خواطر على هامش تقريرعن الزمر

(الزمر يحضر الدكتوراه من وراء القضبان

وطلابنا يتعمدون الرسوب فى الدراسة)

 عمرليلش- لاهاى

 

غريب هو امر الناس فى هذا العالم!!

اناس لم يستسلموا لليأس حتى وهم  وراء القضبان بينما من هم خارجه كسر فيهم الآخرون الطموح ونال منهم اليأس الى درجة انهم  تعمدوا الرسوب فى الدراسة…..

اناس يسمح لهم بمواصلة دراسات عليا وهم فى السجون وآخرون صغار ينزعون من احضان امهاتهم لدخول معسكرات التجهيل والتهجين  والمصير المجهول…..

رجل فى العقد الرابع او الخامس من عمره، فى  بلاد مصر يجتهد  لنيل النجاح و خدمة البشر ….

و الطالب الصغير فى بلادى يجتهد لينجح فى وسيلة الهروب والوصول الى بلد بعيد فيه يستقر.

 

غرقت افكارى بتلك الخواطر وانا اقرأ على صفحات موقع عونا الالكترونى على شبكة “الانترنت” تقرير سياسى  منقول عن شبكة الأخبار العربية تحت عنوان ( طارق الزمرة والسلطة .. دكتوراه من خلف القضبان).

 

عاد ذلك  التقرير بسجل ذكرياتى  الى صيف العام الماضى بالقاهرة  وبالتحديد فى احد مقاهى” العجوزة”، وكان فى صحبتى وقتئذ بعض افراد الجالية الأرترية من الطلاب.

 ونحن فى نقاش هادئ عن هموم الدنيا والوطن اذا بى اسمع تهنئة غريبة من نوعها تبادلها طالب كان جالس معنا ، مع  آخر جاء لتوه ليشاركنا الحديث.

وبما ان  تبادل  التهنئة  كان بمناسبة رسوبهما فى الأمتحانات، لم اعطى فى البداية اى اهتمام  للموضوع، ظنا منى ان الموضوع مجرد مزحة  او نكتة عابرة كتلك التى عادة يستعملها الطلاب احيانا للتخفيف عن هموم الغربة والوطن، الا ان الأمر بدأ لى جديا حينما ذكر كل منهما اسم المادة التى رسب فيها.

 فالرسوب فى مادة ما ليس بشئ غريب  فى حد ذاته على طلاب الجامعات ولكن الغريب هو ان يهنئ المرء بمناسبة رسوبه، مما جعلنى اخذ الوضع مأخذ الجد واستفسر عن اسباب التهنئه.

الإجابة على استفسارى،  زادت من حدة استيائى عن وضع الشعب الإرترى فى الداخل والخارج،  حيث اتضح ان طلابنا يتعمدون الرسوب فى المراحل الأخيرة من دراستهم، كاستراتجية، لضمان الحصول على تأشيرة الإقامة وذلك لأن الأقامة الشرعية فى بلاد المهجر وخاصة الدول العربية مرهونة بالدراسة ولذا لم يعد النجاح سترة النجاة كما هو مألوف… بل هى بمثابة  تأشيرة المغادرة الى مصير محهول.

 

وعاد بى شريط ذكرياتى ايضا  الى ماضى بعيد…. حين كان يكرم الطالب بمناسبة نجاحه بدءاَ من “زغاريط” الأمهات و الخالات والعمات او “الحبوبات”،  ومرورا بتوزيع “الشربات”  وتلاوة عبارات التهانى من قبل الأهل والأصدقاء و وختاما بإقامة المحافل  او توزيع الصدقات و “الكرامات”….

 هكذا كان ننتظر لحظة اعلان نبأ النجاح حينها … .

 كان الكل منا ينتظر هذه اللحظة، اى لحظة التكريم على النجاح بفارق الصبر، اما اليوم قد دفع النظام الحاكم فى اريتريا بطلابنا فى المهجر  بأن يتعمدوا الرسوب بل يحتفلوا به حيث الرسوب فى الدراسة يعنى النجاح فى الهروب من جحيم العودة الى ارتريا، لأن الرسوب يتيح لهم فرصة اعادة السنة الدراسية و بالتالى يكفل حق الحصول على الأقامة الشرعية واتقاء  شر العودة طوعا او الترحيل جبرا. ” والغاية تبرر الوسيلة”

 

هذا يؤكد لنا درجة المآساة التى عليها شعبنا، حيث شذوذ نظام هقدف الإرترى فى كل شئ جعل من طلابنا ان يكون  شاذين ايضا فى سلوك دراستهم  بالمقارنة مع جميع طلاب العالم… حيث يحتفل اولئك بالنجاح اما طلابنا فيحتفلون  بالرسوب ويتبادلون التهانى على ذلك، مما يجعل اقرانهم فى الدراسة يستغربون و يتعجبون عن اسباب رسوب الطالب الأرترى فى السنة الأخيرة من الدراسة  وخاصة ان الطالب الإرترى معروف بتفوقه فى الدراسة و حصوله  على اعلى الدرجات  فى جميع المراحل الدراسية عدا الأخيرة  ولذا عجز اساتذة الجامعات والطلاب  الغير ارتريين  عن تفسير  سر رسوب الطالب الأرترى المتفوق فجأة فى مادة او مادتين فى عام التخرج ويتخلف عن دفعته التى كان هو اعلاهم فى الدرجات واكثرهم تفوقاً.

 

 مما تم ذكره اعلاه يتضح ان الطالب الإرترى فى البلاد العربية يجد نفسه بين نارين ابردهما، اشدهما حرارة، فاما ان يبان على حقيقته دون ارتداء قناع الفشل وينجح بجدارة وتفوق  كما هو معهود، وسيترتب على نجاحه بالتالى  قرار مغادرة  البلاد التى تخرج منها ويحكم بذلك على طموحه ومستقبله وآمال اهله عقوبة الإعدام، او ان يلعب دور الطالب الفاشل ويضحى بفرصة تتويج التخرج مع دفعته ويضمن بذلك سلامة حياته.

 

 

ويبرر احد الطلاب فى تلك الجلسة اسباب الرسوب المتعمد قائلاً:

ان ممارسات نظام اسمرا القمعية اوصلتنا الى حال احلاهما مر….

 فمن منا لايريد النجاح ويقبل بالفشل….

فمن منا لايريد سماع “زغاريط” الأمهات …

 فمن منا لايحلم بنشوة النجاح وتوزيع “الشربات”….

 لكننا قد اجبرنا فى ان نبدل فرحة النجاح بقبول الفشل… ليس لشئ الا لنحافظ على سلامة ارواحنا

واضاف قائلاَ:

( انظر كذلك الى وضع طلابنا فى الخليج وعلى وجه الخصوص فى السعودية، حيث يخاف الطالب فى  ان ينجح فى امتحان الشهادة الثانوية، لأن النجاح يعنى له نهاية المطاف، حيث لا يحق له دخول الجامعات السعودية…

 فهل هناك مآساة اكبر من هذه والمآساة  فى ان لايكون لك موطن حر تعود اليه…

 فهل هناك مآساة اكبر فى ان يكون انتماءك الى  بلد فيه نظام يحتقر العلم والتعليم والحياة الحرة الكريمة….

 فهل هناك مآساة اكبر من يكون لك بلدا تحكمه عصابة تدعوا الى الجهل والفساد والزج بالشباب والطلاب الى معسكرات الجحيم بدلا من حثهم وتشجيعهم عل التعليم.

 

و على هامش الحديث سألنى احد الجالسين قائلاَ: هل عرفت الآن لماذا نتبادل التهانى على الرسوب؟

 والحق يقال ان كلمات التعازى قد عجزت  فى ان تزيدهم صبرا اكثر مما هم عليه الآن …  و لن اجرو على ان اشجيعهم  على ترك حيلة الرسوب المتعمد ، ولذاقد  فضلت ان اختم نقاشى معهم فى هذه المعضلة بذكر قول شاعر حزين، لعل كلماته تنوب عنا فى التعبير عن  مدى الحزن والمصيبة التى نحن عليها الآن. حيث يقول الشاعر:

 

ماتت العيون من جفا قطرها

وماتت النحل من ذبل زهرها  

وماتت الامة بعد ضياع سيرها

   

  واقول انا:

علمتني الحياه ان لا ابكي على الامس …
لان لي املا في الغد …

 

وفى الختام ادعو الله  قائلا :

ياسميع الدعاء كن عند ظنــي وأكفـــني من كفيته الشر مني  

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=6927

نشرت بواسطة في فبراير 22 2006 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010