الجارة اللّدود – كيف نتعامل معها؟

بقلم : بشرى بركت

لم يأتنا في يوم من الأيام أي خير من الجانب الجنوبي للحدود. هذه حقيقة واقعة عرفناها عبر التاريخ. وقد كانت هناك غارات منظّمة بعد موسم الحصاد  من كل عام حين تملأ الغلال البيوت، وتكون البهائم في أبهى حالاتها، فينهبون كل شيء ويقتلون أي شيء ثم يعودون أدراجهم ليعاودوا الكرّة في موسمهم المقبل.

هذا العمل الإرهابي المنتظم التوقيت والمحدّد الأهداف، كانت تقوم به الكيانات المحلّية في الجوار القريب من الحدود الجنوبية وهم مجموعات التقراي، إستمرّوا في ذلك لأنّهم لم يتوقعوا منّا الكثير كوننا مسالمين حتى الثّمالة، نأبى أن نقبل بالتّوقعات وهم يعلمون ذلك، فظللنا نحن الفريسة بلا أنياب وهم الصيّاد بلا رحمة.

هؤولاء هم جيراننا القريبون في الجنوب، ولكن هل هم كلّ إثيوبيا؟

هذه الدولة بصورتها الحاليّة أو الحبشة القديمة بصورها المتغيّرة لم تكن بالقدر الذي نعرف من العداء لنا عدا القريبون منّا من التقراي. وقد كانت إحدى الهجمات المنظّمة التي أتت إلينا من إثيوبيا “الرّسمية” حينها كانت ضمن الحملات التي قام بها ملك التقراي المسمّى ب “يوهانس الرابع” وقائده العسكري ألُولا إنقدا (أبّا نقّا) حين أمهلوا المسلمين ثلاثة أشهر ممّن وصلت إليهم أيديهم الآثمة بالتحوّل إلى النّصرانية الأرثودوكسية وإلا ذُبحوا ذبحاً، إلا أنّ الأقدار كانت أقرب إلى ذبح يوهانس على أيدي الدّراويش أكثر من أهلنا في الهضبة الذين صمدوا وإستمسكوا بحبل الله فكان لهم سنداً وعزّاً.

وممّا يتحتّم علينا ذكره هنا ما أورده النّاشط السياسي والإجتماعي أستاذ العلوم الحيوية الدكتور محمد خير عمر عبر حسابه في فيسبوك منذ أيام مضت، حين ذكر أن القائد العسكري ليوهانس الرابع والمدعوا “ألولا أبّا نقّا” أنه في يوم 22/11/1886م وقبل إسنحاق جحافلهم كليّةً أمام الدراويش بأقلّ من ثلاثة أعوام. أقدم على ذبح ثلثي أهلنا من الباريا والكوناما في مساكنهم. وهذه صورة واحدةً من آلاف الصور التي تدمينا أبد الدهر، ولابُدّ أن تظلّ حيّة في ذاكرتنا أبداً ما حيينا، وتجعل الثّقة فيمن يعتزّ بيوهانس واليوهانّسية تنعدم لدينا تماماً، وليس هناك أدلّ من التّفاعل مع هذا البوست المنقول عن كاتب إيطالي، فقراءة التعليقات والتفاعل حول هذا الموضوع سيعطيك عزيزي القارئ دليلا قاطعا على مستوى الأزمة التي نحن بصددها مع الجارة اللّدود والأخوة الألدّ ولك أن تمارس حقّك في كم تسفاطيون أنت بصددهم!!.

على أية حال، وبالعودة إلى إثيوبيا الكاملة نقول بأنّ تلك أيام كانت الأسوأ في تاريخ هذه الدولة في داخلياً وخارجياً أيضاً حين تآمر المدعوا يوهانس مع الأنقليز على بطل إثيوبيا الفذّ تيدروس الثاني ثمّ يعلن إستقلاله بمنطقة التقراي بعد سقوط تيدروس بطلاً مقاوماً عزيزاً من أجل وطنه ووحدة ترابه.

ثمانية عشر من السنين العجاف حكم فيها ملك التقراي مساحات غير كبيرة من إثيوبيا “التائهة حينها”، بموجب الغارات المتتالية والغدر المنظّم في كلّ ما وصلت إليه أيدي هذا اليوهانّس الآثمة من أرض الحبشة المبعثرة بسقوط بطلها الجسور تيدروس الثاني، وإستمرّ يوهانس في جشعه وعدوانه المنظّم على كل من جاوره داخل إثيوبيا حين غدر بملوك “قوجام” و”شوا” و”وللو”، وخارجها حين وصل بطشه إلى الجوار الجغرافي في إرتريا والسودان ممّا حتّم عليه بموجب سوء إدارته وعنصريته وطائفيته البغيضة، النهاية المروّعة التي تعلمون من التّمثيل برأسه ومن ثمّ  بكرامة إثيوبيا التي إدّعى حكمه لها.

حُكم التقراي الثاني على مدار التاريخ المديد لإثيوبيا أو الحبشة كان حكم ملّس زيناوي ، هذا الحكم  المستمرّ حتى الآن بكل أهواله وتصرفاته التي فتّتت إثيوبياا وشتّتت شعبها. ومازاال تفتيت المفتّت وتشتيت المشتّت يجري على قدم وساق.

إذن إثيوبيا – التقراي – التي نعيش اليوم ليست إلا الإستثناء السيء على مدار تاريخ هذا البلد الطويل والعريض مثلها كمثل دولة يوهانس الفاشية، ذلك إذا أقررنا بأنّ الرغبة في النفوذ إلى البحر ومحاولات تحقيق ذلك بشتّى الوسائل أمرأ طبيعيّاً بمفهومه الإستراتيجي.

وللعلم فأن ممالك أكسوم المتوالية لم تكن تقراوية بقدر ما هي إثيوبية حبشية أقعزية عاشت قبل أن تتكون بذرة التقراي الحاقدة التي نعرف اليوم. حتى أنّ آخر ملوك أكسوم “فاسيليديس” كان من “لاستا” التي يتواجد أغلب أفرادها اليوم في قوجام.

لاجدال في أنّ إثيوبيا عبر تاريخها الطويل ظلت كيانا يشوبه وسواس عدم الرغبة في التأثر بالخارج وبالذات الجوار العربي المسلم الذي ظل بعض حكامها يتآمرون عليه مع الغزاة الأوروبيين كخط دفاع متقدّم لهم، حتى لا يصل التأثير والتأثر إلى شعبهم الخانع بشكل دائم للحاكم “المرسل من الله ووكيله على الارض” في وجه مجتمعات تتفاعل وتتطوّر عبر هذا التفاعل.

فإذا نظرنا إلى حالة إثيوبيا التاريخية سنجد حقيقة مُروّعة، حادّة الجانبين وسنجدهما قائمين في تناقض تامّ، وهما:

الرغبة الملحّة من حكام إثيوبيا التاريخيين في النفوذ إلى البحر.

وفي نفس الوقت التقوقع بثقافتهم إلى داخل اليابسة هروباً من التأثير والتأثّر الطبيعي ضمن التفاعل البشري.

الأمر الذي تسبّب في عدم تمكّنهم من تحقيق الحُسنيين معاً، فأدى ذلك إلى تكوّن كيانات أخرى تتفاعل مع العالم الخارجي عبر البحار في مناطق التّماس ّ التي ظلّ الإثيوبيون يفرّون منها.

ذلك التفاعل التي هربت منه الحبشة عبر التاريخ، أدّى إلى تكون طبيعي لكيانات مختلفة كلّيةً عنها، فكان أن تكوّنت دول الصومال وجيبوتي وإرترياا بثقافاتها البعيدة عن إثيوبيا الهاربة عن إلى داخل اليابسة فراراً من التفاعل مع الجوار الإسلامي حماية لهويتها الأرتودوكسية. وإن وجد شيء من التفاعل فقد كان حديث السيوف والحراب والعمالة للدّخلاء الأوروبين ليس إلّا.

التكوّن الطبيعي للجوار الجغرافي لإثيوبيا كان سلبيّا كما يراه الإثيوبيون اليوم، فحاول بعضهم الإقتراب من البحر بقوّة السّلاح مراراً عدّة. وحاول ذلك آخرون بالتمدّد الديموغرافي حيث وصل بعضهم سكّانا وأصحاب أراض إمتلكوها بشتّى الوسائل إلى شواطئ البحر الأحمر وباب المندب. ولكن هذا لم يغيّر الكثير في مصير دولتهم الحبيسة، فلم تتوقف المحاولات هنا ولن تتوقف في المستقبل، حيث ستظلّ تلك الرغبة في النفوذ إلى البحر الأحمر دائمة.

مؤخراُ، ظهرت فئة عقلانية من سكّان وسط إثيوبيا الذين ظلّوا الحكّام الأصليين والقادرين على إدارة شؤونها بالشكل اللائق، تتّسمُ هذه الفئة بالكياسة والحنكة السياسية فتنظر إلى هذا الأمر بشكله العملي، تلك الفئة، تُعتبر منفذاً جيّدا إلى إثيوبيا المستقبل التي نودّ التعامل معها تحقيقاً لأمننا واستقرارنا.

أسرد هذه المقدمة الطويلة لكي أؤكّد على أنّ الرغبة في النفوذ إلى البحر عبر إرتريا تحديدا ستكون شغل اثيوبيا الشّاغل على مدار قادم العصور كما كانت في ماضيه ولن يكون هناك بدٌّ من التّعامل مع هذه الحقيقة دون التّفريط في السّيادة على الأرض الإرترية. وهناك ألف حسبة وحسبة يمكن أن تخرجنا من هذه المعضلة التاريخية مقابل إستبعاد العدو التاريخي من موقع القوة، والعمل على التعاون مع الحكام الأذكى والاقدر على السيطرة على إثيوبيا الجارة الكبرى.

كيف؟

قد ترونني أعزائي القراء والمحلّلين لا أهاب الخوض في كل شيء، فنحن اليوم نتشبّث بكلّ ما هو متاحٌ من الفُرص التي قد تعيدُ لنا الوطن المسلوب والعدل المفقود. وفي نهاية الأمر ليس هذا إلا فكرٌ نتداوله ونتبادله حتى نصل إلى رأي جامع ننطلق منه نحو آمالنا في دولة تنعم بالأمن والديمقراطية والمساواة والحقوق الوطنية والإنسانية المثبّتة.

الفئة التي ذكرت على أنّها عقلانية لديها دائماً الإستعداد لمناقشة جلب المصالح مقابل درء المكائد ووأد الكائدين وقد ذاقوا منهم الأمرّين تشتيتاً وتقتيلاً وإذلالاً في سنون حكم التقراي الخمس وعشرين السيئة السمعة ، ولن يكون مستحيلاً أن نتعامل معهم في إطار مصالحنا المشتركة فنحتفظ نحن بالسيادة والنّظام الخدمي ولهم حقّ الإيجار الرّمزي بعيد المدى لموانئ قائمة وأخرى قد تقام، يمتلكون من الأدوات الخدمية فيه ما يشاؤون ويجلبون من العمالة ما يشتهون ويؤسّسون فروعاً لأنظمة عملهم في إطار سيادتنا على أرضنا. لا نكلّفهم شيئاً إلّا مقابلاً رمزيّاً تأكيداً للسّيادة. والفائدة تعمّ والأمن يستتبّ.

لا تنفر من هذا، عزيزي القارئ، فهو أمرٌ قائمٌ ومعمولٌ به عبر كلّ دول العالم، تسعى إليه عظام الدّول تحقيقاً لمصالحها،  وفي حالتنا نحن في إرتريا لدينا مصالح متعدّدة ذات تشعّبات واسعة. بالإضافة إلى أنّنا لسنا إستثناءً في هذا العالم المفتوح واسعاً على بعضه ، فليس بنا جربٌ يودي بنا إلى إفراطنا في التحسّس من التعامل مع الآخر، إذ أنّ أمراً بهذه الأهمية والخطورة يجب أن يتمّ التصرّف فيه بحكمة بالغة قد تُوصلنا إلى تحقيق مصالح دائمة لنا من توفير ميزانيات غريبة لا نستطيع الوفاء بها وتخوّف دائم من خطر داهم حتماً واقعٌ بنا إن لم يتمّ التصرف بحكمة وإقتدار وإستباق للأحداث المخيفة، وللعلم فإنّ النظر إلى المستقبل البعيد بأدواته ومعطياته أهمّ من الفروسية والبطولة التي من الممكن أن يقول بها بعضنا هنا أو هناك.

فإذا كانت الإتفاقات من هذا القبيل والتعاون في هذا الإتجاه سيحقق لنا درء المكائد ووأد الكائدين، فما المانع؟! حيث أنّ الإرتباط الإستراتيجي في حدود السّيادة الوطنية ليس بالأمر الصّعب إن كان سيحقّق مصالح مشتركة للطرفين ويحقّق لكلّ منا ما يريد في إطاره المضمون والواقعي.

فنحن نريد أمناً وسلاماً دائمين في وطن نستظل به دون خوف أو ريبة ثمّ سوقاً ضخماً تزدهر من خلالها أعمالنا، وتجلب لنا أسباب الحياة الهانئة.

وهناك أفكار أخرى قد يراها بعضنا مجنونة وفيها من التجاوز ما لا يمكن قبوله ولكنّها واقعية وتنظر أبعد من تحت قدمي قارئها وفيها الكثير من الواقعية، وقد لا يكون الخوض فيها بالأمر الضروري للوصول إلى برنامج عمل لصيانة ومستقيلنا داخل بلادنا وفي ربوع أرضنا ووطننا، إلّا أنه رُبّما يكون لها فرصة البروز حين يتمّ التعامل مع الواقع على الأرض ومعرفة ماذا سيقدّم الجانب الآخر تأمينا لوجودنا وضماناً لحقوقنا ووأداً لكيانات الغدر والإجرام المنظّم.

هذه القاعدة تنسحب في كلّ العلاقات الدّولية لإرتريا المستقبل والتي ستمثّل شعبها صانع الطمأنينة حيثما وُجد، بما في ذلك علاقاتنا مع الدّول العظمى التي سنتناول في الأسبوع القادم ثمّ الجوار العربي في الأسبوع الذي يليه إنشاء الله.

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=38236

نشرت بواسطة في ديسمبر 5 2016 في صفحة البشرى, المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

4 تعليقات لـ “الجارة اللّدود – كيف نتعامل معها؟”

  1. الأخوين الكريمين عبد الله وابو صالح .. اشكر لكما كريم اهتمامكما بما كتبت واسعدني ما قرأت من راييكما.. وأود أن أشير إلى أن المقال موضوع نقاشكما رابع سلسلة مقالات مكملة لبعضها، وعليه أرى أن مجمل الفكرة ستكون أوضح بربط المقالات التي تنشرخامسا اليوم، ومن ثم يكون النقاش من خلال مجمل الفكرة..
    وتفضل بوافر شكري وامتناني

    ب.ب

  2. عبدالله

    حياك الله الاستاذ / ابو صالح

    يوجد الكود يا ابو صالح في أول جملة للمقال (لم يأتنا في يوم من الأيام أي خير من الجانب الجنوبي للحدود) وايضا في مواقع أخرى من المقال مثلا:

    *** (مؤخراُ، ظهرت فئة عقلانية من سكّان وسط إثيوبيا الذين ظلّوا الحكّام الأصليين والقادرين على إدارة شؤونها بالشكل اللائق، تتّسمُ هذه الفئة بالكياسة والحنكة السياسية فتنظر إلى هذا الأمر بشكله العملي، تلك الفئة، تُعتبر منفذاً جيّدا إلى إثيوبيا المستقبل التي نودّ التعامل معها تحقيقاً لأمننا واستقرارنا.)

    *** (الفئة التي ذكرت على أنّها عقلانية لديها دائماً الإستعداد لمناقشة جلب المصالح مقابل درء المكائد ووأد الكائدين وقد ذاقوا منهم الأمرّين تشتيتاً وتقتيلاً وإذلالاً في سنون حكم التقراي الخمس وعشرين السيئة السمعة)

    معركة إسياس في الوقت الراهن هي مع التجراي ويرغب الانتصار عليهم بأي شكل من الاشكال ويبشرنا بخيرية الأمهر الذين استعمروا إرتريا في الماضي القريب ويريدنا أن ننسى تاريخ التجراي القريب التي وقفت مع استقلال ارتريا واستقبلت المعارضة واللاجئين الارتريين —- نعم نحن مستعدون للتعامل مع الفئات التي ظهرت على السطح في الآونة الأخيرة وفق نظرتهم لنا ولكن لا نعادي تجراي الحالية من أجل الجدد الذين لا نرى منهم شئ حتى هذه اللحظة

    نحن لا نعادي تجراي الحالية ولا الفئات التي ظهرت في الأونة الأخيرة — نحن دعاة السلام مع الكل مادام يسالمنا

    الكود يا استاذ ابو صالح هو: يتمنى إسياس أن نعادي ونحارب التجراي ونأوي وندعم ونستبشر خيرا من الذين يدعمهم إسياس

  3. المقال فيه جانب من الموضوعية في مايتعلق بالتعامل مع الدول والمصالحة القتصادية.وحسني الجوار مع كل الدول المجاورة لنا.اما الجانب الذي لم يكون له اي همية في ماقيل ذكر الماضي السياسي للثيوبين ومكان بينهم وبيننا من الماضي الذي عتبره انا شي من الماضي يعتبر ملف مقفول بعد الستقلال وللستاذ عبدلله ان يبحث عن الكود الذي يبن للقاري الكريم مايرده الكاتب من هذا البحث ومنكم نستفيد…

  4. عبدالله

    مقال يجسد أفكار وصراعات وحيل اسياس افورقي

    الحبال التي كان يلعب عليها اصبحت معقدة جدا وسوف تخنقه حتى الموت

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010