ما هو سر بقاء النظام الارتري؟

((قراءة تحليلية))

بقلم : أحمد نقاش

Nagash03@maktoob.com

 

قدم الشعب الارتري على مدى اكثر من نصف قرن من الزمان تضحيات كبيرة من اجل استقلال بلاده وتحرير الانسان الارتري من كل مظالم الدهر ومختلف انواع تبعات الاستعمار البرتغالى والتركى والمصرى والايطالى والبريطانى وكذلك الاستعمار الاثيوبي، والكثير من ابناء الوطن المجروح كانوا يتوقعون ان انقطاع   اخر زيل للمستعمر سوف يقطع معه كل انواع الظلم بتأمين كافة الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية وكذلك الحقوق الاجتماعية، كما ان الجميع كان إلى يرنو إلى العيش في ظل دولة القانون والدستور والمساواة والعدل.

لكن شيء من هذه الأهداف لم يتحقق ولم تشرق شمش الحرية على الارض التى ربت وسقيت من دماء شهداء الحرية والتحرر، بل قتلت فرحة الشعب فى مهدها وتم اجهاض كل معانى الحرية والاستقلال ورفرفت راية اريتريا دون اى مضمون، وبكت السماء على ارض بحر نقاش وعواتى ولم تجف فيها دموع الايتام والثكالى والارامل.

هكذا تحول الوطن بأثره إلى سجن كبير بدأ بمعلمى المعاهد الدينية ومرورا بكل معارض لسياسة ونهج النظام، وانتهاء بشباب الوطن وشيوخه والامهات واخيرا بابناء النظام المقربين.

المشهد السائد فى ارتريا اصبح واضحا، حيث بدأ الكل يفر من مكان تواجده ولسان حاله يقول((اكلت يوم اكل الثور الابيض)) والدولة الوليدة تحولت الى دولة قهر ينتهك فيها كبرياء وإرادة الشعب وأصبحت البلاد مرتع جنرلات الحزب الواحد واستبداد رجل يتسلط دون حدود على كل من تصل اليه يده واصبح يتحكم فى شؤون البلاد والعباد بإرادته لا بإرادتهم ويحكم بهواه لا بقانون، ووضع كعب حذاءه على أفواه الملايين، ولسان حاله يقول (( إني لا أرى لكم إلا ما ارى)).

 إذا كان هذا معلوم لدى الجميع والكل يعانى منه و بما فيه مؤسسة الجيش وأفرادها، والكل بدأ يهرب بجلده شطر دول الجوار خوفا من بطش النظام ودون سابق اندار.

 

والسؤال الذى يطرح نفسه بقوة:كيف يستمر هذا النظام؟وما هو سر بقاءه رغم أن الكل يعانى منه ؟!

في هذه السطور نحاول الإجابة على هذا السؤال من خلال ذكر عناصر الضعف التى يستمد منها النظام قوته للبقاء على راس التسلط والاستبداد.

أولا: أزمة الثقة بين مكونات ابناء الوطن:

أزمة الثقة فى عالم اليوم توجد بين معظم شعوب الدول التى تم إنشائها بقرار استعمارى فى النصف الاخير من القرن التاسع عشر. والمستعمر عندما كان يحدد خريطة مستعمرته فى معظم دول افريقيا وما يعرف بدول العالم الثالث لم يكن يراعى وضع شعوب المنطقة ومكوناتها الاجتماعية والثقافية والتارخية والعقائدية، بقدر ما كان يتوقف قراره على مدى امتداد وانكماش قواته العسكرية، مما انعكس ذلك سلبا على شعوب تلك الدول فى تقطع اواصر المكونات الاجتماعية والثقافية مما كان المنشأ الاساسي فى وجود عدم الثقة والاستقرار والتقدم فضلا عن مشاكل الحدود وهذا الوضع ينطبق على كثير من دول القارة السمراء بما فيها الوطن الاريتري، إلا أن بعض تلك الشعوب تجاوزت هذه ألازمة بفضل قادتها الذين عملوا على تقوية الوحدة الوطنية بالعدل والمساواة القانونية.

والمتتبع للحراك السياسي الارترى مند منتصف الاربعينات يلاحظ بكل وضوح، وجود أزمة الثقة بين مكونات المجتمع الإرتري، خاصة بين كتله الكبيرة، (المجتمع المسلم والمجتمع المسيحى) او بين مجتمع “تجرينية” والمجتمع الاخر _والقصد بمصطلحى المسلم والمسيحى هنا ليس بمفهومه الدينى النصى والنظرى كما يتبادر إلى الأذهان، ولكن القصد منه مفهومه الجمعى، والذى يعبر عن سلسلة متميزة من العادات والتقاليد والثقافة والمشاعر التى شكلت نوعا من الكيان التاريخى ومصير مشترك فى اطار الشراكة العامة فى الوطن الارترى_ ولكل من هذين المجتمعين مكونات ثقافية ولغوية تحتوى على القيم والمبادئ وانماط التفكير التى تعطى لها الاجيال المتعاقبة أهمية اولية فى الاستحقاق السياسى.

 

على سبيل المثال، المسيحي الإرتري دائما يتحسس من اتخاذ اللغة العربية لغة رسمية واعتبارها احد اللغات الوطنية، إعتقاداً منه أن هده اللغة الحية والتى يتمسك بها جزء كبير من سكان الوطن ستطغى على لغته وثقافته. ومن هذا المنطلق يدفع نفسه الى التجمع والهيمنة ورفض الاخر وإقصائه من الناحية العملية وان كان اليوم الكثير من الكوادر الواعية منهم قد تحرروا من هذا الشعور نوعا ما.

والمسلم الإرتري بدوره يميل الى انتماءه ومشاعره الثقافية، وبالتالي يندفع بقوة الى التمسك باللغة العربية وثقافته الاسلامية، بل اكثر من ذلك انه يرى في اللغة العربية قوة وحدته السياسية التي تحقق له التوازن فى ميزان الاستحقاق السياسي، كما كان الحال فى فجر الخمسينات التى انقسم فيها المجتمع الارترى نتيجة لعدم الثقة الى قسمين لا ثالثة لهما، مما تسبب فى ضياع فرصة استقلال بلاده فى ذلك الوقت المبكر، وبالتالي خربنا بيوتنا بأيدينا.

والذين طالبوا بالاتحاد مع اثيوبيا آنذاك لم يفعلوا ذلك جهلا بالمفاهيم الوطنية او حبا لاثيوبيا كما يعتقد البعض، ولكن فعلوا دلك لإنعدام الثقة بالاخ الشقيق والشريك الوطنى.

وهنا يحضرنى قول السيد/كندى تريفاسكس السكرتر السياسي للادارة البريطانية فى ارتريا آنذاك فى خاتمة كتابه المعنون (ارتريامستعمرة فى مرحلة انتقال من41-1952) يقول:(… كما أن من شأن اى تدخل اثيوبي غيرضروري فى شؤون ارتريا أن يثير ردة فعل خطرة_إن لم تكن مباشرة فى صفوف الارتريين المسيحيين أنفسهم فبأمس أخذت جماعة الحزب الوحدوي الإرتري بإرشادات الإثيوبيين عندما كانوا بحاجة الى مساعداتهم. ولكن ذلك لا يعنى أنهم سيرقصون غدا على الايقاعات الاثيوبية.

ان معنى ازدياد الوعى السياسي بين الارتريين المسيحين لا يتجسد فى كونهم طلبوا الوحدة مع أثيوبيا وإنما فى كون الكثيرين منهم تعلموا كيف يفكرون لانفسهم وكيف يعبروا عما يفكرون به… ) انتهى كلام المؤلف-ص227/1984/ط2-

 

وفى عام 1958 أسست حركة التحرير والتى حقا كانت تمثل تجمعا وطنياصادقا يناضل من اجل ترسيخ الوعى الوطنى وبناء الثقة بين اطراف الوطن كله، وكانت تعرف فى الهضبة الارترية بإسم ( محبر شوعتى) ولكن لسوء حظ الشعب الارتري لم يكتب لهذه الحركة العمر الطويل، الا انها ارست مفاهيم وطنية سليمة، شكلت فيما بعد زاد الكفاح المسلح الذى اعلن تحت راية جبهة التحرير الارترية بقيادة القائد عواتى ورفاقه وهذه الجبهة كانت صرحا وطنيا، الا ان مسيرتها العملية لم تكن خالية من الأخطاء، وسياسة الإمبراطور الإثيوبي كانت تترصد اخطاء الثورة وتضخمها اعلاميا من اجل إثارة عدم الثقة من جديد بين أبناء الشعب الواحد وهذه السياسة كانت تؤتى أكلهاوتحقق مأربهاوأهدافها المرسومة لها فى ظل غياب إعلام مضاد لثورة حديثة العهد ومحدودة الامكانات.

وفى أوائل السبعينيات بدأت بوادر الانقسامات فى الجبهة الام من اجل السلطة والتسلط والكل بدأ يختار وسائل تحقيق اهدافه تحت الشعار الميكافلى المعروف( الغاية تبرر الوسيلة) والكل بدأ يبحث عن نقاط الضعف فى المجتمع الاريتري لاتخادها وسيلة للتسلق، بينما تفوق “اسياسى افورقى” على نظرائه من القادة آنذاك مستخدما دهاءاً لم يسبق له مثيل فى مرحلة اتسمت فيها الساحة الارترية بمحدودية التجربة السياسية، وذلك عندما غاص فى التاريخ الارتري وانتقى منها أسوأ المحطات لاتخاذها وسيلة له.

وعندما اعلن فى بداية السبعينيات خروجه عن جبهة التحرير الإرترية، من اجل بناء قوته الخاصة عاد بالمجتمع الارترى الى المربع الاول بإثارة عدم الثقة من جديد متكئا ومعتمدا على القديم المتجدد والتناقضات الدينية والثقافية والاجتماعية والمصلحية على مستوى الكتل الكبيرة وكذلك كان يستخدم احيانا وعند الضرورة فى اطار مجتمعه الخاص وسائل إقلمية ضيقة. وهكذا استطاع بناء قوة خفية حسم بها كثير من الصراعات حتى داخل جبهته.

ومن هنا يمكن القول ان الجبهة الشعبية تغلبت على سائر التنظيمات الارترية ليس من خلال تفوقها فى الافكار والقيم ولكن بسبب الخطاب الخاص الذى كانت تقدمه لبعض فئات المجتمع مما سهل في خلق عصابة لا تتردد فى تطبيق العنف المنظم ضد كل من يقف أمام مشروعها السياسي والذي أصبح مع مرور الزمن وبالا على الوطن كله.

وكما يعلم اهل الذكر فى مجال السياسة إن القوة الصلبة تخلق عادة من العصبة والعصبية، فإن نظام الجبهة الشعبية خلقت العصبة من العصبية، ووصلت بها إلى الشرعية،  واليوم اصبح هذا النظام يستخدم البطش من خلال الشرعية.

النظام وعصبته تجاوزوا الحدود حتى إمتد بطشهم على كل الذين كانوا عونا لهم حتى الامس القريب، ومن طبيعة المستبد التمادى فى ظلمه وخاصة إذا كان لا يرى حاجزا، فلو رأى الظالم إلى جانب المظلوم سيفا لما اقدم على الظلم، وكما قيل الاستعداد للحرب يمنع الحرب.

وجملة القول ان ازمة الثقة بين مكونات هذا الشعب هي الثغرة والبوابة التى يدخل منها كل الشر الخارجى والمحلى. وما يدعو اكثر الى الحزن العميق ان البعض لم يتعظ من هذه الماسي التي يعانها الشعب الاريتري بدليل انهم بدأوا يعمقون الجروح بكتابتهم اللامسؤلة فى بعض المواقع الارترية بوصف التحالف الديمقراطى الارتري، والذى اصبح امل الشعب الارترى بإحداث التغير الايجابى بانه تجمع يمثل طرف دون طرف، ولعل بعض الكتاب الذين يطلقون مثل هذه الأحكام النفسية والمزاجية لا يدرون مدى الظلم الذى يرتكبونه فىحق الشعب فى تعميق ازمة الثقة وخدمة النظام الذى اصبح يأكل الأخضر واليابس دون تميز.
 

نواصل فى الحلقة القادمة مع عنصر اخر من عناصر اسباب بقاء النظام ……


الحلقة الثانية

بقلم : أحمد نقاش

Nagash03@maktoob.com

ثانيا:الأمية والفقر:-

 

تناولت في الحلقة الأولى أزمة الثقة بين مكونات المجتمع الإرتري، باعتبارها احد عناصر الضعف التي من خلالها يستمد نظام اسمرا قوته من اجل البقاء على راس السلطة، وكما أكدت على أن هذه الإشكالية هي البوابة الرئيسية عبر التاريخ، التي استغلتها كل القوى الخارجية والمحلية لبسط سيطرتها على الوطن والمواطن.

 

وفى هذه السطور سأتحدث عن عنصر آخر من العناصر التي يستغلها نظام هقدف من اجل أن يبقى كابوسا على صدر الشعب، ألا وهى الأمية والفقر، التي هي نتاج طبيعي لوطن عاش لقرون عديدة يتوارثه الاستعمار، آخرها الاحتلال الإثيوبي، الذي مارس بدوره سياسة التجهيل والتفقير، مما حرم أبناء إرتريا من حق التعليم، إلا بقدر يسمح بذر الرماد على عين المراقب، فضلا عن محاولة إحلال ثقافته بديلا للثقافة المحلية، والتي يتمسك بها المواطن منذ أن وجد فوق أرضه وتحت سماءه (اللغتين العربية والتقرينية)- وما يؤكد على أقدميتهما الرسمي، قول الكاتب الإيطالي والذي زار إرتريا في القرن التاسع عشر، في كتابه المعنون”إرتريا مستعمرة إيطالية في أفريقيا” ويقول:(…وما لفت نظري في محكمة اسمرا، على منصت القضاء، لوحة مكتوب عليها “العدالة للجميع”باللغات العربية والتقرينية والإيطالية”…)- لذا كان من الطبيعي أن تستمر ألامية وتتسع مع تكاثر الأجيال التي، ليس لها راعى يدبر أمرها، ويرعى مصالحها أو يخطط لمستقبلها. هكذا كان يعانى الوطن من شبكة معقدة من العناصر المكونة لترا كم التخلف، من أبرزها هذه الأمية الضاربة في الأعماق (أمية القراءة والكتابة ) فضلا عن الأمية القانونية والسياسية وتلك المتعلقة بحقيقة التاريخ الوطني.

 

والثورة الإرترية بمختلف فصائلها، لم تعطى للتعليم ومحو الأمية اهتمام كبير، ولم تشغل نفسها بهذا الأمر على القدر الذي كان يشكله التعليم وبناء الكادر البشرى من ضرورة أساسية لإدارة الثورة والدولة، بل المتعلم الحقيقي لم يجد مكانه الطبيعي في حراك الثورة الإرترية، مما انعكس سلبا على مسار الثورة ومسيرتها، وكذلك على إدارة الدولة الوليدة التي لم تستطيع الخروج من عقلية الإدارة المتخلفة التي أوصلت كل شيء إلى طريق مسدود لا رجعة منه. إذا كان هناك من جهد يذكر في تلك المرحلة، أي مرحلة الثورة، يعود لجهاز التعليم الإرتري، الذي كان له حضور مقدر، وسط معسكرات اللاجئين الإرتريين في السودان، إلا أن هذا الأخير لم يكتب له العمر الطويل، وتم قتله بعد سيطرة نظام هقدف على الشرعية الداخلية والخارجية مما سهل له إجهاض هذه المؤسسة التي كانت تشكل هاجس كبيرا لا صحاب المشروع ألإقصائي في الوطن الجريح.

أما الأمية القانونية والسياسية حدث ولا حرج، ومن المعلوم تاريخيا، أن منطقة القرن الإفريقي بصفة عامة، وإرتريا على وجه الخصوص تعانى من تخلف الفكر السياسي، ولعل آثاره واضحة للعيان في معظم دول المنطقة، بما فيها الدولة الوليدة في إرتريا.

 

وجدير بذكر أن الكفاح المسلح الإرتري، لم تسبقه قاعدة نظرية مدروسة الجوانب، تضع في الاعتبار خصوصية المنطقة وتفاعلها الإقليمي والدولي، بما تحمله من تاريخ عميق بتناغمها مع التوازن الإقليمي والدولي وانعكاسها سلبا على الحراك الداخلي، بل كان يكتب الكتاب النظري للثورة، إما من خلال تجارب الآخرين دون مراعاة لخصوصية الشعب، أو من خلال الممارسات العملية وما تفرزه من ملاحظات أثناء النضال والكفاح، ولعل الحال في هذا الجانب اليوم لم يكن أفضل مما كان عليه في السابق. إن الفكر السياسي الإرتري عاجز إلى اليوم من إرساء قاعدة نظرية واضحة المعالم تكون منهجا للعمل الوطني.

 

والثورة الإرترية لم تهتم كثير بدراسة هذه الإشكالية ولم تحاول توسيع مفهوم التنظير في عمقه الفلسفي والاجتماعي، ولم تهتم بإنشاء مؤسسات ذات طابع علمي أكاديمي، في مجال القانون والسياسة. وكل ما كان هناك، برنامج تعبوي خاص لكل فصيل من فصائل الثورة، تحت مسمى (مدرسة الكادر) التي كانت ترسخ في أذهان منتسبيها، التعصب والولاء الأعمى للتنظيم، أكثر منه للوطن والشعب. مما كان يخلق لدى كادر التنظيم، رؤية ضبابية وموقف محرج عند المحطات التي تتناقض فيها مصلحة الوطن مع مصلحة التنظيم، بل في كثير من الأحيان كانت تختزل مصلحة الوطن، في مصلحة التنظيم الضيقة الأفق والبعد، وكان ذلك مبرر لخوض كثير من الحروب الأهلية التي شهدتها الساحة الإرترية، ومازال نظام هقدف يخوض معارك طاحنة وغير مرئية إلا للمدقق مع الشعب الإرتري تحت مبرر اعتبار مصلحة التنظيم أو الحزب هي مصلحة الوطن بعينه. دون أن يسأل احد لمن سيكون هذا الوطن ما دام الشعب يقتل ويهجر وفى أحسن الأحوال تحبس أنفاسه وأجساده معا؟!

من كل ما تقدم يتضح، أن محو الأمية بكل أشكالها، وبناء مؤسسات تعليمية فعالة، ضرورة وطنية شديدة الأهمية، باعتبار الثروة البشرية هي أساس تقدم أي امة، والكادر البشرى لا يمكن أن يؤدى واجبه ويساهم في الازدهار الاقتصادي، والتقدم الحضاري، إلا إذا تم إعداده بشكل ممنهج في المدارس والمعاهد العليا والجامعات. أما جعل مؤسسات التعليم حاضنات للفكر الغوغائي الحزبي، وإيجاد إنسان ذو البعد الواحد من اجل بناء دولة اسبرطية جديدة في ظل مناخ اثيني متقدم، شيء يدع إلى السخرية و الحزن الشديد.

 

 مما لا شك فيه، أن الفقر هو الوجه الآخر للامية، والذي أصبح واحد من المهددات الحقيقية للمجتمع الإرتري، والفقر عدو الإنسان، إذا كان أي مجتمع يسيطر عليه الفقر يعنى ذلك أن المرض والجهل يسيطران عليه، وإرتريا التي عاشت لقرون طويلة تحت الاستعمار الذي لم يفعل شيء لتطويرها، على عكس ذلك كان يتعمد في كثير من الأحيان تدمير مقومات اقتصادها الوطني، وسياسة الاستعمار الإثيوبي ليست ببعيدة عن أذهان شعبنا، والذي كان يعمل بمنهجية كاملة إلى إضعاف القدرات الاقتصادية للوطن الإرتري، والتي تمثلت في نقل المصانع إلى بلاده التي كانت تعتبر متخلفة قياسا إلى الوضع الإرتري في ذلك الوقت.

نتيجة لهذه السياسات العدوانية التي مارسها المستعمر بمختلف ألوانه تراكمت عبر الزمن لتنعكس سلبا على الوضعي المعيشي والاقتصادي على أفراد المجتمع بأثره، ولم يستطيع شعبنا من تحقيق مصادر مالية أكثر من قوت يوميه. وكان الجميع يتوقع أن هذه الضائقة المعيشية ستزول بزوال الاحتلال وغياب فعله المدمر. وعلى عكس التوقعات وما زاد الطين بله أن سياسة هقدف الاقتصادية، التي ارتكزت على فلسفة التأميم الشامل بما فيه الجهد الإنساني، أصبح الوطن وسكانه، إقطاعية كبيرة تسخر لملئ خزينة النظام، مما حول المجتمع الذي كان يملك قوت أبنائه، في أسوأ الأحوال إلى مجتمع الإغاثة، بعد أن صادر أراضيهم، واخذ أبناءهم إلى ما يسميه الخدمة الوطنية زورا وكذبا، دون قيد أو قانون. بالمقابل الحزب هو الذي يسيطر على كل منابع المال، من تجارة الأسواق والاستيراد والتصدير، ولم يبقى للشعب من نصيب إلا مد الأيدي إلى المعونات الدولية، التي لاتسمن ولا تغنى من جوع. مجتمع في مثل هذا الحال من الفقر، لا يمكن أن يفكر إلا في كيفية سد رمق أطفاله، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يفكر في إدارة الدولة وسياستها أو تكون له قدرة فعالة في مساعدة المعارضة السياسية، إلا من باب اضعف الأيمان.

 

وتفقير الشعوب، من اجل السيطرة عليها، هي سياسة قديمة متجددة، كما قيل قديما لو كان المستبد رجلا أراد أن يحتسب وينتسب لقال:(أنا الشر وأبى الظلم وأمي الإساءة وأخي الغدر وأختي المسكنة وعمى الضر وخالي الذل وأبنى الفقر وبنتي البطالة، ووطني الخراب…)

 

والمال عند الاقتصاديين ما ينتفع به الإنسان وعند الحقوقيين ما يجرى فيه المنع والعطاء وعند الأخلاقيين ما تحفظ به الحياة الشريفة، أما عند حكام إرتريا الجدد المال ما يستعاض به القوة وأخذه مشروع بكل حيلة ووسيلة، هكذا ضاقت ارض إرتريا على ساكنيها، وانقطعت ثمراتها على أهلها الطيبين.

 

وجملة القول إن الجهل والفقر، هي من العناصر ألأساسية، التي يستمد منها النظام أسباب استمراره على رأس السلطة والتسلط والجبروت، لان الشعوب إذا جهلت وجاعت خافت، وإذا خافت استسلمت وتكون من الأدوات القوية لعدوها اللدود، وهو بهم عليهم يصول، وبهم على غيرهم يطول، ويسوقهم إلى خطر الحروب والموت ويطيعونه خوفا من التأديب والحبس، لذا يحرص النظام على جهلهم، لأنهم إذا علموا قالوا وإذا قالو فعلوا…

 

نواصل في الحلقة القادمة مع عنصر آخر من عناصر أسباب بقاء النظام….

 

 

 

الحلقة الثالثة والأخيرة

بقلم: أحمد نقاش

Nagsh06@maktoob.com

ثالثا غياب الممارسة الديمقراطية:

رابعا ضعف المعارضة:

خامسا المعالجة:

سادسا سقوط النظام وما بعده:

 

تحدثت في الحلقتين السابقتين عن ثلاثة عناصر من عناصر الضعف التي يستمد منها النظام سر بقاءه على رأس السلطة وهى كما ذكرت، أزمة الثقة بين مكونات المجتمع، والأمية الضاربة في الأعماق، وكذلك الفقر الذي يتحكم في الخارطة الوطنية والإقليمية.

وفى هذه الحلقة سأتحدث عن عناصر أخرى من العناصر التي تساهم في استمرار النظام في تسلطه على الأمة وعدم قدرة الآخرين على معالجة المأساة التى يعيشها الوطن الجريح من خلال الفقرات التالية:غياب الممارسة الديمقراطية وضعف المعارضة وكذلك سوف أتحدث عن المعالجة وأخيرا عن سقوط النظام وما يتوقع من التفاعل السياسي والاجتماعي في الساحة الإرترية.

 

معلوم أن الديمقراطية أصبحت في عالم اليوم كلمة يرددها الكل الحاكم والمحكوم،  الظالم والمظلوم، حتى اكبر الديكتاتوريات أصبحت تتغنى بهذه الكلمة والجميع يكاد يجيد العزف على هذا الوتر الحساس دون أن يرقص احد بهذا الطرب الكاذب لدرجة إن كلمة الديمقراطية أصبحت كلمة هلامية يصعب تصورها ذهنيا، حتى الذين كنا نحسبهم حماتا لها وأساتذتها نراهم اليوم يؤولونها حسب مصالحهم الاقتصادية والقومية.

كل هذا يحدث رغم معناها البسيط كما حددها اللغويون والمفكرون(إنها حكم الناس لأنفسهم) عبر أفضل وسيلة اعتبرت حتى الآن وسيلة اختيار حر عبر صناديق الانتخابات التي تتنافس فيها كل القوى السياسية بصرف النظر عن مسمياتها وبرامجها باعتبار الحكم الوحيد هو الشعب فقط، على أساس الإيمان القوى بالحسم الديمقراطي والنتائج التي تتمخض عن التصويت الشعبي، والمفهوم الديمقراطي إذا بسيط وواضح رغم المجلدات التي كتبت حوله ولكن الحكام وأعوانهم من الكتاب دوما يحاولون إفراغ الديمقراطية من الناحية العملية وان اقروها نظريا ذلك عبر وسائل مختلفة ووضع آليات لا تتفق مع روح الديمقراطية.

والساحة الإرترية عانت الكثير من غياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية، والثورة الإرترية بمختلف فصائلها دون استثناء في مقدمتها الجبهة الحاكمة اليوم لم تعطى للديمقراطية الحقيقية مجالا للممارسة والنمو، ولو كان للديمقراطية وجود حقيقي لما أصبح حال الوطن والمواطن كما هو عليه اليوم، وكما قيل النتائج تشير إلى المقدمات، وللحديث عن حقيقة الديمقراطية في الفكر السياسي الإرتري يجدر بنا أن نضع القارئ أولا في الجو العام للمفهوم الديمقراطي وسيرورتها التاريخية حتى تسهل عملية المقاربة.

 

 من المعلوم أن نشأت مفهوم الديمقراطية كان في اليونان القديمة فكلمة Democracy من اصل يوناني (ديموس:شعب)و(كراتوس:سلطة)

أي سلطة الشعب، وكانت اشهر تلك النماذج التي عرفتها أثينا خلال القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد، من أهم مبادئها المساواة السياسية والاجتماعية وحكومة الشعب. ثم تطور مفهوم الديمقراطية في صدر الإسلام الأول الذي جاء بمبدأ (الشورى) مكافئا ومتقدما على ديمقراطية أثينا وجاء القرآن الكريم حاملا في ناموسه المقدس مبدأ الديمقراطية بأوسع معانيها حين أشارت الآية الكريمة قوله تعالى(…وأمرهم شورى بينهم…).ثم جاء رائد علم الاجتماع ابن خلدون ليؤكد على أن قوة الدولة وازدهارها مرهون بمدى مشاركة شعبها في النشاط الإنتاجي وفى دعم سلطة الدولة، وكما أكد على أن الاستبداد والديكتاتورية وتركيز السلطة في اتجاه واحد هو بداية انهيار الدولة.

وجاء عصر النهضة الأوروبي عبر ابرز فلاسفته أمثال(توماس مور ولوثر)في القرن الخامس عشر، وأمثال(هوبز ولوك) في القرن السابع عشر، وأمثال(مونتسكيو وفولتير ورسو..) في القرن الثامن عشر, بمحاولة جادة في التنظير للمفهوم الديمقراطي والذي تمثل في بناء مجتمع عادل وخالي من الطبقية الإقطاعية والذي كان سائدا في ذلك العصر وما قبله، وكذلك التخلص من هيمنة الكنيسة على الحياة العقلية والروحية للمجتمع إلى أن وصل ذلك العصر إلى إرساء أفكار التنوير العقلي خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر التي رفعت من شأن الإنسان والذي يمكن أن يهتدي بنور العقل ومن هنا جاءت أفكار الحرية والمساواة، التي كانت فيما بعد أساس فكرة الديمقراطية.

الديمقراطية المعاصرة والماثلة أمامنا في عالم اليوم وخاصة في العالم الغربي والتي تقوم على مبدأ سيادة الشعب وفصل السلطات وحرية التعبير والتظاهر والتنظيم النقابي والسياسي والتي تعتبر (الليبرالية الاقتصادية) جزء من هذا البناء والأسس المكملة للديمقراطية المعاصرة هي نتاج تاريخي للجهد البشرى وتراكم المعرفة والأفكار والتنظير من العصور القديمة إلى اليوم.

وهذا النضال الطويل والجهد البشرى المبذول من اجل الديمقراطية يؤكد على أهمية الممارسة الديمقراطية في حياة الشعوب ومسيرتها، مما يحي أن البشرية لا يمكن أن تتحقق لها سعادة دون ممارسة هذا الحق في اختيار من يدير شؤونها الحياتية والسيادية. كما يشير هذا المجهود الطويل على أن الإنسانية لا تعانى من قلة التنظير والطرح الفلسفي، بقدر ما تعانى من قلة التطبيق العملي في حياتها السياسية.

الديمقراطية في الفكر السياسي الإرتري:

للحديث عن الديمقراطية في الفكر السياسي الإرتري عليه أن نتحدث أولا عن المجتمع الإرتري باعتبار أي فكر سياسي مرآة للمجتمع وانعكاس عن مدى تطوره في مسار الحضارة الإنسانية وما له من التراكم في التجربة السياسية وخلفيته الثقافية والنفسية، ومن المعلوم أن منطقة إرتريا كانت تاريخيا المجال الحيوي لحضارتين متناقضتين، الحضارة الاكسومية المسيحية ذات الطبيعة الجبلية والحضارة العربية الإسلامية ذات الطبيعة الصحراوية السهلية، مما وضعت الثقافة والطبيعة الجغرافية سماتها وملامحها على تصرف المجتمع الإرتري إلى اليوم مما يحي الاختلاف والتصرف في تحديد الاولويات وكيفية تحقيق المكاسب ومدى مرونة التعامل في قضايا الخلاف والاختلاف الوطني وكذلك في الانبساط والانقباض في العلاقات الإقليمية والدولية، فضلا عن أن المجتمع الإرتري ذو طابع قبلي تقليدي ولم يسبق له ارث سياسي واحد نتيجة غياب الدولة الوطنية في تاريخه القديم، وان كانت هناك ممالك متناثرة ذات صبغة إقليمية تظهر وتختفي وفق المد والجذر لتوازن القوى على المستوى المحلى والإقليمي والدولي، هذا دون أن ننفى وجود الشورى والتشاور في إطار القبيلة والعشيرة بل كانت له قوانين عرفية متطورة تنظم الحياة اليومية، إلا أن هذا وذاك ما كان له أن يعبر عن منظومة شاملة للوطن.

عند ما جاءت الثورة الإرترية في مثل هذا الواقع لم يكن في مقدورها أن تكون سابقة عصرها أو أن تكون فوق واقع مجتمعها، وكانت الثورة بنت هذا المجتمع بكل ما يحمله من سلبيات وايجابيات.

وانفجار الثورة عام 1961م كان يعبر عن الرغبة الشديدة والإرادة القوية للمقاومة واخذ الثأر من المعتدى القديم المتجدد، أكثر منه عن القدرة والكفاءة في قيادة الثورة وتحديد مسارها دون الانحراف، وولدت الثورة قبل أن تكتمل أطوارها الطبيعية وتقوى بنيتها الفكرية أو دون أن ترتب أوراقها التاريخية دون أن تحدد كيف تعالج إشكاليات سيكولوجية المجتمع، والضغط على الزناد كان أسهل بكثير من الضغط على الأذهان.

ومعظم الذين جاءت بهم الأقدار على قيادة الثورة لم يكنوا على قدر كافي من القدرة والثقافة والتعليم تؤهلهم إلى تحمل أعباء قضية شائكة بكل ما تحمله من تعقيدات محلية وإقليمية ودولية. وما زاد الطن بلة هو تساوى القدرات العقلية والثقافية لمعظم القادة ولم يكن من بينهم من هو متميز بقدراته العقلية على الآخرين، بمعنى آخر لم تكن هناك فوارق فردية، ولعل الانشقاقات المبكرة التي أطلت برأسها على الثورة ترجع لهذه العلة إي التساوي في القدرات، لان التحكم في وحدة أي جسم سياسي تأتى إما عن طريق تطور المنظومة الإدارية الشاملة التي ترتكز على قوة القانون والدستور وهذا ما لم يتوفر في تلك المرحلة بل إلى اليوم، وإما تأتى عن وجود قائد كاريزمي مميز عن أقرانه بقدراته العقلية لا بشرعيته القيادية فحسب، وهذا أيضا ما لم تجده الثورة، والحال برمته كان الجود بالموجود.

أما إذا أردنا أن نتحدث عن الفكر والتنظير، يمكن القول إن الثورة الإرترية كانت من أفقر حركات التحرر في مجال الفكر والتنظير ولهذا السبب بعينه الساحة الإرترية كانت تتخبط في تجارب الآخرين دون القدرة على تعديلها بحيث تناسب الخصوصية والبيئة المحلية. في الستينيات أخذت الثورة التجربة الجزائرية وتم تطبيقها على الواقع دون تهجين إرتري، مما قسم الساحة الإرترية إلى نظام المناطق التي كادت أن تقضى على وحدة التراب الإرتري وعلى الثورة ذاتها، لولا اللطف الرباني الذي حل ببركاته على مؤتمر ادوبحا الذي عقد عام 1969م وولدت الثورة من جديد ولادة قيصرية.

وفى السبعينيات جاءت التجربة السوفيتية الماركسية إلى الساحة الإرترية كالعادة دون القدرة على ترويضها محليا بل صورة طبق الأصل- لدرجة أن ماركسيو إرتريا في تلك المرحلة كانوا يرفعون المظلات في إرتريا إذا هطلت الأمطار في موسكو-على أساس الفهم الظاهر للفلسفة الماركسية تم تقسيم المجتمع الإرتري من جديد إلى عدد من القوميات على أساس اللهجات المحلية والتي لا يتجاوز المتحدثون بها بضع ألاف ونيف في الوقت الذي كان منه القصد في الفلسفة الماركسية اللغات التي كان يتحدث بها الملاين من البشر والأمم…فضلا عن وحدة الاعتقاد و الثقافة والتاريخ والجغرافية.

نتيجة هذا التقسيم غير المدروس الذي تم دون النظر إلى ما سيحدثه من الاختلال في التوازن الاجتماعي والذي بدوره انعكس على الاختلال في التوازن السياسي واستحقاقاته بل اخطر من ذلك أدى اليوم إلى ظهور كيانات تطالب أشبه ما يكون بحق تقرير المصير عندما حلت بهم مظالم نظام هقدف الذي كان أكثر المستفيدين من كل هذا التخبط الفكري الذي رافق نشأة الثورة وما زال يعان منه المجتمع الإرتري إلى اليوم.

بسبب هذا الإرث والخلفيات وتلك العوامل المختلفة لم تجد الديمقراطية تربة خصبة أو مناخ يساعد على نموها الطبيعي في الفكر السياسي الإرتري، ولعل سائل يقول ما بال تلك المؤتمرات التي ازدحمت بها الساحة الإرترية منذ فجر الستينات والسطور التي سودت بها صفحات الدساتير التنظيمية، وما بال أدبيات الثورة التي ما فتئت تتحدث عن أهمية الديمقراطية وتلك الأنغام التي تغنت بها، كل هذه الأسئلة وغيرها مشروعة ولسبب بسيط هو نتيجة التناقض الذي يشاهده المراقب ما بين النظرية والتطبيق للفكر السياسي الإرتري.

للإجابة قد نحتاج إلى تقيم شامل لكل مؤتمرات التنظيمات الإرترية التي عقدت ومازالت تعقد، ومدى مطابقتها للمفهوم الديمقراطي الصحيح إلا انه يحتاج إلى أكثر من مقال، ولكن يمكن أن نتناول في هذه العجالة فكرة عامة تجعل القارئ الكريم في موقف مقارنة بين القول والفعل لتلك المؤتمرات

بما أن الديمقراطية ثقافة قبل أن تكون ممارسة أن معظم قادة الفصائل كانوا غير قادرين التعامل مع الممارسة الديمقراطية الصحيحة، ولم يكن في مقدورهم التجاوب مع الحسم الديمقراطي، ولعل الاستقراء السريع لكل الممارسة الديمقراطية في مؤتمرات التنظيمات الإرترية بما فيها الجبهة الحاكمة وخاصة إذا نظرنا بعين الناقد يمكن القول أنها لم تقترب يوما من الديمقراطية الحرة، فقط كانت ممارستها شكلية أكثر منها واقعية، والديمقراطية في كل تلك المؤتمرات كان يتم إجهاضها بين كواليس ثلاثة أولها يسبق المؤتمر وثانيها يتحكم في المؤتمر وثالثها يحتوى نتائج المؤتمر لو كان للديمقراطية وجود فعلى في المؤتمرات الإرترية بمختلف مشاربها سواء كانت علمانية أو غير ذلك منذ انبلاج الثورة وما أكثرها لما تكرر المشهد القيادي منذ الستينات إلى اليوم دون أي تغير سواء في قيادة الدولة أو المعارضة وفى السياسة الإرترية نص عرفي غير مكتوب مفاده (من يصعد مرة واحدة يبقى إلى الأبد…)وكثر انشطار التنظيمات عن بعضها البعض والانفصاليات لدليل واضح لغياب الممارسة الديمقراطية الحقيقية وثقافتها.

بسبب هذا التمسك الشديد بالسلطة وامتهان السياسة لسد الحاجة بشقيها المادي والنفسي في مجتمع انعدمت فيه قنوات العمل أصبح مكان القيادة يتصارع فيه الكل دون النظر إلى قدراتهم وما يمكن أن يقدمه للمجتمع حسب كفاءتهم، عندما يصل المفهوم القيادي إلى هذا المستوى من التعامل لا يمكن أن ينتظر منه قفزات نوعية في الفعل السياسي إلا بتمام الدورة الطبيعية للأشياء، وان كان حديثنا هذا لا ينفى وجود القلة الصادقة بصرف النظر عن قدرتها وكفاءتها في العمل القيادي.

انعدام التغير في الدورة القيادية منذ عقود جعل الفكر السياسي الإرتري في الحكومة والمعارضة يعاني من تصلب الشرايين وتوقف الإبداع لان المياه الراكدة لابد أن يصيبها التعفن، وعدم الممارسة الصادقة والصحيحة للديمقراطية وسيطرة الفكر الشمولي رغم الشعارات المخالفة للشمولية هي التي أفقدت الحكومة والمعارضة المصداقية لدى المواطن العادي. إن تسطير الدستور بعبارات فضفاضة عن الديمقراطية والتعددية فحسب لا يسمن و لا يغنى من جوع، لان السواد الأعظم من المواطنين لا يقرؤون النصوص بل ينظرون إلى النتائج العملية والفعل الممارس. والديمقراطية تتحقق على الواقع المعاش فقط عندما تكون مدعومة من القاعدة والقيادة، لان الديمقراطية ليست وجود التنظيمات أو الأحزاب أو عقد المؤتمرات وإنما هي إيمان حقيقي وسلوك فعلى والتعامل مع النتائج بالمرونة ورحابة! صدر مهما كانت النتائج مؤلمة أو غير متوقعة.

وجملة القول إن سياستنا الوطنية تحتاج وقفة جادة من اجل إرساء ثقافة الديمقراطية وممارستها على الواقع، وعلى قادة المعارضة أن يلعبوا دور إيجابي في التغير الديمقراطي، وكل الشعوب التي دخلت إلى عالم الديمقراطية الصحيحة دخلتها بفضل قادتها الذين كانوا عونا لها بعد أن قاموا فلاسفتها ومفكروها بجهد متراكم في إرساء ثقافة الاختيار التعاقدي ما بين الشعب وحكومته. وعلى الكوادر السياسية والمثقفين أن يلعبوا دورا تاريخيا من اجل التحول الديمقراطي بل على الجميع أن يعمل من اجل إصلاح اعوجاج الحال السياسي الذي نعانى منه، وهذا الإصلاح يتطلب من الكل الانخراط بالحراك السياسي والمطالبة بالحق الديمقراطي الذي هو صمام الأمان لسير سفينة الوطن بسلام. لان النقد البناء الذي يساهم في التصحيح هو النقد الذي يتم في داخل الإطار السياسي الإرتري أي كان لا من خلال مقاعد المتفرجين، وان يساهم جميع المواطنين في وضع الأسس الصحيحة والقوية لإرساء العدل والمساواة الذي يتمثل في بناء دولة القانون والمؤسسات التي ترتكز على الدستور التعاقدي الذي يؤمن ويؤكد على سيادة الشعب والتعدد والاختيار الحر. وسر بقاء النظام في السلطة، يعود إلى غياب هذه المفاهيم الدستورية والقانونية ومفهوم العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، هذه المعاني يجب أن تكون مطلب شعبي أساسي، كم من الأنظمة سقطت وتبدلت في كثير من البلدان دون حدوث تغير جوهري في حياة تلك الشعوب، وثقة الشعوب يجب أن تكون بالمبادئ الدستورية والقانونية لا بالأشخاص والأفراد.

ضعف المعارضة الإرترية:

التغير السياسي الجدي الواقعي هو الذي يمهد بأهداف واضحة المعالم لخطوات وكيفية عمليات البناء الشامل الذي يحقق آمال وطموحات الشعب في حياة أفضل، وبدون تحديد الأهداف وكيفية تحقيقها يصعب إحداث التغير الحقيقي وان حدث قد لا يلبي آمال الشعب في التغير الجوهري.

والبنية الفكرية والسياسية للمعارضة الإرترية عاجزة تماما عن التخطيط العلمي السليم في العمل السياسي المعارض، والمعارضة تتعامل مع الأحداث وهى غير قادرة على صنع الحدث لأنها تتعاطى مع السياسة من باب الهواية والتجربة لا من باب العلم والقواعد السياسية، وبالتالي تفتقد إلى عنصر التخطيط والتنبؤ، ولست مبالغا إذا قلت إن كل الأحداث في القرن الأفريقي وإرتريا كانت مفاجئة للفصائل الإرترية, استقلال إرتريا فاجئ الجميع بدليل أن الفصائل الإرترية تخبطت في التعامل مع الحدث، منها من أدخلته الصدمة إلى عاصمة النظام دون تفكير وسلموا البعير بما حمل، ومنها من أوقف نشاطاته العسكرية دون مقابل من الفصيل الحاكم ومنها من تأرجح بين هذا وذاك دون علم ولا كتاب ولا سراج منير، ومنها من تعامل مع الحدث ارتجالا.كذلك حرب بادمي مفاجئة المعارضة بدليل لم يستطع احد توظيفها لمصلحة قضية الوطن والمعارضة بل الكل كان يتفرج وينتظر لما ستأتي بها نتائج ا! لمعارك الطاحنة الذي كان الخاسر الوحيد فيها هو الشعبين الاثيوبي والارتري معا.

معارك جزر حنيش في البحر الأحمر مرت كأن لم تكن, دون أن تحقق فيها المعارضة اي مكسب سياسي.والخصام الشديد بين اسمرا والخرطوم لم تستثمر هي الأخرى لإخراج ملف المعارضة الإرترية في السودان من الملف الامني الذي يمكن أن يغلق في اي لحظة إلى ملف العلاقات الاستراتيجية والسياسية الذي يمكن أن يقف صامدا أمام العواصف والمتغيرات.وكما لم نرى أي محاولة لإيجاد علاقة سياسية جادة تخدم قضية المعارضة والشعب الارتري مع الشريك الثاني في حكومة السودان والأحزاب الأخرى في ظل مناخ ديمقراطي الذي ينعم به السودان.

علاقة المعارضة مع أديس أبابا لم تتطور إلى المستوى المطلوب ولم تحقق قفذات نوعية الذي كان ينتظر منها ونخشى أن لا تكون كما يراها بعض المراقبين على اعتبار تلك العلاقة نتاج إشكالية الحدود التي بدأ مسارها المتعسر يتيسر و يتحرك يبطئ إلى الأمام بسبب مجهودات دولية رقم التصريحات هنا وهناك.

هكذا يتضح ضعف قوة المعارضة التي يستمد منها النظام سر استمراره في السلطة رقم أن هذا النظام فقد كل مبررات وجوده ومقومات استمراره.

وإذا كان لابد من تحديد وتشخيص أسباب الضعف يمكن أن نذكر بعض النقاط الأساسية على سبيل المثال لا الحصر التى تتمثل في:

* غياب الوجود الحقيقي للممارسة الديمقراطية

* انعدام العمل المؤسسي ذات طابع علمي

* عدم وجود عناصر أكاديمية عالية التعليم في مراكز اتخاذ القرار

* انعدام ثقافة استشارت المتخصصين في العقل القيادي

* تعين الأشخاص في مؤسسات التنظيم على أساس الولاء بدل الكفاءة والقدرة والعطاء

* عدم وجود التخطيط التخصصي للحاضر وللمستقبل

* ضعف الخطاب السياسي والدبلوماسي

والفكر السياسي المعارض عليه أن يرتقى إلى مستوى الحدث والمعانات التي يكابدها المواطن وان تكون المعارضة جادة في تحديث فكرها وابتكار آليات تتحدى به الخصم السياسي, وتناسب طبيعته, وكما يجب على المعارضة أن تتفهم مدى التحول السياسي في المجتمع الإرتري، وخاصة جيل الشباب، وكل هذا الاستحداث لا يتأتى إلا باستيعاب عناصر شابة ومتعلمة في المؤسسات التنظيمية والقيادية وتحديث الدورة الدموية التي أصابها الفتور إن لم يكن التجمد.وعلى الشباب المتعلم والكادر المتمرس أن يلعب دوره الوطني وان يخرج من عباءة الأبوة وان يقتحم العمل السياسي والحصن القيادي من اجل دفع العمل المعارض إلى الأمام باعتبار التغير مسؤولية الجميع.

التغير السياسي الايجابي في الوطن مرهون بتغير الفكر المعارض إلى الأفضل، وهذا التغير بدوره لا يمكن أن يتحقق, إلا إذا أدرك الكادر الإرتري في مختلف التنظيمات دوره الحقيقي.لو أدرك الكادر الإرتري في التنظيمات دوره الطبيعي، منذ بداية الثورة لما وصل وضع الوطن إلى ما هو عليه الآن، أن ما يؤسف له في المرحلة الماضية سواء في الجبهة الشعبية الحاكمة اليوم أو في التنظيمات الأخرى، أن الكادر الإرتري والمثقف لم تكن له رؤية مستقلة عن قادتهم، بل كل ما تنافر القادة كان الكادر إمعة يتبع القيادة السياسية، لحقيقة التنافر والاختلاف، بل أكثرهم كان مع ما تشابه ابتغاء المصلحة وإرضاء أوهام المسرح، وبالتالي فقد الكادر الإرتري في تلك المرحلة قدرته في معالجة الأزمات السياسية، لعل ذلك قد يعود إلى أن معظم كوادرنا الوطنية تخرجوا من مدرسة التنظيم ولم تعطى لهم فرص تطوير أنفسهم ولم يتحصلوا على ثقافة سياسية مستقلة في مجال الفكر السياسي مما كان حالهم أشبه ما يكن بمن يعيش في قاع الوادي ولو تسلقوا قمم الجبال لأدركوا مدى سعت عرض السماء وتعاطى العمل السياسي الواسع ومرونته.

والكادر الوطنى ما دام انه في موقع عمل بما له من تجارب ماضية سلبا وإيجابا مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى في اخذ دوره الوطني الايجابي في إنقاذ الوطن وان يكون من المساهمين في إحداث التغير الديمقراطي.

 

المعالجة:

الحديث عن المعالجة وكيفية التصحيح قد يطول بل يحتاج إلى دراسة عميقة لكن لابد أن نتطرق بشكل مختصر إلى نقاط المعالجة كما تطرقنا إلى نقاط الضعف والخلل، النقد البناء هو الذي يحدد السلبيات ويشخص أسباب الضعف لينطلق منها إلى آفاق المعالجة وإيجابيات العمل المثمر لان الأسلوب الحضاري في العمل السياسي لا يتأتى إلا عبر تراكم الايجابيات وتخطى غيرها من المعوقات.والمعالجة في الفكري السياسي الإرتري تحتاج إلى مجهود جبار وتضافر الجميع، وهذا التصحيح يجب أن يبدأ من ألذات حتى يسهل علينا تغير الآخر.

التغير السياسي ليس غاية لذاته ولكن وسيلة لتحقيق العدالة والمساواة ودولة القانون والمؤسسات. صحيح أن الوضع الإرتري اليوم يعانى من عدت أزمات قد تكون عائق أمام التصحيح والتغير نتيجة ما تعرض له المجتمع بأسره في ظل نظام هقدف وحزبه من عملية تهميش وتخريب وتذويب في بنيته الاجتماعية والأخلاقية، ونتيجة لذلك ظهرت في المجتمع سلوكيات جديدة لم تكن من قبل، مثل الوشاية والأنانية وحب ألذات، والخوف المطلق من السلطة والتملق على حساب كل القيم مما أدى كل ذلك إلى تخريب العقول والضمائر والنفوس، وتفكك خطير في العلاقات الاجتماعية والوطنية والإنسانية.وهذا التحول الخطير في سلوك المجتمع هو نتيجة لافرازات عقلية النظام التي همشت كل الشخصيات الوطنية والاجتماعية والدينية، بل قام النظام بحلحلة كل الروابط حتى أصبحت الثقة مفقودة بين أفراد وقطاعات المجتمع في العمل المشترك الذي كان سائدا في ملحمة النضال الوطني.هذه القضايا تحتاج إلى حلول جادة ومدروسة من اجل إعادة اللحمة الوطنية وروح التضحيات في نفس المواطن الإرتري.

بما أن قوى المعارضة الإرترية المتواجدة في الساحة السياسية اليوم بمختلف ألوانها وأشكالها واوزانها وكذلك بكل سلبياتها وإيجابياتها هي الإطار الوحيد للعمل السياسي من اجل إحداث التغير الديمقراطي الذي ينتظره الجميع. إلا أنها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت آخر أن تحدد رؤيتها بشكل واضح في قضايا الثوابت الوطنية التي لا تحتمل التلكؤ والمراوغة وان يتحرر الجميع من افرازات مرحلة تاريخية سيئة التي حلت على الوطن، لان عصر الضبابية قد ولى إلى غير رجعة وحل مكانه عصر الشفافية والوعي بالحقوق والوجبات لان الشعوب اليوم إما أن تعترف بحقوق بعضها البعض وتتقاسم الأمن والسلام والرخاء، وإما أن تنكر حقوق بعضها وتتقاسم البؤس والجهل والمرض. وشعوب القرن الأفريقي لها ما يكفيها من تجارب إنكار الحقوق وما جلبه من البؤس والحروب، وما كابده الإرتريون والإثيوبيون معا أكثر من أربع عقود من ويلات الحرب كان نتيجة إنكار الحقوق.وما وصل إليه الشعب الإثيوبي وقادته من القناعات والإقرار بحق الشعب الإرتري عام 1991م لو كانت تلك القناعات وهذا الإقرار بالحق عام 1951م أو 1961م تخيل أي تقدم وازدهار كان سيحقق كل من الشعبين وأي رخاء وسلام كان سيعم المنطقة، وعلى كل الارترين اليوم أن يستفيدوا من هذه التجارب وان يعترفوا بحق بعضهم البعض وأن يعلم الجميع لا يصح في النهاية إلا الصحيح.

بما أن وحدة العمل المعارض ضرورة مرحلية لا استغناء عنها، يجب على كل الأطراف أن تتفق على برنامج حد أدنى للعمل المشترك وان يفكر الكل لعقد مؤتمر حوار وطني يضع النقاط فوق الحروف للخروج بميثاق وطني شامل ليكون بمثابة خارطة الطريق لكل القوة الوطنية الصادقة.

وتجربة التحالف الديمقراطي الإرتري تعتبر رائدة في إيجاد مظلة واحدة في العمل المعارض، وكذلك إعلان الوحدة الثلاثية بين مكونات جبهة الإنقاذ الوطني الإرتري تعتبر قفزة نوعية في الاتجاه الصحيح إلا أن الأمر يحتاج أكثر من هذا وذاك.

وشئ آخر الذي يجب أن يكون ضمن المعالجة هو استحداث الخطاب السياسي، يتضمن ويجيب على كل قضايا الوطن الآنية والمستقبلية, ولا ننسى أن الفكر الشمولي الذي سيطرة على الساحة الإرترية منذ سيطرت الحزب الواحد في الثمانينات إلى اليوم له افرازاته على قطاع كبير من الشباب, ومن كانوا أطفالا في تلك المرحلة هم رجال الوطن اليوم، وبالتالي يجب كسبهم عبر خطاب سياسي يحتوى طموحاتهم ومطالبهم وكذلك مساعدتهم التعرف علي سلبيات تلك المرحلة ومحاولة إعادة قراءات المفردات والمفاهيم الوطنية الصحيحة لهم.

 

سقوط النظام وما بعده:

أن الثورة الإرترية في مرحلة الكفاح المسلح كان فكرها مركز على عملية التحرير أكثر منه إلى ما بعد التحرير، حتى أن معظم القادة الميدانين للجبهة الشعبية نفسها لم يفكروا كثير إلي حال الوطن ما بعد التحرير، إلا المجامع المتحكم اليوم هي وحدها التي كانت تفكر إلى ما بعد التحرير أكثر من عملية التحرير ذاتها، والمعارضة اليوم يجب أن لا تكرر التجربة من جديد و، بالتالي عليها أن تفكر إلى ما بعد التغير أكثر من التغير نفسه، لان التغير كائن لا محال فلا بد من يوم تنقشع فيه هذه الظلمة مسفرة عن صبح أبلج ونور ساطع تختفي عنده خفافيش الظلام.ونظام اسمرا قد اخذ في عدد تنازلي منذ حرب بادمي التي كشفت المستور، وبدأ المؤشر يهبط بشكل سريع منذ اعتقالات سبتمبر عام 2001م بحق أبناء النظام الأساسين.وعقل النظام قد توقف عن الإبداع في الحفاظ على ألذات، ومن المعلوم في عوالم السياسة، أن أي نظام عندما تحدق وتحيط به الأخطار يخرج إلى الملأ بمشروع سياسي جديد كمحاولة لترميم ما تصدع من بنائه ورفع روح المعنوية لأتباعه وأعوانه.لكن ما يلاحظ في نظام اسمرا هو مزيد من الإبداع في السلبيات، ولعل هذا يرجع إلى البنية الفكرية والمكون الثقافي للعقل المشرع في البلاد.

بما أن أي نظام يحمل بداخله بذرة فنائه, أن التغير حتمي لا ريب فيه أن لم يكن بفعل فاعل وبفعل ألذات والزمن.ولكن ماذا بعد زوال النظام؟؟؟ومن يخطف الثمرة هذه المرة؟؟؟الشعب أم فرعون جديد؟وما أكثر الفراعنة في هذا الزمان.

معلوم أن سقوط النظام سيحدث هزات ارتدادية قوية، وهذه الهزات سوف تؤثر على الخارطة السياسية والتوازنات المختلفة وسوف تدخل في المسار السياسي الإرتري أشياء كثير لم تكن في البال خارجية وداخلية:

 أولا الوضع الداخلي:

يمكن أن نجمل الحالة السياسية اليوم على النحو التالي:

* التحالف الديمقراطي الإرتري ويضم تنظيمات متباين في الرؤية والمشارب الفكرية والثقافية ونظرتها للحزب الحاكم ومؤسساته المختلفة وكذلك لارتريا المستقبلية.

* تنظيمات خارج مظلة التحالف الديمقراطي الإرتري وهى كذلك مختلفة الرؤية والتوجه.

* مجموعات أخرى تحمل أسماء غير سياسية إلا أنها لن تكن كذلك في حالة التغير الحقيقي.

* مجموعات معارضة داخل إرترية والتي لا يمكن إستبعاد وجودها وإن كان لا يعرف عنها كثير.

* العناصر المتفرجة الآن والتي تراقب الوضع من بعيد حتما سوف تقحم نفسها في العمل السياسي في لحظة ساعة الصفر.

بما أن سقوط النظام لا يعنى زوال كل مؤسساته وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أنالميثاق.ؤسسات خلفيات ثقافية وسياسية وأخرى مصلحية مرتبطة ببعض قوى المعارضة وهذا حتما سيجعل هذه المؤسسات تبحث عن حلفاء لها في إحدى قوى المعارضة أو تبحث عنهم بعض أطراف المعارضة، كذلك بعض أصحاب الفكر الاقصائي قد يتسللون إلى بعض قوى المعارض أو يسيطرون عليها، وهناك مظالم مكبوت سوف تظهر على السطح، كل هذه الأشياء سوف تحدث حراك سياسي واجتماعي شديد الحساسية, قد يصعب التحكم فيه أو إيجاد حل عاجل له، لذا مفترض من الآن عقد( مؤتمر حوار وطني جامع) يتفق فيه الجميع على قاعدة نظرية تقر المبدأ الديمقراطي التعدد، وتداول السلمي لسلطة، وفصل السلطات الثلاثة، واستقلال القضاء، وإبعاد الجيش والشرطة ومؤسسات الأمن المختلفة عن السياسة، وكذلك تقر بالثوابت الوطنية المتعارف عليها لتكون بمثابة (ميثاق وطني ) يوقع عليه ! الكل ويلتزم به الجميع لكيفية التعامل مع مثل ذلك الحدث وتملك الجماهير هذا الميثاق .

 

ثانيا الوضع الخارجي:

أن الوضع الخارجي اليوم قليل الاهتمام بشأن الداخلي لإرتريا أقلميا ودوليا وان كان لا يخلو من المراقبة والمتابعة, وهذا الوضع لن يكن كذلك إذا وقعة الواقعة، سيكون اهتمام شديد بالوضع الجديد وقد تبحث بعض القوة الخارجية عن أصدقاء أو حلفاء لها في الوضع الجديد قد ينعكس ذلك سلبا في التوازن الداخلي وقد يسبب تفاعلات غير مرغوبة محليا واقلميا.

كل هذه الأشياء متوقعة الحدوث لأنها من طبيعة الأشياء في الحراك السياسي وهذه التفاعلات ستعطى للبعض قوة وللبعض الآخر وهن مما سينعكس على السلوك السياسي لقوة المعارضة الإرترية، لن تكن خارطة المعارضة كما نراها اليوم، قد يصيد الكل في النهر الصغير ولكن الغطاسون وحدهم الذين يصيدون في البحر العميق.

والمعارضة الإرترية أن تتوقع كل هذه الأشياء وتستعد من الآن وتضع لها الحلول المناسبة وخاصة القوة الصادقة منها لان السياسة العملية لا تبنى على حسن النية والمواثيق والعهود فحسب بل تبنى على الوعي الكامل لكل المعطيات الوطنية ومكوناته التاريخية وخلفياته الثقافية، مما يعنى ذلك خلق توازن وقراءة المستقبل بشكل أكاديمي صحيح والابتعاد عن المثالية والمصالح الفردية الضيقة، وعلى الكل أن يفكر بعمق ويعمل بجهد اكبر لما سيكون عليه الوطن بعد زوال النظام أكثر من إزالته، حتى لا يكرر التاريخ نفسه من جديد وتموت الفرحة في مهدها مرة ثانية.

والحكمة السياسية لا تكمن في تقلب الأوضاع ولكن في تغيرها الحقيقي وعلى كل من يمارس السياسة الإرترية أن يدرك كل هذه التعقيدات الكائنة في الخصوصية الإرترية والمحيط الإقليمي الذي نحن جزء منه.

 

 

 

 

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=6696

نشرت بواسطة في مارس 13 2006 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010