إختطاف التّعليـــــــــم (1)

أ-  محمد ود شيخ أدم

بقلم: بشرى بركت

كان ينزل إلى الشّارع يبحث عن مسائل النّاس إقتداء بسلفه ممن قاموا بالعمل ذاته يوم أن كان النّاس أُمّةً واحدة. كان يذهب إلى الأسواق لا ليسير كما البشر، بل ليستوقفه هذا وذاك في كل ركن وزاوية، يستمع لجميعهم لعلّه يرجع إليهم بقبس من الأمل أو يوجد لهم ما يهتدون به في سبيل الوصول إلى حلحلة المصاعب التي يعانون، وقد كانوا يعودون بفضل من الله وكرمه برضاء تام وقد قُدِّرَ لهم من يحمل همّهم ويسعى في الوصول إلى الحلول بالنيابة عنهم.

من سجناء الرأى والضمير: الاستاذ الشيخ /محمد شيخ آدم دويدة

كان المرحوم عبد الحميد راكي، صديقه ورفيق رسالته السّامية يقول له “من أين تأتي بكلّ هذا الزّمن، وكم ساعة لديك في اليوم الواحد” فبالفعل كان رجلاً غريباً في عدم كلله وملله عن العمل الدؤوب، كان وحده يسعى جاهداً لإنجاح مهمته في معهد البنات المتخصّص والوحيد من نوعه حينها، وكان كلّ من رآه وعرفه يعتقد أنّ ما يبذله في هذه المهمة فقط يفوق طاقة الفرد اليوميّة، فلا منهج ولا دليل تعليمي يسير وفق نهجه، فهو إذن عمل فردي ومجهود شخصي يحتاج إلى العمل اليومي المُكثّف، يوم عمل آخر في ذات يومه الذي يعيش كان سعيه الحثيث لقضاء حوائج الناس من خلال كلّ المتاح له من الوسائل عبر ساعات عمل المؤسسات الحكومية وصولاً لساعات حظر التجوّل ساعياً بين مكاتب الحيّ والمكاتب الأعلى وحتى مكتب البلدية، ثم يستمرّ عطاؤه عبر ليله وليلنا الذي نعرف حيث الأزمات التي لا تنتهي فهذا أُلقي القبض عليه محاولاً تمرير بعض الزّاد إلى جاره، وذاك كان صوته عالياً أثناء ساعات حظر التجوّل، وتلك كانت مضطرّة لإختراق ساعات الحظر سعياً للوصول بإبنها الموعوك إلى تمرجي الحيّ لعله يقدّم لها بعض الأمل، فتقع فريسةً للمجموعات التي تنفّذ أمر الحظر فتُعتقل هي وطفلها، وهؤولاء شباب يريدون شيئاً من الحرية ولحظات للمسامرة بينهم فيحاولون الوصول إلى بعضهم عبر الأزقة فيقعون فرائس للعسس. وكلٌّ من هذه الأزمات تنتهي عبر الليل الطويل بين يدي محمد دويدة، فيمضي ضامناً هذا ويقسم مُقِرّاً بمعرفة ذاك ويسهب في في شرح تفاصيل أزمة تلك السيدة ويؤنب ذاك الشاب المتهور ليوصل الرسالة بأنه ليس إلا مراهقاً فيحلّ كلًّ المسائل عبر ليله الطويل ولا ينتهي هذا إلّا بإنتهاء ساعات الحظر فيبزغ الفجر ولم يجد أمامه إلا شارع حشلا متجهاً إلى المعهد.

وهكذا يستمرّ اليوم الآخر، لا أدري كيف كانت له حياة خاصّة، وكيف كان يوجد لنفسه قسطاً من الرّاحة يساعده على القيام بمهام اليوم التالي. فقد كان مقدّراً له أن يكون في قلب الأزمة ليلاً ونهاراً، فلم يزده هذا إلّا إصرارًا في خدمة مجتمعه الذي عانى الأمرّين.

لم أقل لكم بعدُ أي شيء يُعتبرُ أكثر ممّا يعرفه عنه الخصوم الألداء لمبادئه، والأعداء الأشداء القاسيين على شعبه.  فالكلّ كان يعرفه ساعياً في خدمة مجتمعه، يطرُقُ كلّ الأبواب للوصول إلى طريق الأمل. كان مثل الحديقة الغنّاء، ثمارها تصل هذا وذاك وهذه وتلك، ثمّ تستمرّ في العطاء دون فناء، يأتيها الكلّ من جميع الأنحاء وتستمرّ في عطائها بالليل كما النهار عطاء، لا يتوقف.

كان الوحيد المنافس لنفسه في كلّ الإنتخابات المحلية منذ أن رأيناه يعمل في خدمة شعبه من الحي (القبلي) وحتى إدارة المدينة. بالإضافة إلى التُّهم التي كانت تحاك ضده ليلاً ونهاراً فيستدعى هنا وهناك ويحقّق معه من هذا وذاك. وأذكر في مدينتنا الصغيرة يوم أن قامت إحدى الفدائيات بمحاولة فاشلة لتفجير إحدى المؤسّسات التي لم يكشف عنها، حيث أن ما كانت تحمله الفدائية قد إنفجر قبل وصولها إلى هدفها فكانت هي ضحيته الأولى. في هذا اليوم إعتقل محمد دويدة وتم التحقيق معه ذلك لأن الفدائية مرّت عبر الحي الذي كان مسؤولاً عنه وإتُّهِمَ بمعاونتها فعانى في ذلك ما عانى. وقد كانت هذه الحادثة وأحداث أخرى خصماً من رصيده وبالتّبعية خصماً من رصيد الأمل للمجتمع الذي كان يقوم بالتّفاني في خدمته.

كلّ أنواع الظّلم عانى منه هذا المجتمع، وكلّ الأمل كان دائماً في المخلصين من أبنائه يتصدّرهم محمد دويدة المسجون ظلماً له وللمجتمع وعدواناً عليه وعلى المجتمع. والظالم بالأمس هو ذات ظالم اليوم والمُستهدف هو ذات الشّعب الذي أريد له أن يعاني، فآلامه تطرب مسامع ذاك القاصي البعيد وهذا القريب الدّاني. يتربّص به إبليس العصر فيقطع منه كل شجرة تنبت بالأمل بين يديه ليَبزُغ له من خلالها أي فجر محتمل.

قام لنا محمد دويدة وإخوانه من حملة رسائل الأمل فلم يحتمل العدو القديم الجديد كما العدوّ القديم إلّا أن ينزع عنّا ذلك فأراد الله أن يحقق لنا تتابع الأجيال فأتى من بعده إدريس محمد على (قَرُون) وصحبه بذات الرسالة وذات الأمل فانقضّوا عليهم تحقيقاً لمشروع تجفيف المنابع حتى يذهب الشعب المغلوب على أمره إلى كلّ الأنحاء هائماً على وجهه بحثاً عن عذب المياه في بحارهم المالحة.

ب –  إدريس قرون

من سجناء الرأى والضمير: الاستاذ ادريس محمد علي قرون

أقصو إدريس قَرُون كما أقصوا محمد دويدة!! كيف لا وقد حمل هذا ذات رسالة سلفه، ووجد وترعرع في نفس الحيّ ونهل من نفس النّهر وذهب إلى نفس الخلوة وصلّى أول ما صلّى في ذات الجامع وسار أول ما سار على ذات الشارع. جرى وراء عمه بخيتاي كما فعل الأول، أكل من فول حجية مَرَرُو وتخلّص من آخر حبتين فيه!! إنه إبن محاز شاميت العريق كحال أخيه الكبير.

ولذلك وغيره كان هو الغيور الذي لايرضى بأي ظلم من أيّ نوع ودفع في ذلك غالي الأثمان. فيوم أن أتى عائداً إلى بلده لم يعد بناءًا على حلم العودة البديهي بقدر ما عاد ليعمل على تقوية الحقّ فيأخذ على الباطل فيدمغه.

كان يحمل برنامجا مُتكاملاً لتطوير مجتمعه، وكان أول أدوات هذا التطوير يتمثل في أن يُكمِلَ رسالة سلفه الأستاذ محمد دويدة في الخدمات الإجتماعية فلا غاب ولا اختفى من ترك وراءه إرثا تحمله الأجيال من بعده، إنتُخب إكتساحاً كسلفه وعمل لمجتمعه بقوة الإرادة التي لاتُرَد غير معانٍ أرقا ولا إرهاقاً، فهو خير خلف لخير سلف. لم تُرَدُّ حاجة تَرِدُ إليه. ذهب إلى المشاكل في عقر دارها ساعياً لحلها أكثر ممّا أتت إليه، وهذا ما يفسر إقدامه الدائم وقبوله بالمخاطرة بمواجهة كلّ من يعمل على تعطيل مصالح من حوله أيّاً كان.

كان ثاني أدوات التطوير التي حملها لمجتمعه التّعليم، هذا البرنامج الذي برأيه كان يحمل كلّ القوة التّي لا رادّ لها إلّا الله، نعم! القوة كلها في التّعليم كما كان يردّد قَرون كلّ يوم. ولذلك ذهب إلى أقاصي ما أُرسل إليه من مدن وقرى حاملاً رسالة العلم والمعرفة. كلّ كلمة يُعلّمها لتلميذ في أقاصي بلاده هي إضافة إلى رسالته السّامية حيثُما كان موقعها وأيّاً كان متلقّيها، فهي في إرتريا ومن أجل إرتريا، وقد كان هو الحالم ببناء مؤسّسة تعليمية تسعى لمحو أميّة الحيّ الذي كان يقطنه في فترة ستة أشهر بموجب مشروع كان يحلُم أن يقوم عليه بالتّعاون مع شباب الحيّ الغيورين.

كانت لديه القناعة الكافية التي تدفعه بإتجاه العمل الدؤوب في إيصال رسالة التّعليم ومهمّة المُعلّم إلى كلّ من عرفه وقد كان يحثُّ الشّباب من حوله على تعليم الأجيال القادمة متى ما استطاعوا وأنّ عليهم أن يُثقفوا أنفسهم بكل المتاح لديهم من الفرص. عليهم أن يتقدموا إلى كل الفرص المتاحة للتعليم حتى يتمكنون من الوصول إلى أدوات إيصال رسالتهم إلى الأجيال القادمة.

كان حوله الكثير ممن يحلم بمسيرته ولدعم فكره الشّامل والذي لا يقصي أحداً ولا يقبل بإقصاء أحد، فهو صاحب رسالة التّعليم والعمل الإجتماعي وفاءً لمجتمعه وتطويراً له، وصولا لمجتمع متفاهم ومترابط عن علم ومعرفة.

وقد كان لديه إخوة عن يمينه وشماله يحملون ذات الهمّ، ربّما كان يعرف بعضهم وربّما لم يكن يعرفهم جميعاً، إلّا أنّه كان يحمل نفس همّهم ويسعى في نفس رسالتهم، فهم أبناء هذه الأمة التي سعى الغدّارون على قهرها وعملوا على تجهيلها فذاك هو سلاحهم الفتّاك. وقد يعرف الأعداء ونعرف أنّه ما أن وَجد التّعليم طريقه إلى هذا الشّعب المغلوب على أمره سينقلب أمر الأعادي إلى ما لا يتوقّعون من سُمُوٍّ وإرتقاء ومن ثَمّ لن يكون هناك سبيل لإضطهاده وكسره بشتّى أنواع أسلحتهم، إذ أنّه سيكون حينها قد إمتلك السّلاح الأكثر فعالية وفتكاً وهو التّعليم، ولذلك كلّه كان لابدّ من إستئصال هذا المشروع الذي كان سيضع نواةً سليمةً لنهضة الشّعب ورفعته.

هذا ما يبرّر سعي المستعمر الجديد إلى تجهيل الشّعب وإختطاف المعلّمين كأولوية قصوى لديه، ومن ثمّ يحقّق فيه ما شاء إذ لا أمل لشعب دون أن يرتقي به أبناؤه من أهل العلم، وكان على المستعمر الجديد المبالغة في إستئصال أسباب التّعليم حتى لا يكون هناك أي إحتمال لصحوةٍ قد تأتي من طرف هذا البعبع الجبّار المُنَوّم بالتجهيل.

تمّ إخفاء كلّ من إختطف من المعلّمين، لأن الهدف ليس هم في أشخاصهم، بل إنّما في مشاريعهم التّعليمية، ولذلك كان إغلاق باب التواصل بينهم وبين مجتمعهم هو الهدف الرئيسي لمشروع الإختطاف.

ولكم أعزائي القراء أن تتخيّلوا كيف سيكون الحال اليوم لو إستمرت مشاريع التعليم التي تمّ إغتيالها بالإخفاء القسري، ولنذكر كلّ مختطف وما كان يحلم بتحقيقه، ولنأخذ بعض الوقت سادتي لنتخيّل ماذا كان سيحدث اليوم لو إستمرّت تلكم المشاريع التعليمية النهضوية.

ولنتخيّل في لحظة ما أن يكون قَرُون حرّاً طليقاً يعمل في تحقيق برنامجه وحلمه في تعليم وتثقيف ومحو أميّة مجتمعه. ماذا كان سيتغيّر في المجتمع. لو كان اليوم قد أسّس مؤسّسته التّعليمية الحلم، ما الذي كان سيبقى في مكانه ولا يتغيّر؟؟!!

الأمر إذن ليس سجن قَرُون، أو إخفاء محمد دويدة، الأمر برمته تحجيم مجتمع وتجهيله، ومنع كلّ سبل اللحاق بركب الأمم، ووأد كلّ أحلامه في النّهوض والتّطوّر.

والحل دائماً في مواصلة مسيرة هؤولاء العظام، فيوم أن نسعى لتحقيق ما سعَوْ إليه سنتمكن من رؤية قَرون مرّة أخرى وفي يده كتابه، وفي عقله فكره، وفي بديهيته التدبير والتصرف، كما كان بالأمس – وسيعود محمد دويدة وعينه على المحتاج، يحمل له بشائر الأمل في قضاء حاجته ليعود إلى حيث ينتمي في حديث رسول الله (ص) عن الساعين في قضاء حوائج الناس.

مقالات ذات علاقة:

لن ننساكم يا أحرار : الاستاذ / محمد ادم حامد دويدة

الأستاذ ادريس محمد علي من معتقلي الراي والضمير في ارتريا

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=41388

نشرت بواسطة في مارس 22 2017 في صفحة البشرى, المنبر الحر, سجناء الرأي. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

6 تعليقات لـ “إختطاف التّعليـــــــــم (1)”

  1. ( وأذكر في مدينتنا الصغيرة يوم أن قامت إحدى الفدائيات بمحاولة فاشلة لتفجير إحدى المؤسّسات التي لم يكشف عنها …. ) ،
    الاستاذ بشري ، اوردت مشكورا هذا النص ، وفي يومها اذكر الحادثة تماما وكانت في الطريق المأدي من شركة اللبان الارترية الى المسجد الكبير او الى تقاطع طريق اسمرا كرن ، القنبلة كانت بحوزة الفدائية وانفجرت عليها في الشارع مقابل عيادة الحوامل عند الساعة الثانية طهرا ، الخبر في حينها تناقله الناس ، اذكر مما قيل أنها كانت تسكن في كرن لعالاي وتعمل بوظيفة كاتب في قبلي عد-عقب الذي كان الاستاذ محمد دويدا يرأس ادارته ، ووجد في منزلها وثائق اسماء شباب وبسبب هذه الحادثة اعتقل حوالي اثني عشرة شابا من ضمنهم الاستاذ محمد دويدا ، وبعد قضاء فترة عام تقريبا تم الافراج عنهم في صبيحة يوم عيد الفطر كما يغلب على ظني من بين العيدين ،

    • العزيز متفررجاي
      اشكر واقدر لك ذاكرتك القوية وشهاتك الداعمة
      ممتن لك لكريم اطلالتك وعظيم اهتمامك
      ب.ب

  2. شنقب

    التعليم اساس النهضة. .
    النظام الهقدفي منذ استقلال أريتريا لم يرد للشعب ان يتعلم ويتواصل مع العالم
    وشغل المجتمع باللغة التقرنية والغات المحلية وهذه العصابة التي تحكم بالجهل وتجهيل الشعب مخططات ليبقي النظام لأطول مدة بحكم ارتريا. ..

    • استاذي الكريم شنقب .. الامر بالفعل كما تفضلت بذكره .. حيث اننا نواجه الاستءصال بالتجهيل
      وتقبل فيض شكري وامتناني

  3. alkhair

    أخى/ بشرى اصبحت اتشوق الى ما تكتبه لآنه يلامس قضيا حقيقية لمجتمعنا دم بخير وواصل دون كلل كما فعل اخيك محمد ود سيدنا .

    • اسعدني مرورك عزيزي الخير .. الطاقة كلها نستقيها من كريم اهتمامكم..
      ولك كل شكري وامتناني
      ب.ب

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010