قراءة حول قرار مجلس الأمن 1907 ضد إرتريا

مدخل تأريخي:

في الفترة من 9/3 حتي 9/5/1950م أرسلت الأمم المتحدة بعثتها الخماسية المكونة من مندوبي باكستان وجواتيمالا وبورما وإتحاد جنوب أفريقيا والنرويج لتقصي الحقائق ومعرفة إتجاهات ورغبات الشعب الإرتري من الإستقلال ومدي بلوغه الرشد الذي يمكنه من حكم ذاته.

تباينت آراء البعثة حيث رأت كلاً من باكستان وجواتيمالا منح إ رتربا الإستقلال بعد فترة وصاية لمدة عشرة سنوات تدار خلالها البلاد بواسطة مجلس إستشاري من الإرتريين مطعم بمندوبين من خمسة دول بينهم دولة عربية، بينما دافع مندوبي بورما وإتحاد جنوب أفريقيا عن صيغة من صيغ الإتحاد الفيدرالي مع أثيوبيا كما إقترحا تكوين مجلس إستشاري من مصر وأثيوبيا وبريطانيا، بينما تقدم مندوب النرويج بمقترح إسترضاء أثيوبيا بإعطائها السيطرة علي الشريط الساحلي من جهة الشرق علي أن يختار بقية الشعب الإرتري بين الإنضمام للسودان أو الإستقلال.

في خضم هذه التناقضات تقدم الإتحاد السوفيتي بمشروع قرار يمنح الإستقلال التام لإرتريا فوراً مع إعطاء أثيوبيا منفذاً إلي البحر عن طريق مصوع، وإقترحت بولندا تحقيق الإستقلال بعد فترة وصاية لثلاث سنوات يدير إرتريا فيها مجلس إستشاري مكون من ستة أعضاء ثلاثة منهم إرتريون وإثنان يمثلان دولتين عربيتين وسادسهم أثيوبي.

إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية رأت أن إستقلال إرتريا لا ينسجم مع مصالحها الإقتصادية والعسكرية وعقدت لذلك العديد من المحادثات السرية وقامت بالعديد من عمليات الإبتزاز للدول التي تقف مع إقتراح إستقلال إرتريا ورأت أن إستقلال إرتريا سيكون بادرة لسلسلة من المناداة بالحرية للدول الأفريقية التي تغط في نومٍ عميق، وهكذا أصدرت الأمم المتحدة قراراها رقم 390 / أ /05 عام 1950م، بالمقابل وقعت أمريكا علي إتفاقية مع أثيوبيا في 22 يوليو 1952م أنشأت بموجبها قاعدة عسكرية في أسمرا.

 يتضح من الأحداث التأريخية  أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت دائماً تتخذ مواقفها تجاه إ رتريا بما يتناسب مع مصالحها دون أدني إعتبار لمطالبات الشعب الإرتري المشروعة في الحرية والإستقلال، ولا حتي دون أن تكلف نفسها عناء التفكير في الدماء التي ستراق والمعاناة التي سيعيش فيها الشعب المغلوب علي أمره، كان كل همها السيطرة العسكرية والإقتصادية علي البحر الأحمر خاصة وأن إ رتريا تعتبر ثالث أكبر دولة تطل علي البحر الأحمر، وهكذا يعيد التأريخ نفسه لتقف الولايات المتحدة الأمريكية اليوم خلف القرار 1907 الصادر من مجلس الأمن تحت البند السابع ضد إرتريا المستقلة ليس لمصلحة شعبها ولكن لذات الأطماع القديمة المتجددة وإن إختلفت الأسباب… السيادة الوطنية علي البحر الأحمر…  لم يكن دافع القرار إنتهاكات أو تجاوزات إنسانية للحكومة الإرترية ضد شعبها بل كانت الأسباب والدوافع قضايا خارجية كانت أمريكيا هي من صنعها مثل أزمة الصومال منذ عشرين سنة.

إن المعارضة الإرترية التي هللت لهذا القرار وإعتبرته إنتصاراً لمساعيها السياسية بل أكثر من ذلك إعتبرت أن القرار بداية النهاية لهذا النظام الدكتاتوري إنما تعيش في وهمٍ كبير ستستيقظ منه علي سرابٍ بقيعة يحسبه اليائس فرجا، إن هذا القرار ما هو إلا بداية لصراع دولي في المنطقة سيكون أطرافه أمريكا وإسرائيل وإيران وستكون إرتريا ضحية صراع الأفيال هذا خاصة إذا ما لعبت أثيوبيا العدو الحانق دور الرمح الذي سينغرس حيثما شاءت له أمريكا حينها لن تجد الحكومة ولا المعارضة وطناً تختلف وتتفق فيه، لذلك فإن المطلوب من الجميع النظر للأمر بإدراك يتجاوز الرؤية الإنتهازية التي تسعي وراء مكاسب آنية سرعان ما تنقلب وبالاً علي الجميع مثلما قال الصادق المهدي رئيس الوزراء السوداني السابق ” من فشَّ غبينته خرب مدينته “

إن أثيوبيا كانت وما زالت تنظر لإرتريا كالإبن المارق الذي خرج عن طوع أبيه وهي لا تفتأ تختلق الأزمات لتسلب إستقلال إرتريا إن لم كلياً فجزئياً علي الأقل فيما يتعلق بالبحر الأحمر والموانئ الإرترية، لذا فإن المعارضة الإرترية في أثيوبيا عليها أن تتبين العدو من الصديق وأن لا تقدم الوطن قرباناً لأعدائه تحت دعوي إسقاط النظام فهذه  الدعوة لا تبيح لهم التضحية بإستقلال إرتريا ويكفي ما فعله بعضهم إبان الحرب الحدودية في بادمي فإن التأريخ لا يغفر للعملاء، كما أن علي الحكومة الإرترية وهي تواجه هذه التحديات أن تترك سياسة العناد والمكابرة وأن تتجاوز عقدة خصومات مرحلة الثورة في تعاملها مع معارضيها، وأن تسعي جاهدة لتجنيب البلاد والشعب مآسي حروب جديدة هو في غني عنها بل ليس لديه القدرة علي خوضها في غير معترك ومصلحة، إن الطريقة الصبيانية المراهقة التي تحكم تعامل الحكومة مع معارضيها لم ولن تصب في مصلحة الوطن أو الحفاظ علي الإستقلال وستدفع ببعض اليائسين ليصبحو كرزايات القرن الأفريقي الجديد حينها سنبكي علي اللبن المسكوب ” ولات حين مندم “

إننا لا نخاف من الإستهداف الخارجي لوطننا بقدر ما نشفق عليه من رعونة بعض أبنائه في الحكومة والمعارضة أن تودي بنا وبوطننا إلي الهلاك وأن تصبح مشاكلنا الداخلية مطية للتدخلات الخارجية وسبباً للإستهداف الأجنبي الذي قطعاً لن يكون في مصلحتنا جميعاً.

إن الصومال الذي تبكي عليه أمريكا وتجعله ذريعة لتجويع وحصار وكسر إرادة شعبنا ظل تائهاً منذ عشرين سنة وأنها هي نفسها من خلق هذه الأزمة الصومالية وكانت وما زالت تغذي أمراء الحرب من كل الأطراف المتقاتلة ليظل الصوماليون شعباً بلا وطن ولتظل أثيوبيا جاثمة علي إقليم الأوقادين المغتصب، إن الصومال لن تحل أزمته بحصار وتجويع جيرانه إنما بالبحث الجدي بين أطرافه المتحاربه عن سبب الأزمة وذلك بجلوس كل الأطراف المتحاربة بعيداً عن التدخلات الأجنبية خاصة أثيوبيا التي تحتل جزءاً من أراضيه في إقليم الأوقادين، إن دعوة بعض الأطراف الصومالية  لتدخل أثيوبيا بدعوي الحل تشبه قول الشاعر ” يا أمة لخصومٍ ضدها إحتكمت كيف إرتضيت خصيما ظالماً حكما ؟! ” فأثيوبيا ليست هي الطرف الذي يبحث عن مصلحة الصومال إنما هي العدو المحتل الذي كان يجب علي كل الصوماليين أن يتحدو لمقاومتها ولإسترداد إقليمهم المغتصب.

أما فيما يتعلق بتحالف المعارضة الإرترية الذي يتخذ من أثيوبيا مقراً له فحريٌ به أن يسجل الموقف المشرف وذلك بالإنجياز إلي الوطن وتجاوز كل الخصومات وأن يصوب بندقيته نحو العدو المشترك ثم ليتفرغ بعد ذلك لمعارضة من يشاء في وطنٍ حرٍ مستقل.

 

سيناريوهات محتملة للقرار 1907

1/ سيناريوهات داخلية

أ/ فيما يتعلق بالجبهة الشعبية الحاكمة والخطوات التي من المحتمل أن تقوم بها:

1-     رفض القرار والهجوم عليه بكل الوسائل الإعلامية المتاحة.

2-     الإنفتاح أكثر علي الدول التي تعادي أمريكا خاصة – إيران.

3-     إلتفاف أكبر للشعب حول الحكومة نتيجة للدعاية الحكومية التي ستصور القرار وكأنه إستهداف أمريكي أثيوبي للسيادة الوطنية.

4-     إحياء روح التحدي والمواجه وسط الكوادر المنظمة للحزب الحاكم.

5-     قيادة حملة التحدي بالإجتهاد في إنجاز بعض المشروعات التنموية الكبيرة كرد علي القرار وإظهار عدم تأثيره وجدواه.

6-     تنشيط ودعم شبكات التهريب غير المشروعة للإستعاضة عنها في توفير ما سيشمله الحظر من الأسلحة وقطع الغيار وغيرها.

7-     تشجيع قراصنة البحر للهجوم والإعتداء علي المصالح الأمريكية.

8-     الإنفتاح بعمق أكبر علي السودان وعدم الضغط بمطالبات أمنية بقدر المطالبات الإقتصادية بإعتباره النافذة الدولية الوحيدة.

9-     التعنت أكثر تجاه المعارضة في الخارج وتثبيت الصورة النمطية بأنها عميلة خاصة بعد وقوفها بجانب القرار.

10-إجراء بعض الإصلاحات في الداخل والتساهل مع المعارضين وربما إطلاق سارح بعض المعتقلين السياسيين والصحفيين لإستعطاف الرأي العام العالمي وسحب البساط من أي دعوي لتصعيد القرار لمواجهة عسكرية  بموجب الفصل السابع.

11-تهدئة الجبهة الأثيوبية وربما العمل علي تسوية ولو تكتيكية لتحييد الضغط السياسي وعدم تصعيده لضغط عسكري.  سواء عبر الجيش الأثيوبي أو المليشيات الإرترية المعارضة علي الحدود بين البلدين.

 

ب/ سيناريوهات محتملة للمعارضة الإرترية

1-     الترحيب بالقرار عبر الوسائل الإعلامية المختلفة وإظهاره وكأنه إنتصار لمساعيها الدبلوماسية في تعرية النظام أمام الرأي العام الدولي.

2-     مطالبة المجتمع الدولي خاصة أمريكا وأثيوبيا بالمزيد من الضغط حتي سقوط النظام.

3-     محاولة إقناع الرأي العام الشعبي في معسكرات اللاجئين بالسودان والجاليات الإرترية في العالم بعدم تأثير القرار علي عامة الشعب وأنه فقط يستهدف النظام.

4-     لن تستطيع المعارضة أن تصعد عملياتها العسكرية التي ستؤثر علي النظام وذلك لعدم وضوح الرؤيا في التحالف حول هذا الخيار ولضعف الأجنحة العسكرية للتنظيمات التي تملك ذلك، ولكن ربما تقوم بعض التنظيمات بمحاولات فردية بشن بعض الهجمات المحدودة لتوتير الجبهة علي الحدود الإثيوبية الإرترية.

5-     ربما تظهر بعض الأصوات في المستوي القيادي لبعض التنظيمات ترفض القرار مما سيقلل من إمكانية الإستفادة منه.

6-     تسخير الآلة الإعلامية المهارضة للهجوم ضد كلصوت يقف ضد القرار ووصفه بالخيانة والإرتماء والعمالة في حضن الدكتاتورية.

7-     ضعف إحتمال إستفادة المعارضة من إنعكاسات القرار لضعفها الداخلي ولفقرها في توفير الشخص الذي يتماشي مع مطالب المؤثر الدولي الذي تتوفر فيه صفات البديل القوي والمقبول داخلياً وخارجياً.

8-     ستظهر فجوة بين التنظيمات وقواعدها التي تتعاطف ضد القرار الذي سيؤثر علي الشعب بالداخل.

9-     ضعف  تحرك المعارضة في السودان نتيجة إستحقاقات العلاقة الجيدة بين البلدين سيمنع المعارضة من إمكانية الإستفادة من قواعدها في معسكرات اللاجئين والمدن السودانية لحشدها لصالح القرار.

10-في حالة ظهور مكاسب لتأثيرات القرار ستتسابق المعارضة بشكل فردي أو كتكتلات متحالفة لكسبها قبل الآخرين مما سيضيع الفرصة علي الجميع مثلما حدث مع المعارضة التشادية أثناء حصار القصر الرئاسي في إنجمينا.

 

سيناريوهات خارجية

1/ أثيوبيا

1-     العمل علي الإستفادة من القرار لصالح موقفها في قضية ترسيم الحدود.

2-     ستعتبر القرار إنتصاراً لمساعيها الدبلوماسية وتأكيداً لإتهامات إرتريا بدعمها للمعارضة الإسلامية الصومالية ورعايتها للإرهاب ودعمها للحوثيين والقاعدة في اليمن.

3-     وضع الحدود في حالة تأهب ودعم وتقوية المليشيات الارترية المعارضة لإستنزاف الجيش الإرتري حتي يسهل التغلب عليه في حالة نشوب حرب خاصة في ظل الحصار العسكري المفروض عليه.

4-     محاولة دعم الإنتفاضة الشعبية في شرق إرتريا بالوسائل الإستخبارية المختلفة وتطويرها لتشمل مناطق أخري.

5-     الضغط علي السودان ليوقف تعامله الإقتصادي مع إرتريا .

6-     العمل علي تهيئة المعارضة الإرترية اليسارية لتولي زمام الأمور في حالة سقوط النظام والتضييق علي المعارضة الإسلامية والعربية لقناعة أثيوبيا بأنهم ليسو الحليف الإستراتيجي في المستقبل.

2/ السودان

1-     الاستفادة من القرار والتلويح بتنفيذه تفادياً لضغوط دولية ستمارس عليه وذلك للكسب في بعض النقاط التي تتعلق بالمعارضة السودانية في إرتريا.

2-     السماح بمرور بعض المواد الغذائية والبترولية وقطع الغيار بالقدر الذي يجعل الجبهة الشعبية في حالة إستجداء دائم الأمر الذي سيقابله طلبات سودانية في قضايا أمنية وسياسية مختلفة.

3-     سيكسب السودان الدعم الإرتري في قضية المعارضة الشرقية وعدم إحتواء أو دعم الأصوات المعارضة لإتفاقية أسمرا.

4-     مطالبة السودان إرتريا للوقوف لصالحه في المحافل الدولية مثلما حدث في قضية محكمة الجنايات الدولية ضد توقيف البشير.

5-     تسويق بعض مطالبات الحكومة السودانية كمقترحات إرترية للمعارضة السودانية المختلفة خاصة في ملف دارفور.

3/ جيبوتي

1-     الإستفادة من القرار بالضغط علي إرتريا حتي تنسحب من الأراضي التي تدعي أنها محتلة من قبل إرتريا،

2-     خنق أي صوت للمعارضة العفرية إنطلاقاً من إرتريا، فجيبوتي لا تطمع أكثر من ذلك.

4/ اليمن والسعودية

1-     العمل علي تحييد الدعم الارتري للحوثيين مقابل بعض التسهيلات لمقابلة الحصار.

2-     مطالبة إرتريا برفض تقديم أي تسهيلات لإيران في المنطقة.

5/ إيران

1-     ستمد يدها بمختلف أوجه الدعم لمقابلة القرار وذلك مقابل الحصول علي قاعدة عسكرية في البحر الأحمر أو علي الأقل إستخدام بعض القواعد الإرترية وتطويرها بما يتناسب وإحتمالات الحرب مع أمرلايكا وإسرائيل.

2-     المطالبة بطرد الوجود الأمريكي والإسرائيلي في إرتريا أو علي الأقل التضييق عليه والتقليل من حجمه وإمكانياته العسكرية.

3-     المطالبة ببعض التسهيلات لإيصال الدعم للحوثيين عبر إرتريا.

 

 

والله من وراء القصد

 

وليد الطيب

25/01/2010م

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=1425

نشرت بواسطة في يناير 26 2010 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010