عودة قوية لدولة الأمهرا

  • تقديم
  • الأكسوميين – سلالة الملك سليمان
  • الأمهرا والأورومو
  • تيدروس – يوهانس
  • خطيئة التقراي التي تكررت
  • ثورة القيرو والفانو
  • السقوط التقراوي المدوي وانتهازية الأمهرا
  • الأمهرا – في قلب الحدث
  • الأمهرا – أصحاب القرار

 

تقديم

في الحلقتين السابقتين تناولنا احتمالين لمجريات الأحداث في إثيوبيا خاصة والقرن الإفريقي بصفة عامة وبحثنا ما ستؤول إليه الأحداث خلال الفترات القادمة وقمنا بسرد المبررات المنطقية لكل منهما ووحاولنا الغوص في دواعمها التاريخية والأخرى المعاصرة الماثلة أمام أعيننا.

أول هذين الإحتمالين كان قد وضع المؤثرات الدولية في موقع الأولوية والصدارة باعتبارها من يعمل على إدارة الأزمة سعياً لتحقيق أهدافها بالوصول إلى وضع وترتيب ملائم لها في المنطقة يتشكل على أساس هذا الترتيب مستقبل المنطقة بما تم تسميته في سابق الأيام بـ “القرن الإفريقي الجديد”. (رابط الحلقة الأولى)

أما ثاني الإحتمالات التي تم تناولها تتمثل في قراءة مجريات الأوضاع القائمة تحت ضوء الصراع التاريخي التقراوي بين مجموعة “عدوا” التي ينتمي لها القائد العسكري ألولا أبا نقا وكذلك جميع نخب الجبهة الشعبية لتحرير تقراي، تقابلها في الجانب الآخر أسرة الحكم في “تمبين” التي ينتمي إليها يوهانس الرابع وشقيقه حقوس مرطتشا وولدي-كيدان، جد إساياس أفورقي ومن تحالف معه ضد التقراي سعيا لمصالحه. (رابط الحلقة الثانية)

واليوم نأتي إليكم بجانب آخر واحتمالات أخرى تقوم على النظر إلى الأحداث من زاوية مختلفة بما سيبدوا أنه واقع مختلف، له خلفياته التاريخية ومؤثراته الآنية. وهذا الواقع يجلب إلى السطح صراع السلطة في إثيوبيا عبر قرون مضت حيث لعب الأمهرا الدور الرائد فيها وتمكنوا من صناعة تاريخ الحكم في إثيوبيا بلا منازع، وقادوا معظم تفاعلاته مما جعل من إثيوبيا دولة الحكم الأمهراوي.

 

الأكسوميين – سلالة الملك سليمان

نبي الله سليمان عليه السلام (الملك سليمان بحسب التراث المسيحي الحبشي) هو من يرجع إليه الأحباش قصة حكم الأمهرا السليماني الذي تأسس في القرن العاشر قبل الميلاد تحت قيادة الملك منيليك الأول الذي يدعى أنه ابن للملك سليمان والملكة بلقيس وأنه استحق ملك الحبشة استناداً إلى ذلك وباعتباره مختاراً من الرب.

إستمرت مملكتهم الأكسومية لما يقرب من ألفي عام حتى انقض عليها، حين الوهن والترهل، مؤسس مملكة زاقوي (الأقوية) ዛጔ ስርወ መንግስት الملك مارا تكلي-هايمانوت واستمرت المملكة الأقوية حتى منتصلف القرن الثالث عشر (ما يقرب من 340 عاماً).

عادت الدولة الأكسومية السليمانية بعد استئصال مملكة زاقوي على يد الملك يكونو املاك في عام 1270م ومن ثم تمكن الأمهرا من استعادة كامل السيطرة على مملكتهم السابقة وعودتهم إلى الحكم بقوة، ومع هذه العودة تركوا اللغة القعزية للكنيسة واعتمدوا لغتهم الأمهرية لغة الحكم الرسمية.

 

الأمهرا والأورومو

تقول الأدبيات الأمهروية المسجلة والأحداث التاريخية المدونة بأن شعوب الجالا (الأورومو لاحقاً) شعوب صومالية كانت تقطن المنحفضات الشرقية ما بعد الجانب الشرقي من الأخدود الإفريقي العظيم. وقد أتت هذه الشعوب مع غزوات الإمام أحمد إبراهيم الغازي (أحمد جرانج) في القرن السادس عشر ومن ثم تمكن الغزاة من امتلاك أجزاء شاسعة من الهضبة الحبشية.

بحوث إثيوبية أخرى تقول بأن الإمام أحمد جرانج حاكما إثيوبيا بامتياز. وجيشه كان يتكون في معظمه من الإثيوبيين الذين عانو من اضطهاد حكم الأمهرا الذي اعتمدته الكنيسة الأورثودوكسية. وكان الإمام يهدف إلى تحرير الممالك الإسلامية الحبشية التي عانت الإضطهاد والترويع والتنصير الإجباري، كما أن الإمام أحمد يعتبر الحاكم الحبشي الوحيد الذي تمكن من توحيد البلاد.

في المواجهات التاريخية بين ملك السليمانيين لبني-دنقل والإمام أحمد قرانج، تم سحق جيش لبني-دنقل وكاد أن يتم أسره لولا تمكنه من الهرب في آخر لحظة إلى سيدامو في أقصى الجنوب الاثيوبي بالقرب من الحدود الكينية الحالية، ثم تسلله تدريحيا عبر الجبال إلى الشمال في تقراي حيث توفي وتسلم ابنه قلاوديوس مقاليد الأمور حتى تم هزيمة الإمام أحمد قرانج بالقرب من الشوطئ الإرترية على يد البرتغاليين فعادت مملكة السليمانيين مرة أخرى بقيادة قلاوديوس واستمر الحكم أمهراويا خالصا ودون منازع حتى منتصف القرن التاسع عشر.

وبحسب الوثائق الأمهراوية التي تعيد الوجود الأوروماوي في الهضبة الحبشية الى القرن السادس عشر فأن عاصمة الحبشة حين غزو الإمام أحمد جرانج كانت “برارا” التي تقع في ذات موقع العاصمة الحالية أديس أبابا والتي دمرها الغزاة، ومن ثم يبررون موقف الملك منيليك الثاني مؤسس إثيوبيا الحديثة حيث أسس العاصمة الحالية أديس أبابا في موقع العاصمة السابقة (برارا) أو بالقرب منها والتي يقول الأموروموا بأنها تقع ضمن أرضهم التاريخية.

 

تيدروس – يوهانس

عبر الفترة من العام 1865 وحتى 1868م حاول البريطانيين الوصول إلى “الملك المؤيد بالنصر تيدروس ملك الحبشة” والتخلص منه بأي ثمن حيث كان يحتجز أسرى إنجليز في موقعه الذي كان محصناً في جبل ماريام بمقدلا ولم يتمكن البريطانيين من معرفة مسالك الوصول إليه رغم محاولاتهم استمالة جنوده والمواطنين من حوله.

وفي الوقت الذي ظل تيدروس منصرفا في كفاحه لإبقاء إثيوبيا بعيداً عن متناول الإستعمار الخارجي والمحافظة على الأراضي السيادية الإثيوبية خرج إلى العلن من يدعي ملك إثيوبيا وهو كاسا مرطتشا ولدي-كيدان الذي لقب نفسه “يوهانس الرابع ملك ملوك صهيون بالحبشة”.

وبالرغم من تمرد قادة آخرين على الملك تيدروس بما فيهم منيليك الثاني، (حاكم شوا آنذاك) إلا أن يوهانس الرابع، (حاكم تقراي آنذاك) وفي مسعى منه لتحقيق قدر من الضمانة لحكمه والاعتراف به، لم يتورع في تمهيد الطريق للإنجليز (1868) ليساعدهم في الوصول إلى قائده الملك تيدروس الثاني الذي انتحر بعد تأكده من وصول الانجليز إليه. وقد حصل يوهانس الرابع في مقابل هذا التصرف الغادر على قدر من الاعتراف به ومنحه بعض الأسلحة التي ساعدته في التوسع شمالا صوب إرتريا ومواجهة الممالك الصغيرة هناك وكذلك مواجهة المصريين من جيوش الخديوي إسماعيل في معاركه فوق الأراضي الإرترية بمنطقتي قوراع وقوندت حيث انتصر يوهانس في كلتا المعركتين.

وبالرغم من الخيانة وتسلم السلطة في الشمال الإثيوبي إلا أن ملك التقراي يوهانس الرابع لم يتمكن من السيطرة على الحبشة بأكملها وظل يواجه منافسة شرسة من الملك الذي يدعي الأصل السليماني الأمهراوي منيليك الثاني، ثم الملك الشرعي للبلاد “تكلي قيورقيس” الذي يفترض أن يخلف تيدروس الثاني.

فشل يوهانس هذا تسبب في ازدياد سلطة منيليك الثاني وتوسعه في السيطرة على الحكم وإزاحة تكلي قيورقيس من طريقه وتمدده إلى أراضي الأوروموا واقترابه أكثر من تقراي بالوصول إلى وللو، بينما يوهانس كان يقاتل الأعدء الكثر في الجبهات المتعددة التي فتحها على نفسه الامر الذي انهى مسيرته بمقتله في المتمه. عاد بعد ذلك حكم المملكة الحبشية أمهراويا خالصاً مرة أخرى حيث أخضع منيليك الثاني المناطق التي كانت تحت سيطرة يوهانس الرابع، وواجه الغزاة الإيطاليين فوق أرض تقراي وحقق الإنتصار المشهود في “عدوا”.

 

خطيئة التقراي التي تكررت

بالرغم من أنّ حكم التقراي بأنه امتد فقط لفترتين متباعدتين، وهما، فترة يوهانس التي امتدت لـ17 عاماً (1872 – 1889م) والتي لم يتمكن فيها من حكم إثيوبيا كاملة، وكان يحلم بإنشاء حكم موازي للحكم السليماني الأمهراوي، إلا أن جشعه وتعجله النتائج وفتحه جبهات عديدة في آن واحد جعل منه ضحيتها الأولى.

بما لا يختلف عن الأولى كانت الفترة الثانية من حكم التقراي، التي امتدت من العام 1991 وحتى 2012م (21 عاما) مليئة بالجشع كسابقتها وفتحت على نفسها النيران من كل جانب كما فعل سلفهم يوهانس الرابع ومن ثم ذهبوا ضحية جشعهم بعد فشلهم في تقديم أي أمل إيجابي للشعب الإثيوبي رغم الفرصة السانحة التي تمتع بها ملس زيناوي عبر أكثر من عقدين من الزمن جعل فيها من إثيوبيا دويلات كل منها تعد جيوشها للتناحر فيما بينها.

 

ثورة القيرو (شباب الأورومو) والفانو (شباب الأمهرا)

وبعد التغيير الذي شهدته البلاد بوفاة ملس زيناوي وتقدم هيلي ماريام دسالنج ليحل محله خلال الفترة من أغسطس 2012 وحتى ابريل 2018 أصر التقراي على منع أي احتمالات للإصلاح السياسي وتعديل المنظومات السياسية والامنية والعسكرية القائمة على سيطرة التقراي الكاملة على مفاصلها، وعليه لم يتمكن دسالنج من إحداث تغيير ملموس وذلك لضعف حاضنته الشعبية بالإضافة إلى عدم تمكنه من إقناع الأمهرا الأقدر على مواجهة آليات التقراي.

وفي هذه الأثناء كان الشارع يزداد اشتعالاً ويتزايد معه القمع التقراوي للحراك الشبابي الذي شهدت به جميع المنظمات الحقوقية باعتباره قتلا ممنهجا للمتظاهرين وانتهاكاً منظما لجميع الحقوق الإنسانية الأساسية (فيديو هيومان رايتس ووتش) وهو الأمر الذي زاد وفاقم من حالة الاحتقان في البلاد، خاصة في إقليم الأورومو والعاصمة أديس أبابا. ولا يسعنا هنا أن نذكر أن قائد تلك العمليات حينها هو قيتاتشو ردا، قائد القوات الخاصة التقراوية التي تم إعدادها لدحر الجيش النظامي الإثيوبي وهي ذات القوات التي هاجمت وسطت على القيادة الشمالية للجيش الإثيوبي مما تسبب في إشعال فتيل الحرب في إقليم تقراي.

نظام الحكم التقراوي ورغم علم أركانه بأن البلاد تشهد ثورة شعبية عارمة إلا أنه لم يتنبه إلى أن زمام الأمور يكاد يفلت من قبضته الأمنية التي اعتمدت القتل والترويع والسجن دون وجه قانوني والتفنن في التعذيب. ونتيجة لهذه التصرفات والنهج الإقصائي، واستمرار التعالي التقراوي، اشتدت ثورة شباب الأورومو (قيرو) المطالب بالتغيير الذي سرعان ما لحقه إقليم الأمهرا بتحرك شبابي تم تسميه بـ (فانو) ترميزا لمن يذهب إلى جبهات القتال بمحض إرادته واضعا نصب عينيه المضي قدماً حتى النصر.

التقراي كانوا على علم كامل بشراسة المنافس ولكنهم أغلقوا على أنفسهم بوابة الأمل باعتماد سياسة القهر والإخضاع في جميع الأقاليم التي شهدت انفلاتا أمنيا وقمعا متزايدا عدا إقليمهم الذي ظل جزيرة منعزلة تنعم بالأمن والأمان.

التقراي لم تفارقهم العقيدة الأمنية التي تعتمد القمع والإرعاب باعتبارها الوسيلة المُثلَى لفرض الإستقرار وذلك حتى بعد خروجهم النهائي من الحكم وتقوقعهم في إقليمهم، حيث اطمأنوا على كميات الأسلحة التي حددوا إقامتها في إقليمهم بدعوى عدم انتهاء الحرب مع إرتريا كما تم إيضاح ذلك بالتفصيل في حديث رئيس الوزراء الإثيوبي الحالي الدكتور أبي أحمد أمام البرلمان في نوفمبر الماضي.

 

السقوط التقراوي المدوي وانتهازية الأمهرا

صلف الجبهة الشعبية لتحرير تقراي أوقعها في تبني خيارات أخرى تنقصها الحكمة والتي من بينها عدم التعاون فيما يخص قرارات محكمة الحدود بين إثيوبيا وإرتريا واجبة التنفيذ والتي حكمت بمعظم الأراضي المتنازع عليها لصالح إثيوبيا. وقد كان هذا الموقف التقراوي رفضاً للحكم الخاص بمنطقة بادمي الذي أتى لصالح إرتريا باعتبار بادمي رمزا للصراع بين البلدين. ويمكننا الإدعاء بأنه ربما كان الوضع سيختلف جذريا لو تعاونوا في تنفيذ تلك القرارات، أو على الأقل لم يكونوا ليقعوا بين فكَّي كماشة، وهو الأمر الذي عجل من سقوطهم، ذاك السقوط المدوي، حيث كان من المنطقي أن يقف النظام الإرتري سنداً لهم في الأزمة الحالية لو قاموا بالتنازل عن صلفهم وقاموا بتنفيذ مقررات المحكمة الدولية.

إستغل الأمهرا هذا الوضع بخبرتهم السياسية وإجماع مجتمعهم على استعادة حكم إثيوبيا الذي يرونه ملكاً صرفا لهم، وكان عليهم استغلال كل هذه الفرص، ومن ثم أتو بما يمكن القول فيه بأنه خادمهم المطيع المولود لإبنتهم السيدة الجوندرية تزتا وولدي هو الدكتور أبي أحمد، ووضعوا له أولوية قصوى وهي الإتيان إليهم بإساياس أفورقي (حاكم إرتريا المستبد) بأي ثمن بهدف استغلاله في الحرب المحتملة “المأمولة بالنسبة للأمهرا”.

ومن أجل هذه الحرب (الفرصة الذهبية) استمر الأمهرا في إعداد الساحة فقاموا باغتيالات منظمة طالت قائد الجيش الإثيوبي الجنرال سعاري مكونن الذي ينتمي للتقراي، إخلاءً للساحة من أي احتمالات تقراوية فوقية قد تؤثر على نشاط الجيش حين ينقض على حكومة إقليم التقراي وميليشياتها. وفي ذات اليوم (22 يونيو 2020م) تم اغتيال رئيس إقليم الأمهرا أمباتشو مكونن الذي لا يتوافق مع المنظومة المعدة، ثم قائد القوات الخاصة للإقليم العميد أسامنو تسيقي المتهور الذي كان يرغب فتح المواجهة مع إقليم التقراي على الفور معتمدا على 40 ألفا من القوات الأمهراوية الخاصة التي أشرف على تدريبها وتسليحها.

تلا ذلك الإستمرار في خطة وضع أسافين متكررة بين قيادات الأورومو ورئيس الوزراء الدكتور أبي أحمد علي الذي يولد لأب أورومي، الأمر الذي وصل بأبي أحمد حد اعتقال رفيق دربه وقائده “لمّا مقرسا” وكذلك المحرك الأول للقيرو “جوهر محمد” الذي كان له نصيب الأسد في مهمة تحريض الشباب حتى الوصول لإقصاء الجبهة الشعبية لتحرير تقراي من على سدة الحكم. وإمعانا في دق الأسافين بين الأمورومو وبعضهم ثم بينهم وبين أبي أحمد، تم اغتيال فنان ثورة القيرو هاتشالو هنديسا ولم يتم الكشف عن هوية الجهة المحرضة لقتله إلا أن المستفيد الوحيد من ذلك هم الأمهرا وحدهم.

أنتج هذا الجهد الأمهراوي، المنظم باحتراف، سيادةً وتمكناً من الواقع السياسي الإثيوبي بعد استكمال مهمة تهيئة الأرض بانقسام الأورومو فيما بينهم وانزواء التقراي خلف صلفهم وقلة خبرتهم أمام خبرات وإرث قرون من الحكم لدى الأمهرا، ثم الشعوب الأخرى التي لا يرى دورها بالعين المجردة.

وفي سبيل تحقيق مبتغاهم هذا قام الأمهرا بإلتقاط كل خطإ يقع فيه التقراي والأورومو وبنو من خلاله واقعاً جديداً يكون كل طرف منهما في حالة ارتعاب من الطرف الآخر ويظل متخندقاً في قلب مجتمعه ومعسكره الخاص، بينما اكتسب الأمهرا ودّ إساياس أفورقي بعد أن وضعوه في موقف عدمي إن صحّ التعبير.

 

الأمهرا في قلب الحدث

ونتيجة لما أسلفنا من إعداد متكامل للبلاد لتسير وفق اجندتهم يقوم الأمهرا اليوم بقيادة إثيوبيا صوب أربع اتجاهات ويهرولون أمام الحكومة الفدرالية بمراحل حتى لا يكون لها فرصة المراجعة ومناقشة الأمور، وهو الامر الذي يجعل من تدخل الحكومة الفدرالية مجرد ردة فعل لحفظ ماء الوجه وإثبات أنها الدولة وانها الحاكم الفعلي. وتتمثل هذه الإتجاهات في التالي:-

أولاً:-  دحر الجبهة الشعبية لتحرير تقراي بحيث لا يحتمل عودتها وقد كان هذا من خلال المشاركة في الحرب بجميع افراد القوات الخاصة للإقليم وشرطة الإقليم والميليشيات الأخرى جنبا إلى جنب مع القوات النظامية التي كانت قد فقدت لصالح اقليم التقراي ما يقرب من 80% من معداتها العسكرية الثقيلة ونسبة 100% من قوتها الصاروخية ونسب غير بعيدة عن ذلك في كل امكانياتها العسكرية.

ويحضرنا في هذا الصدد حديث جميع البرلمانين الإثيوبيين عن مشاركة القوات الخاصة لإقليم الأمهرا ضمن مداخلاتهم وأسئلتهم التي تم توجيهها لرئيس الوزراء أبي أحمد حيث كانوا يشيرون إلى القوات الخاصة لإقليم الأمهرا قبل القوات النظامية، علماً بأن أي إقليم آخر لم يشارك في هذ الحرب حيث تم إلهاؤه في مشاكل جانبية خاصة إقليم الأورومو الذي لم يفق من الضربات الإحترافية المتكررة التي وجهت له والتي كانت تأتي بنتائج خرافية يتم من خلالها ضرب أسافين بين الأورومو وأبي أحمد كما يتم شغل الأوروموا كليّاً بنفسهم.

ثانيا:- إقليم بني شنقول قمز الذي ترتبط مشاكله بحرب المياه الكبرى القادمة لا محالة، ولا شك أن هذا الإقليم سيكون ساحتها الرئيسية. وبناءً عليه لا بد للأمهرا من بسط سيطرتهم على هذا الإقليم بأي شكل كان سواء بإلغاء النظام الفدرالي أو بفرض نوع من حالة الطوارئ يؤدي إلى تسليم إدارة الإقليم إلى الحكومة الفدرالية ومن خلالها يتمكن الأمهرا السيطرة الكاملة على الإقليم استعدادا للإضطلاع بمهامهم الوطنية الكبرى في حماية المصالح الإثيوبية.

بجانب العمل الدعائي المكثف ضد الدستور الفدرالي الإثيوبي وتحميله كافة المشاكل التي تعيشها البلاد، عمل الأمهرا على رسم أنفسهم ضحية أعمال عدائية مكثفة وقتل جماعي منظم تقوم به ميليشيات لها ارتباطات خارجية ويتم وصفها في الحوارات الإثيوبية بحصان طروادة المصري الذي سيتم من خلاله مهاجمة إثيوبيا وتعطيل العمل في سد النهضة وربما العمل على تدميره.

عمليات القتل التي حدثت للأمهرا في منطقة “متكل” وغيرها تم تسويقها بما يوازي الإبادات الجماعية وتم وضع أبي أحمد في زاوية لا يستطيع من خلالها إلا المضي في تنفيذ أجندة الأمهرا وجلب أعداد كبيرة من القوات الفدرالية إلى الإقليم والسماح بالتحرك غير المعلن لقوات إقليم الأمهرا الخاصة في داخل إقليم بني شنقول قمز تحقيقاً للمرحلة الأولى من خطة الأمهر الرامية للإستيلاء على الإقليم.

ثالثاً:- ربما يعتبر إشعال الحدود السودانية جبهة متقدمة تفتحها الخرطوم في توسيع رقعة الجبهة الكبرى التي ستفتح في إقليم بني شنقول وربما يحدث ذلك قبل بداية موسم الأمطار وقبل الملء الثاني لسد النهضة الإثيوبي في أغسطس من العام الحالي. ولكن هناك محركا آخر يستميت في إشعال فتيل الأزمة وقيادتها وهم الأمهرا. يحدث هذا في الوقت الذي تنصرف يه الحكومة الفدرالية في متابعة فلول الجبهة الشعبية لتحرير تقراي في الجبال والكهوف في مهمة لن تنتهي في القريب العاجل. ولا شك انها ستضطر للنزول الى الامر الواقع المفروض عليها ومن ثم ستدخل في مهمة أخرى خلف ميليشيات الامهرا وقوات الاقليم الخاصة.

نعلم أنه ليس من الطبيعي أن يكون السودان الهش بهذه الانتهازية التي تعتمد رؤية قصيرة المدى والتي سيكون لها تبعات أخرى أخطر قد تلعب دورا فيما إذا كان نظام الخرطوم المتهاوي سيستمر أم لا. ولكن لا يمكن أن نستبعد أن يكون السودان على وعي كامل بهذا وهو يعمل فقط تحقيق هدفين قبل تفجر الحرب الكبرى وهما:-

  • المحافظة على ما تبقى من فلول الجبهة الشعبية لتحرير تقراي أملاً في أن تستمر كأحد مصادر القلق الكبرى لإثيوبيا، والتي ستشغل إثيوبيا بإحدى أكبر مشكلاتها الداخلية.
  • ثم المحافظة على سقف ما من العداء السوداني مع إثيوبيا وهو ما سيرفع الحرج عن الخرطوم حين يتم مهاجمة إقليم بني شنقول قمز من قبل مصر انطلاقا من الأراضي السودانية والسعي لإيقاف العمل في سد النهضة وبالتبعية إيقاف مرحلة الملء الثانية للسد التي قد تزيد عن 13 مليار لتر مكعب مما سيسبب شحا في المياه في مصر وبوار أراضٍ زراعية شاسعة بها.

الأمهرا كما أسلفنا، يعتبرون إثيوبيا ملكاً لهم ومن ثم لا يرون غيرهم يستطيع حماية مصالحها كما أنهم يرون أنفسهم الأحق بنيل شرف افتتاح التوربينات رسميا إيذانا بتشغيل السد والبدء في جني ثماره، كما يرون أمامهم هدف أسمى وهو استعادة إثيوبيا وضعها الطبيعي والاضطلاع بدورها الريادي افريقيا ودوليا.

رابع هذه الإتجاهات هو مواجهة كل قوى التمرد الأورومية باعتبارها القادرة على الوقوف عقبة أمام التغيير المتوقع والهادف إلى إستئصال النظام الفدرالي وتمكين الدولة الأمهراوية المركزية من جديد. وعلى هذا الأساس استمرت الإغتيالات والمواجهات المدمرة والتي كان آخرها مقتل جيفارا الأورومي كومسا دريبا المعروف بـ “جال مارو” القائد الشاب الذي تمتع بجاذبية غير طبيعية. (ربما نتناول حكايته في حديث لاحق).

 

الأمهرا أصحاب القرار

وفي ظل سطوة الأمهرا على مراكز قرارات الحكومة الإثيوبية سيكون الوضع قاتما بالنسبة لنظام الحكم الفدرالي كما أن المشاكل التي يمكن أن تؤدي إلى انفلات أمني شامل في البلاد سيتم مواجهتها بالخطة الجهنمية التي استخدمها منيليك الثاني حين نادى بأعلى الصوت داعيا الإثيوبيين لإغلاق خلافاتهم التي كانت تشبه الوضع الحالي والتوجه لمجابهة الغزو الإيطالي ومن ثم تم له ذلك وواجه الطليان وانتصر عليهم وعاد من عدوا ملكا متوجاً يهابه الجميع.

بتنفيذ هذه الخطة ودعوة جموع الإثيوبيين لمواجهة العدوان المصري المتوقع على المشروع القومي الأكبر في تاريخ إثيوبيا، وهو سد النهضة، سيتمكن الأمهرا من إعادة اللحمة الإثيوبية تحت سيطرتهم وسيكون الجميع بجانب الأمهرا في حربهم ضد المصريين ومن سيتحالف معهم. كما أنّ التضاريس الإثيوبية صعبة المراس سيكون لها دورا مؤثراً، وهي التي حاول المصريون الإقتراب منها في سابق العصور وعادوا منها يجرون أذيال الهزيمة.

 

بشرى بركت

 

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=44664

نشرت بواسطة في يناير 5 2021 في صفحة البشرى, المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. يمكنك ترك رد او اقتفاء الردود بواسطة

1 تعليق لـ “عودة قوية لدولة الأمهرا”

  1. مقال طويل يحتوى على معلومات مفيدة ولكن بشرى تسرع فى الحكم النهائى ولم يضع فى الاعتبار ان شعب تجراى كان هو صمام الامام فى حروب اثيوبيا ضد المستعمر … واهمس فى اذنه لا تتسرع يا بشرى (يبدو انه شاب عاطفى ) ان شعب تجراى سيثبت مرة اخرة انه شعب لا يستسلم … والايام بيننا

رد على التعليق

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010