السلطان على مرح حنفري في ذمة الله

بقلم أحمد محمد ناخودة

Nakhoda500@hotmail.com

إن لكل بداية نهاية ولكل قوة ضعفاً ولكل حياة موتاً
قال تعالى : { إنك ميت وإنهم ميتون) صدق الله العظيم
وقال تعالى { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة) صدق الله العظيم
وقال تعالى { كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون) صدق الله العظيم
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أكثروا ذكر هادم اللذات) صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال الشاعر
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب *** متى حُط ذا عن نعشه ذاك يركب
نؤمل آمالاً ونرجوا نتاجها *** وباب الردى مما نؤمل أقرب

لقد أنتقل إلي رحمة الله السلطان على مرح حنفري الذي عاش من عمر ناهز التسعين عاما من عمره  ووفاته المنية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا  وقد هز هذا الخبر المحزن جميع الأمة العفرية  في جميع  أنحاء العالم وحيث ما تواجدوا في أرض الغربة أو في إثيوبيا وإرتريا وجيبوتي  وجميع من يعرفون السلطان وإذ أتقدم بكامل التعازي إلي الشعب العفري  عامة لرحيل مثل هذه الشخصية التي تترك أثر كبير وفراغا جما وبالوجه الخصوص إلي عائلة السلطان وأولاده وأحفاده جميعا وإذ كان يعرف السلطان رحمة الله عليه بحفظه لكتاب الله وقربه منه وكان كريما لكل من قصده وحليما في جميع الآحوال في الشدة والرخاء وتاريخه ناصع ومحفول بكل الإنجازات وتجربته كانت في الحياة كانت ملئية وشاملة وحيث حضر مراسم التعازي الكثير من الوجهاء العفرين وممثلين للحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجهات الدينية وبعض من السفراء وحيث أنتقل جثمانه بالطائرة من أديس أبابا إلي أيسعيتا مقر سلطنته وحيث تم تحضير هناك مراسم الدفن وبحضور حشود كبيرة من الحضور رحمة الله عليه وأن يغمره برحمته الواسعةرحمته ويغفر له ما تقدم من ذنبه وأسكنه الله فسيح جناته وجعله الجنة مسكنه

 فهنا أود أن أعرض بعض مما زكره المناضل المرحوم محمد سعيد ناود من السلطان

فالسلطان علي  مرح حنفري سلطان ( أوسا ) يعتبرشخصيىة بارزة ليس في  إطار سلطنته وحسب بل في منطقة القرن الإفريقي . ورغم مايمثله من زعامة دينية لدى قبائل العفر المنتشرة في جيبوتي وإرتريا وأثيوبيا إلا أنه وفي الوقت ذاته ظل يتمتع بهذه الزعامة الروحية لدى قطاع واسع من مسلمي أثيوبيا . كما أن السلطان علي مرح حنفري عرف بالحكمة والحنكة السياسية الأمر  الذي مكنه من المحافظة على الاستقلال الداخلي لسلطنته نتيجة لحنكته وبراعته حيث لم يمكن الإمبراطور هيلاسيلاسى من ابتلاعها مثل باقي السلطنات الأخرى التي كانت قائمة وأزالها الإمبراطور من الوجود .
 ومن جلائل أعماله أنه أهتم بالتعليم حيث كان يرسل بالطلاب إلى الخارج محاولا إزالة الجهل المخيم على أبنائه منطلقا من رؤية واضحة بأن الجهل هو سبب كل بلاء وإن المستقبل هو للعلم والمتعلمين . وبالأضافة للتعليم فإن السلطان علي مرح كان يلعب بجدارة دور المصلح الاجتماعي في حالات كثيرة وأبرزها فض المنازعات ـ أن حدثت بين المجموعات السكانية ـ ولم يكن يسمح للتناقضات الثانوية الصغيرة أن تنفجر . وفي كل مكان في العالم معروفة بنفورها من المدارس والتعليم فإن السلطان علي مرح كان يقدم المغريات حتى المالية منها لآباء الطلاب الذين يأخذهم إلى الخارج من أجل التعليم ، كان هذا رأيه في الماضي ولايزال على نفس الطريق في الوقت الراهن .
 موقفه من قضية إرتريا :
 منذ وقت مبكر أبدى السلطان علي مرح موقفا متعاطفا مع الشعب الإرتري وقضيته العادلة . ففي الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي عرفت سلطنة أوسا الازدهار الاقتصادي وبالذات في الزراعة وزراعة القطن على وجه الخصوص على ضفاف نهر  ” أواش ” . ولهذه الغاية  بدأت بعض الشركات الأوربية تنقل جزء من أنشطتها الاقتصادية إليها . وعندما ضاقت المعيشة بشعبنا في إرتريا نتيجة التخريب الاقتصادي الذي مارسه المحتلون الأثيوبيون ، وبدأت الهجرة إلى الخارج بحثا عن العمل والمعيشة فإن أعدادا من الإرتريين أخذت طريقها إلى سلطنة أوسا .
 وقد كان السلطان علي مرح كريما معهم كعادته . فكل الإرتريين الذين كانوا يلجأون إلى سلطنته طلبا للعيش الكريم لم يقصر معهم في أعطائهم الأراضي الزراعية لاستثمارها والسماح لهم بالرخص التجارية لإقامة الدكاكين والمطاعم والمقاهي.

 

 وعندما قامت سلطات الاحتلال الأثيوبي في إرتريا بالاعتقالات الاعتباطية والمطاردات للوطنيين وممارسة التعذيب فإن أعدادا من هؤلاء بدأت تهرب إلى سلطنة ( أوسا ) . وكان السلطان علي مرح يستقبلهم بالترحاب ويكرمهم ويوفر أمامهم سبل العيش الشريف . بل كان يذهب إلى أبعد من ذلك حيث كان يعين المقتدرين منهم كمستشارين له في تسيير أعمال السلطة . وكمثال وليس للحصر أذكر من هؤلاء المستشارين المهندس عبده كرار ، الأستاذ فاقر حجي محمود ، علي جاسر وآخرون ممن لا أذكر أسمائهم . فالأول المهندس عبده كرار كان عضوا بحركة تحرير إرتريا بل ومن قيادتها في أسمرا  . وقد تعرض للاعتقال ثم التعذيب في أسمرا . وبعدها نقل مع الكثيرين من المعتقلين من أعضاء حركة تحرير إرتريا  إلى سجن ( ألم بقا ) في أديس أبابا الذي قضى به أكثر من عام . وعند الإفراج عنه توجه إلى سلطنة أوسا لأنه لم يكن بمقدوره أن يعيش بسلام في أديس أبابا أو في إرتريا فما كان من السلطان علي مرح إلا أن عينه مستشارا له .
 وعضو حركة تحرير إرتريا الشهيد محمد سعيد شمسي وصالح إبراهيم وعندما أخفقت عملية خروج البوليس من مصوع في عام 1962م وبدأت مطاردة القوات الأثيوبية لهم فإنهم أخذا طريقهما عبر دنكاليا وتجراي إلى سلطنة أوسا . فأستقبلهما أعضاء الحركة هناك وسهلا لهما المرور إلى جيبوتي ثم اليمن .
 أيضا المناضل طه موسى الدنكلي والذي كان من العناصر الأساسية التي قامت ببناء فرع حركة تحرير إرتريا بالمملكة العربية السعودية ، كانت قيادة الحركة قد كلفته بالتوجه إلى منطقة دنكاليا ليقوم بتوسيع عمل الحركة هناك ، وبالفعل قام بتنفيذ قرار قيادة الحركة وتوجه من جدة إلى بور تسودان . ومن بور تسودان توجه بسنابيك أعضاء الحركة من أبناء العفر إلى دنكاليا .
 ومن هناك توجه إلى سلطنة أوسا حيث جعلها مركزه للتحرك وهو آمن ومطمئن  . ومثل هذا العمل وفي تلك المرحلة المظلمة لم يكن عملا عاديا بل كان يمثل شجاعة كان بالإمكان أن تعرض السلطان وسلطنته لمخاطر جمة .

الإمبراطور هيلي سيلاسي والسلطان علي مرح

 كان السلطان علي مرح يخرج سنويا في جولة تشمل الأماكن المقدسة في مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس . ثم يتوجه إلى مصر بعد ذلك لزيارة الأزهر الشريف ، وفي تلك الزيارات كان يقوم بالاتصالات بمختلف الدوائر بالإضافة إلى البحث عن المنح الدراسية لتعليم أبناء سلطنته وغيرهم ، وتعبئة أتباعه وتوحيدهم .
وكان الإمبراطور هيلي سيلاسي ينظر بعين الريبة والشك لتحركاته ، وقد تطوع الوشاة وجواسيس الإمبراطور  بزرع الشك في قلبه بأن السلطان علي مرح يأوي الوطنيين الإرتريين ويحميهم . ولكن السلطان علي مرح كان يلعب لعبة ( الأستغماية ) مع الإمبراطور  ويعرف عقليته ككاهن مكار .
 فعندما طلبه الإمبراطور لسؤاله عن سفرياته السنوية إلى الخارج وعن إيوائه للعناصر الوطنية الإرترية التي تهرب إلى سلطنته ويقوم بإيوائها فإنه لم ينكر التهمتين . فبالنسبة للتهمة الأولى أجاب : ( باعتبارك متدين لدرجة القداسة تعرف أنني مثلك ولو كنت مسلما فإنني أذهب سنويا للأماكن المقدسة الإسلامية من أجل الحج والعيادة والتبرك بها .
أما بالنسبة للوطنيين الإرتريين فإنني حقا أقوم بإيوائهم لمصلحتك لأنني لو أغلقت الباب عليهم فإنه سيكون أمامهم خيار وحيد وهو العودة إلى إرتريا وحمل السلاح ، فأظهر الإمبراطور اقتناعه بهذا الرد . وحتى آخر أيامه لم يمنع السلطان علي مرح من جولاته السنوية الخارجية .
لقاءاتي مع السلطان علي مرح :


 إن ماكتبته في الأسطر القلائل الماضية عن السلطان علي مرح كان نتيجة اتصال ومعرفة مباشرة به ، فأول لقاء  بيني وبينه تم في عام 1965م ، فأثناء وجودي في القاهرة علمت بوصوله إليها ، فكلفت محمد أبوبكر لوممبا عضو حركة تحرير إرتريا الذي كان يدرس بمصر أن يحدد لي موعدا معه ، كان رد السلطان أنه مستعد للاجتماع بي ولكن ليس في القاهرة نتيجة للطوق الذي تضربه عليه السفارة الأثيوبية في القاهرة حيث أن عناصرها لاتفارقه طوال النهار والليل ، ويتابعون كل لقاءاته ، وعليه حدد لي موعدا باليوم والساعة والمكان في الإسكندرية . وذهبت لذلك الموعد برفقة الأخ محمد أبوبكر لوممبا حيث وجدت السلطان وحيدا في انتظارنا . ورغم أنها كانت المرة الأولى للقاء به حيث شرحت له قضية إرتريا إلا إنه وبدون تحفظ عبر لي عن تأييده لنا . وفي الوقت ذاته شرح لي أجواء الحذر الشديد التي يعيشها نتيجة الرقابة الدائمة من سلطات الإمبراطور وعيونه .
  أما المرة الثانية للقاء به فقد كانت في الخرطوم في عام 1966م ، فقد حضر إلى السودان زائرا وكان ينزل بالفندق الكبير ، وتم الاتصال به وحدد لنا موعدا للقاء به . وعند حضورنا إلى بهو الفندق انتظرنا أحد مساعديه واقفا وأخذنا إلى غرفته بالطابق الأرضي ، وأخبرنا أن السلطان كان في انتظارنا حيث نزل بالطابق العلوي ، ولكن السفير الأثيوبي حضر دون تحديد موعد وهو جالس معه . وطلب منا الانتظار ريثما يخرج السفير الأثيوبي ويمكن بعد ذلك اللقاء به . وطال انتظارنا بينما كان ذلك الشخص يذهب من حين لآخر إلى جناح السلطان ويعود إلينا قائلا : أن السفير لازال جالسا . وبعدها اجتمعنا باثنين من مساعديه حيث شرحنا لهما التطورات الجارية في إرتريا وطلبنا منهما أبلاغ ذلك للسلطان مع اعتذارنا للانصراف .
 واللقاء الثالث كان في جدة بالمملكة العربية السعودية في عام 1975م وفي فندق العطاس بعد أن لجأ السلطان علي مرح إليها بعد اجتياح الدرق لسلطنته . فقد أجتاحها الدرق بحجة التقدمية ومحاربة الرجعية . وعندها فإن الجالية الإرترية هناك تعرضت لأهوال لا حصر لها ، ولخسائر فادحة في الأرواح والممتلكات مثلها مثل السلطان علي مرح وتبعثرت ولجأت .
  في ذلك اللقاء مع السلطان علي مرح استعرضنا مادار بيننا في اللقاءين السابقين ، وأكد السلطان علي مرح مجددا عن تأييده المطلق للقضية الإرترية العادلة واستعداده للتأييد المعلن لها بعد سقوط الإمبراطور هيلي سيلاسي واستيلاء الدرق على السلطة .
 أما اللقاء الأخير فقد كان في مكة المكرمة وفي داره في عام 1992م وبعد التحرير وقبل أجراء الاستفتاء وإعلان استقلال إرتريا . وقد كان موضوع نقاشنا هو المحافظة على السلام في إرتريا وتأييد الاستفتاء الذي سيسفر عنه الاستقلال .
 وأجاب السلطان علي مرح بكل وضوح بأنه مع الاستفتاء ، وأنه مع استقلال إرتريا ونشر السلام في ربوعها

 كانت هذه هي لقاءاتي بالسلطان علي مرح وكان ذلك موقفه الثابت إلى جانب القضية الإرترية منذ اللقاء الأول وحتى اللقاء الأخير . ويفرض علينا الاعتراف بالجميل أن نذكر موقف السلطان معنا في مرحلة كنا فيها في أمس الحاجة لمن يؤيدنا سواء كان بالسراء والضراء .

فهذا جزء بسيط مما تعرض له المناضل محمد سعيد ناوند في كتابته عن السلطان

 

  فالسلطان على مرح يمثل رحيله فقدانا كبيرا ولكن الموت مكتوب علينا جميعا فكلنا راحلون من هذا الدار فالبقاء لله وحده فقال الله سبحانه وتعالى في محكمه تنزيله (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ, وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) صدق الله العظيم

وفي الاخير لقد وضع الله سبحانه وتعالى من خصائص الموت ما يجعل الإنسان يفيق من غرور وجاه الدنيا ويذكره  بقدرته سبحانه وتعالى  حتى يتوقع الإنسان الموت في أية لحظة .. فكلما اغتر تذكر انه قد يفارق الدنيا بعد ساعة
ولو كان الله قد أعلم كلا منا بأجله وعصينا الله .. وطغينا في الحياة .. وظلمنا الناس ثم نتوب ونستغفر قبل موعد الأجل بأشهر .. في هذه الحالة تنتفي الحكمة من الحياة وإخفاء الله سبحانه وتعالى موعد الموت هو إعلام به .. ذلك أن إخفاء الموعد يعني أن الإنسان يتوقع الموت في أي لحظة .. ولذلك فإنه إذا كان عاقلا تكون عينه على الدنيا , وعينه الأخرى على الآخرة .. فإذا ارتكب معصية فهو لا يعرف هل سيمد الله أجله إلى أن يتوب و يعمل صالحا .. أم أن أجله قد يأتي وقت ارتكاب المعصية , فلا يجد الوقت للتوبة .وما يقال عن المعصية يقال عن العمل الصالح .. فلو أن موعد الموت معلوم .. لأجل العمل الصالح إلى آخر حياته .. ولكن الله يريد أن يكون الصلاح ممتدا طوال الزمن ولذلك أخفى موعد الموت .. ليعجل الناس بالأعمال الصالحة قبل أن يأتي الأجل .. فكان إخفاء الموعد فيه رحمة من الله للبشر .. رحمة بأن يخافوا المعصية أن تأتي مع الأجل .. ورحمة بأن يسارعوا في الخيرات حتى لا يفاجئهم الأجل……. والله أعلم
(رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَاد) صدق الله العظيم

وفي الآخير أختتم كتابتي لاحول ولاقوة إلا بالله  وإنا لله وإنا إليه راجعون   سوف يكون لي كتابات أخرى عن حياة السلطان مفصلا .

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=13204

نشرت بواسطة في أبريل 26 2011 في صفحة المنبر الحر, شخصيات تاريخية. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010