .

لكن المفارقة ان قيادات حزب النهضة  تحاول نفى ذلك ويقولون :لا … نحن لسنا كذلك  لماذا؟ ما هو العيب فى ان تكونوا كذلك ؟ ويعترف بكم الاخرون ويتعاملون معكم عل هذا الاساس ؟؟

نبى الاسلام محمد (ص) كان يتعامل فى بداية الدعوة مع القبائل العربية من خلال شيوخها ورموزها .وكان يسعى للصلح بين المجموعات الاقليمية (المهاجرين والانصار ) وكان يعقد الاتفاقات والمعاهدات مع قبائل اليهود ؟!

وفى العصر الحديث  وفى اوربا هناك احزاب تنشط فى وسط مؤسسات النظام الديموقراطى ولكنها تحتفظ بمكوناتها الاقليمية او الدينية وبمسمياتها ايضا .

تبقى حركة (الجبرتى ) اكثر المجموعات تماسكا الامر الذى يسهل  امكانية التعامل معها .

ثانيا : العفر

وهذه قضية محكومة بامتدادات جغرافية وعلاقة اثنية وثقافية خارجية  (اثيوبيا وجيبوتى ) ما يجعلها عرضة لمؤثرات سياسية اقليمية تشكل وتيرة حركتها وتحدد مدى وطبيعة مطالبها .

سكان المنطقة العفر – ساهموا تاريخيا فى تقرير مصير ارتريا وفى النضال من اجل الاستقلال .منذ جمعية حب الوطن والرابطة الاسلامية والكتلة الاستقلالية وجبهة التحرير الارترية .

اقتصاديا – المنطقة طاردة  وليست جاذبة  لمكونات الشعب  الارترى الاخرى للاستقرار فيها.

يعتمد السكان على صيد الاسماك والرعى والملاحات والهجرة الى دول الجوار( اليمن – جيبوتى وحتى اثيوبيا ) .

باستثناء مدينة عصب العاصمة فان الاقليم فى مجمله يفتقر الى البنية الاساسية  وتتقاسمه قبائل متعددة تتباين هى بدورها فى حظوظها من المصادر والثروات وتتقاطع علاقاتها عبر الحدود مع ما ينتج عن ذلك من تاثير اقليمى على سقف المطالب التى يمكن ان ترفعها اى حركة تمثل هذا الاقليم .

ربما كانت اشكالية التمثيل هى اكثر ما تواجه من يتعاملون مع هذا الملف .

ولكن فى هذا الاتجاه يمكن اللجوء الى التراث والموروث من نضالات الشعب الارترى بصفة عامة ومنطقة دنكاليا  بصفة خاصة هناك رموز وطنية ومراجع فى شئون المنطقة يمكن استشارتهم والاستفادة من توجيهاتهم  ونصائحهم – وعلى راس هولاء الزعيم (محمد عمر اكيتو)اطال الله عمره.

 

ثالثا : الكوناما –

رغم التجانس المظهرى – الشكل واللغة والجغرافيا – الا ان ما بداخل هذه المجموعة اكثر تعقيدا مما يبدو على السطح – واكثر غموضا بالنسية لقيادات التحالف الديموقراطى .

الكوناما قبيلة نيلية وهى من اقدم المهاجريين الى الارض المعروفة  الان بارتريا .

تقع  المنطقة بين (بوشكو) شمال القاش و (ام حجر ) شمال نهر (سيتيت ) وتتكون من فرعين اساسين :

1- التيكا – بين (بوشكو) و(اوقارو) بما فى ذلك مدينة بارنتو العاصمة.

2- السوغوداس – بين (اوقارو) و(ام حجر)

كلا الفرعين يتحدثان نفس اللغة بينما تغلب الوثنية على التيكا مع نسبة من المسيحين والمسلمين الا ان الاسلام هو دين الغالبية بين (السوغوداس).

هناك فرع اخر ثالث هم (الكويتا ) ويقطنون جبل (اولا ) شرق (بارنتو) ولهم  لهجتهم الخاصة المستمدة من لغة الكوناما وجميعهم مسلمون .

ساهم الكوناما فى الحركة الوطنية الارترية – وكان منهم من هو عضو فى الرابطة الاسلامية وكان موقفهم فى البرلمان الارترى تجاه اللغة العربية التأييد (محمد بادمى وفايد تونقا لونجى).منذ البداية  شاركوا فى الثورة ومن ابرز قياداتهم : الجاويش فى الشرطة (مالك اونا ) – (دقليل- عثمان بادمى – نادا – ناتى فيرى – هينين (عضو قيادة عامة ) … وغيرهم .

وفى مناطق اللاجئيين كانت لهم قيادات ارتبطت بالخط العام (عثمان على شولى ) و(كلالا) وفايد تونقا لونجى.

وبسبب اخطاء سياسية وادارية حدث نوع من الانفصال بينهم وبين الثورة (جبهة التحرير ) وقامت اثيوبيا باستقلال ذلك وعملت على كسبهم وشكلت منهم مليشيات محلية بقيادة (على باتى ) الذى قاد عملية احراق (عد ابرهيم ) عام 1967 وكان رد فعل الجبهة ان احرقت قريتين للكوناما فى المنطقة وقامت اثيوبيا بفصل ادارى بين القاش وبركا وجعلت بارنتوا عاصمة للمديرية الجديدة واصبح (سيلا ) حاكما فى المنطقة.

مطلب  الكوناما الاساسى هو الحكم الذاتى وان لم يتحدد سقفه او محتواه . ولكن هناك مطلب اخر اكثر تعقيدا : استعادة الارض التى اخذها الاخرون منهم !؟

من هم هؤلاء الاخرون – متى هاجروا – وهل انتزعوا ارضا كان يزرعها السكان المحليون ام اخذوا منازلا؟؟

منطقة القاش – سيتيت من اخصب الاراضى فى ارتريا – هى منطقة جاذبة لان بها المياه الوفيرة (القاش- سيتيت) والارض والقوى العاملة والتجارب الحقلية ووسائل الاتصال والزراعة المتطورة – هناك اكبر مشروع زراعى فى ارتريا – مشروع (على قدر ) ولا ادرى ماذا حل به الان ؟

لكل ما سبق بدأت الهجرة الى المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية واستمرت حتى تداخلت الاقوام  وتوالدت ولم يعد يعرف  المهاجر من السكان الاصليين .

هذه قضية تدخل ضمن قضايا الارض والممتلكات الاخرى وتحتاج الى بحث  ونظرة فاحصة والبحث عن حلول عقلانية تأخذ بعين الاعتبار  متغيرات التاريخ ومؤثراته وحقائق الجغرافيا وضروراتها .

تظل اشكالية التمثيل تواجه هذه المجموعة ومن يقرأ موقعهم الالكترونى – الانترنت- يفاجأ بالقضايا الخلافية التى تحكم علاقات قياداتهم.

الخلاصة :   ان معظم اشكاليات القضايا القومية هى اما موروثات من الحقب الاستعمارية او بسبب معالجات الجبهة الشعبية الخاطئة ونظرتها الاقصائية والاستعلائية .

 

  • موضوع الحكم الذاتى يجب تحديد سقفه وعلاقته بالمركز . لا يمكن ان يرى ابن المنطقة فى دنكاليا او بارنتو سائق سيارة الحكومة او الحرس من ابناء المرتفعات الارترية !؟
  • لابد من تاهيل ابنا المنطقة واعطاء الاولوية لهم فى كل الوظائف وتراخيص العمل التجارى والزراعى وصولا الى الادارات العليا و تكوين المجالس المحلية و البرلمان الاقليمى.
  • الاستقلالية الثقافية – من خلال تطوير و صيانة تراثهم الفنى و الفولكولورى و بلغاتهم المحلية و تاهيل مترجمين لربطهم بمكونات المجتمع الارتري الثقافية الاخرى.
  • الكوناما و العفر ليس لديهم ” حساسية” من اللغة العربية- منطقة العفر كانت اول من واجه الجبهة الشعبية بعد التحرير.

في موضوع التدريس بلغة الام- قالوا للشعبية لانريدكم ان تعلموننا لغتنا – نحن نعرفها- نريد تعلم اللغة العربية وقد كان!! اما الكوناما فان الامر كان اكثر تعقيد يحكي لي احد الاخوة انه بعد التحرير 1996 وفي اعمال “سيمنار” عقد فى “أسمرا” حول موضوع اللغات قام الدكتور “الكسندرناتى” من الكوناما بمداخلة قال فيها: نحن نريد لغتنا و نرفض هيمنة اللغتين: العربية و التقرنية- و بعد حوار مطول معه امتد قرابة عام كامل تراجع  الدكتور و قال: انصح اخوتي  الكوناما بتعلم اللغة العربية الى جانب لغتهم لان البيئة المحيطة و التراث المشترك يجعلنا اقرب اليهم… توفى مؤخرا رحمه الله. و الجبهة الشعبية اقرت اللغة العربية باعتبارها لغة الرشايدة!؟ هل هذا جهل بالتاريخ ام تضليل و تحريف للواقع ام عمى سياسى حجب عنهم رؤية المستقبل. الرشايدة و اكثر عمقا و انتشارا بين الارتريين.. هل يكفى ان اقول بان من يكتبون و يقرأون العربية بين الكوناما اكثر من اولئك فى الرشايدة!؟                                                                                                                     قبيلة الرشايدة فى رحلة الشتاء و الصيف التى تقوم بها من والى السودان ليس لديها الاستقرار الاجتماعي و الثقافى الذى يحدد علاقاتها مع محيطها.

2- قضية القوميات لا تخص أصحابها فقط- لا يجب ان نتركها لهم و نكتفى بدور المستمعين انها جزء من قضية عامة و مستقبل مشترك. اذا كنا نطالب بالديمقراطية للشعب الارتري فمن البديهى ان تدخل تلك القوميات ضمن ذلك السقف و من حقنا ان نسال و نبحث عن مصداقية التمثيل كما نفعل مع من يدعى تمثيل الشعب باسره.                                                   من حق اي مجموعة ان تطالب بحقوقها و تدافع عن قضيتها و لكن من حق الاخرين ان يكون لهم رأيا لان هناك ثوابت سياسيه و جغرافية ( حدود الدولة و علاقاتها الاقليميه و الدولية) و مصالح لمكونات المجتمع الارتري الاخرى قد تتقاتع و تسبب مخاطر لمجمل ما يحمله ذلك الوعاء ( الوطن).

3- يجب علينا مشاركة ابناء تلك القوميات همومهم و ان نجعل طموحاتهم و احلامهم جزءا من الذاكرة الجمعية للامة. عندها سيعمل ابناء تلك القوميات على وضع مصلحة الوطن ضمن اولياتهم و يجعلون منها سقفا لتحديد مطالبهم و محتواها.

واذا جعلنا من الخارطة الجغرافية دليلا للاتصال و التواصل ووسيلة للتفاعل و التلاقح و نكون “عفريون” فى عصب و “كوناما” فى بارنتو عندها سيكون ابناء تلك القوميات “ارتريون” فى امتدادتهم و ارتباطاتهم- لان تثبيت و ممارسة الهوية الخاصة لا يتعارض مع الانتماء الى الهوية العامة (الوطن)

ان التنوع الثقافي و التعدد العرقى و الختلاف الديني يمثل قوة للنسيج الوطني و عندها لا يبقى و لا يدوم حتى من يحاول الهيمنة و الاسئثار.

 

4- بدون عودة الديمقراطية و قيام دولة الدستور و القانون و التعددية السياسية لن يتم حل قضية القوميات حلا جذريا و نهائيا. ستبقى كل الحلول فى غياب الديمقراطية عبارة عن “مسكنات” وتمويه و انصراف عن جوهر القضية.

لذا لابد ان يبدأ الحوار منذ الان و خلال المرحلة الانتقاليه مع اصحاب و ممثلي تلك القضايا لربطها بشئون المركز و لجعلهم جزءا من الحل و ليس جزءا من المشكلة.

فى اوقات الشدة و حينما تواجه الامة خيارات صعبة عليها ان تحدد اولياتها بوضوح دون اسقاط بقية القضايا الفرعية.

 

كان اللة فى عون الشعب الارتري

 

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=39489

نشرت بواسطة في يوليو 23 2009 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010