1 سبتمبر – عيد الأضحى

كان يجدر بي أن أستعين بالكَتَبَة المَهَرَة، حين هذا التلاقي النادر، حتى أستطيع أن أصل العيدين بما فيهما من تضحيات ببعضهما، وبالرغم من أنّ العقيدتين اللتين أسّس لهما العيدان لا تكادان تفترقان إلا في قليل من جوانب الممارسة. لعلي أجد أنّه من الحكمة أن أفرّ فراراً من المواجهة المتوقعة مع من لا يرغب في الصلة العقائدية بين العيدين، ومن ثم عليّ أن أوجز فأُوغل في قيمتي التضحية والوحدة اللتين يمثلهما العيدان.

وبما أنّ التعريف السليم يكون مرتكزاً أساسيا للبداية السليمة، فإنّ الأول من سبتمبر – أو قل حَتِّي سبتمبر أو حتى – بَحتِي مسكرّم (وليس الفاتح من سبتمبر  فذاك تسلّق غير سوي للكبير على الصغير جلبته مصالح آنية غير سويّة كانت نتيجتها إغتيالات مستمرة للأحياء والأموات دون استثناء!!!) كان الأول من سبتمبر إيذاناً بسلسلة من التضحيّات من أجل أسمى الأهداف وهو تحرير الإنسان من ظلم أخيه الإنسان ومن ثم الوصول بالشعب المغلوب على أمره إلى الحرية والإختيار السليم، كذلك حين غدرالمجتمع الظالم بإختيارات نبيّ الله إبراهيم، عليه السلام، ومن ثمّ بدأت رحلة الحج الأولى سعيا منه للوصول إلى الهدف الأسمى وهو الحرّية وتقرير المصير ومن ثمّ ينتهي به الأمر إلى التضحية الأعظم بأمر من الله سبحانه وتعالى.

خرج نبي الله إبراهيم مهاجراً بأهله (هاجر وولدها) إلى حيث لا يجده من أراد إستئصال تلك البذرة التي كانت تحمل أقدار العالم بين خباياها إلى حيث تبدأ وتنبت وتستمرّ وتسود، وقد بدأت المعانات بالعطش وقلة الحيلة، حينها كان سند هاجر وإبنها العقيدة الراسخة والإيمان بالقضية من منطلق الإجابة على السؤال الكامن فيه مصير الأمم “آلله أمرك بهذا؟؟؟” وبما أنّ الإجابة كانت بالإيجاب فالعقيدة الراسخة أخذت الصدارة وقد كان شعارها ((إذن لن يضيّعنا!!!))، وهل هناك صلة أكثر قوةً وصدقاً من تلك التي قد تربط هذه القصة بنفرٍ ضعافٍ مكانيا وزمانيا وحتى عدداً وإعدَاداً وعُدّةً، حين إنطلق عواتي ورفاقه يحملون العقيدة الراسخة والأهداف النبيلة والإستعداد للتّضحيات الجسام في سبيل الوصول بأمّتهم إلى الحرية وتقرير المصير ومن ثم الوصول بالعقيدة الإنسانية النبيلة التي يحملون إلى كل ما يمكن أن تصل إليه، فتلكم كانت رسالة إنسانية بشموليتها.

العدو الألد لعواتي ورفاقه حينها كان قلة الإمكانيات وضعف المؤهلات ولم يكونوا يحملون من الأقدار إلّا مواجهة العدو المزدوج والمتمثل في قلة الإمكانيات وبطش نظام إثيوبيا الإستعماري، سلاحهم في ذلك العزيمة والإصرار ثمّ الإيمان المطلق بقضيتهم، ولينحتوا بأظافرهم في الصخور الصماء، بطولات هائلة إيماناً وعملاً بمبدأ ((إذن لن يضيّعنا!!!)) كما لم يكن لهاجر وإبنها في تلك الصحراء القاحلة إلاّ السّعي صفاً ومروةً ومحاولة البحث عن حلّ لأزمتهما المستفحلة. وبما أنّ الحلول دائما تأتي بالعمل الدؤوب والتضحيات الجسام فقد شارك حتّى الرّضيع في العمل الدؤوب حتى نصره الله بمنحه الماء العذب بتفجير بئر زمزم بين قدميه.

أصبح لهاجر ومناطق سيادتها مكانة متميزة بين كلّ مرّ بها وكل من حولها، فقد تمكّنت من تثبيت أقدامها في ذلك المكان وأسست للحياة المستقبلية، ومن ثمّ القوة والقدرة على الإستمرار، فحين المواجهات العصيبة وبعد ميلاد ثورة الشعب الإرتري كانت هناك تضحيات جسام من عدد من الرجال قليل، وإمكانيات وقدرات وعتاد ضئيل، إلّا أنّ الإصرار على الإستمرار مكّن الثورة من الميدان وسار إليهم الناس أفواج بعد أفواج، وسارت ثورات أمم أخرى تدرس بدايتهم بإعتبارها بداية رهيبة من العدم المطلق.

التضحيّات كانت تتعاظم مع كلّ تقدّم، فسقط “فايد” ثم توالى تتابع العظماء نحو وجهته شهيداً تلو الآخر، قياداتاً وأفراداً، ذهبوا أفواجاً متتابعة. فالأمر منذ بدايته كان مشروع تضحيّات تتبعها تضحيّات، ظلت خلالها مراحل الثورة تتأرحج صعوداً وهبوطاً، وربّما وصلت في عددٍ من مراحلها إلى تهديد لكلّ هذا المشروع الإنساني في مجمله، حيث كان الإندثار والهزيمة النّهائية الإحتمال الأقرب إليه من الإستمرار، إلّا انّ العقيدة الراسخة والمبدأ الذي لا ينفصم كانا يحملان قوة العودة. فحين أتى إبراهيم عليه السلام وقصّ لإبنه رؤياه التي أوعزت له بذبحه ومن ثم إنهاء المشروع الإنساني الشّامل الذي كان يتمثّل في إسماعيل عليه السلام، هنا كانت التضحية أسهل وخضع الشاب لذات مبدأ بداية والدته، فانصاع لذبحه وقدم نفسه فداءأ سهلاً طالما سيصبّ أمره هذا في صالح المشروع الإنساني الذي أراد الله له أن يعمّ كلّ أوجه الحياه.

وبما أنّ التضحية لن تكون دون هدف ومشروع – تتم فداءاً له، إنصاع الشاب أو المراهق إسماعيل مقدماً حياته فداءاً للمشروع الإنساني الضخم، نتج عن ذلك أن جعل الله تلك الحاله البداية الحقيقية للمشروع الأعظم وهو إعداد الشابّ إسماعيل للرسالة العظيمة التي ستؤدي حتماً إلى الرسالة الأعظم بتقوية عقيدته الراسخة من منطلقات مبدأ ((إذن لن يضيّعنا!!!))، ذات العقيدة هي التي دفعت بالكرام من رجالات الرعيل الأول – طالبي الحرية وتقرير المصير لشعبهم الذي ظلّ يئن تحت صنوف الإستعمار على مدى عقود متتالية من غزوات الأحباش إلى الترك فالمصريين والطليان ثم الإنجلير وإنتهاءاً بسارق الوطن والمواطن – إستعمار إثيوبي بإقرار أممي بضمّ إرتريا قسريّاً ونهائيا إلى كيانه.

أدت جسام تضحيّاتهم إلى الرسالة الأهم وهي إستنفار الشعب الإرتري برمته نحو مساندة قضيته ومشاركته بالغالي والنفيس وصولاً إلى وحدة هدفه وتمازجه، ذلك بعدما عمّت إرتريا أجواءٌ ثوريةٌ لا يسمع فيها المواطن خبراً أهمّ من الذي يأتيه من الميدان. هذه الأراضي المحرّرة المسماة إرتريّاً بالميدان وهي الذي كانت تهوي إليها الأفئدة أصبحت البيت الأهم في تاريخ هذه الأمة، بناها الكبير والصغير ساعداً بساعد، إتباعا لسبيل نبي الله إبراهيم عليه السلام حين “يرفع القواعد من البيت وإسماعيل” مشيّدان بذلك صرحاً للحرية والإنسانية يكون مأمناً ومصدراً للحياة والرزق من كل الثمرات.

جعل ذلك الواقع هذا المكان بمجريات أحداثه عبر الأزمنة ورسوخ إرتباطه بقوة العقيدة والإيمان قبلة لكلّ الأمم، تلتقي فيه وتناقش أمورها ومستقبلها، هذه الحالة التي تشير بالبنان إلى الديمقراطية الحقيقية، ممّا جعله التجمّع الإنساني الأكبر، واضعاً بذلك نواةً قويّةً لمؤتمر سنوي جامع  لكلّ الأمّة من كلّ مكان، معبّرا عن وحدتها وترابط مصيرها وسكناها. هناك، لا تبقي لها أمراً إلّا وناقشته، ولم لا وقد تجمعوا وأجمعوا على الوحدة شكلاً وتشكيلاً، إنهم داخل وحول بيت لهم عظيم، فيه مثابة لكلّ النّاس وأمنًا. بيتٌ يهوي إليه فؤادي دائما أحج فيه لربّي، ثم بيت أعيش فيه متعة الحياة لذاتي أبني داخله ومن خلاله سكناً آوي إليه وأسعى في أسواقه بحثاً عن رزق عيالي، أعيش فيه آمناً مطمئنّاً، أرفع فيه رمز عواتي، أرفع فيه شعار سبتمبر، إعتزازاً وإفتخاراً.

أنتظر الحج الثاني إلى موطني، إلى إرتريا العزة والفخار، نحجّ إليها جميعاً من كل حدب وصوب – بعد أن نكمل مسار آبائنا إبراهيم وإسماعيل وأمّنا هاجر عليهم جميعاً سلامٌ من الله ورحمةٌ منه وبركاتٌ، نلتزم بما ألزم الله به نبيّه إبراهيم عليه السلام وإبنه إسماعيل، نلتزم وإياهما بالأمر الإلهي واجب النفاذ حيث كان عليهما أن يطهّرا البيت للطائفين والعاكفين والرُّكّع السجود. نكمل بذلك مسيرة الوصول إلى الهدف الأسمى وهو الحرّية وتقرير المصير.

نعمل ليل نهار على إستعادة بيتنا ونحن ذاك الجيل مسلوب الهوية الملزم بإكمال المسيرة، فقد ورثنا عمل العظام من رجالات الرعيل الأول والمناضلين والمناضلات الأفذاذ ممن منحوا الأوطان حيواتهم، وشقوا  بإراداتهم الصلبة طريقاً لنا، محققين بذلك مسيرة أسلافهم إبراهيم وإسماعيل وهاجر، وقد سلّمونا الأمانة بكلّ ما فيها من عظيم الإنجازات وجليل التضحيّات، لنعمل على إستكمال هذه الرّسالة الإنسانية، فنطهّر بيتنا ونمهّد لإحقاق الحقّ سبيلاً. ولا نملك في ذلك من مسلك إلّا بالتوحد الحقيقي المعجز، وليس وحدة الأبواق، والعمل الميداني الناجز وليس بإنتظار ما تأتينا به الأسواق، ولن نحتاج في ذلك ما هو أكثر من فكرة تشتمل على لبّ أهدافنا وترأب صدوع الهوان التي تتهدّد بنيانِنا، ولن يطهر بيتنا ولن يصلح لسكنانا إلّا بإخراج الأوبئة ومسبّباتها منه، ولن يخرج العدوّ إلّا بوجود أصحاب الإرادات أولوا البأس الشديد، يعقدون العزم على إخراج الغريب الذي يسكن بيوتنا من حيث أخرجنا فنعود عزازاً كراماً إلى ديارنا الآمنة المؤَمّنة للسائحين والساكنين والصُّنّع الكدُود.

 

 

 

Bush.bark@outlook.com

بشرى بركت

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=41935

نشرت بواسطة في أغسطس 21 2017 في صفحة البشرى, المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010