السودان الرسمي وتكرير الأخطاء تجاه المجتمع الإرتري

في خمسينيات القرن المنصرم يذكرأن واجهاء مسلمين من المجتمع الإرتري همسوا في أذن الزعيم السوداني الثائر اسماعيل الأزهري بأهمية موقف السودان من قضية استقلال إرتريا ‘ وبأهمية مساندة المسلمين الإرتريين ثقافيا وسياسيا. وبالرغم من مواقف الاتحادين وتيارات الختمية السودانية الايجابي تجاه وإرتريا ‘ وحب اسماعيل الأزهري لإرتريا ؛ لم يحرك السودان الرسمي ( الحكومة) ساكنا في قضية استقلال إرتريا من عدمه‘ في الوقت الذي ناضلت باكستان مثلا دبلوماسيا في سبيل نيل إرتريا استقلالها دون محاولة ربطها بإثيوبيا. في وقت فتحت مصر أبوابها للأفواج السياسية الأولى من مناضلي إرتريا ، بل وافتحت ابوابها واسعة امام طلبة العلم الإرتريين في الازهر الشريف وتحملت مسئوليتها في قوامة اللغة العربية في إرتريا من خلال مدرسة الجالية العربية في اسمرا . فكان من الطبيعي ان تطلق الثورة الإرتري في 1960 في القاهرة. واليوم ما أشبه الليلة بالبارحة ‘ فقد قام فتية من الشباب الإرتري من حركة 24 مايو في يناير الفائت باحتلال سفارة النظام الإرتري في القاهرة لساعات طويلة عبروا خلالها عن عودة الأمل في المجتمع الإرتري وأدخلوا هشاشة دبلوماسي النظام الحاكم ذهابا وايابا في عيون كمرات الإعلام العالمي.

وكان نظام عبود في السودان(1958-1964) أسوأ فترة بالنسبة للإرتريين في السودان . ثم جاءت فترة الأحزاب السودانية الأولى 1964 وعبر الشارع السوداني عن موقف حر مساند لاستقلال إرتريا ، بل وشهد السودان على المستوى الشعبي والحزبي مظاهرات تأييد عارمة للنضال الإرتري والثورة الإرترية. وهنا يجب أن نذكر لماما ؛ بأن القوى الفكرية السودانية (الحزب الشيوعي والاخوان المسلمون – الجبهة الإسلامية القومية) كانت أكثر وضوحا ودفاعا عن الثورة الارترية. ولكن في الوقت ذاته يجب ان نشير الى ان بعض مواقف الحزب الشيوعي السوداني شهدت تقلبات حسب المواقف الفكرية اليسارية السطحية التي تبناها منجستو هيلي ماريام.

ثم جاءت فترة حكم جعفر محمد نميري في السودان (1969-1985) وشهدت ربط ملف الثورة الإرترية بالاستخبارات والأمن السوداني بعيدا عن دائرة الاهتمام السياسي. كما ان هذه الفترة شهدت محاولات سودانية للتوفيق بين اجنحة الثورة الإرترية. كانت اكبر محاولة توفيق سودانية على الاطلاق هي اتفاقية الخرطوم الثانية (اتفاقية 20 اكتوبر 1977) بين جبهة التحرير الإرترية بقيادة احمد محمد ناصر والجبهة الشعبية لتحرير ارتريا بقيادة رمضان محمد نور وأسياس أفورقي. حيث كان أبو القاسم ابراهيم الممسكن بملف هذه المفاضات بدعم من جامعة الدول العربية. ومن يقرأ ما بين سطور السياسة السودانية في تلك الفترة يمكنه ان يخلص إلى ان الاستخبارات السودانية كانت تعمل لمصلحة ترجيح كفة الجبهة الشعبية. وهي ذات الفترة التي شهدت فيها انهيار جبهة التحرير الإرترية واستقبلال السودان لآلاف من قوى تلك الجبهة بكل عتادها واسلحتهم إلى داخل اراضيه دونما يكون للسودان أية أدوار للحفاظ على اوضاع توازن الساحة الثورية الإرترية . والأدهى والأمر بأن عناصر الجبهة الشعبية تمكنت من تنفيذ اغتيالات لا حصرلها ضد أهم قيادات إرترية‘ كما هي الحالة في اغتيال ادريس هنقلا في كسلا و عثمان عجيب في الخرطوم ، وهنالك كان محمود حسب. لا شك ان الاستخبارات السودانية كان يمكنها ان تحمي تلك القيادات البارزة ‘ وان لم يكن ذلك كان يمكنها القبض على المجرمين وتقديمهم للعدالة.

ثم عاد الصادق المهدي في حكم السودان (1986-1989) فبرزت جدلية الموازنة بين مشكلة الجنوب السوداني والقضية الإرترية في العلاقات السودانية الاثيوبية. أي ‘ كاد السودان الرسمي أن يضع يده على يد اثيوبيا في محاصرة الثورة الإرترية مقابل ان تفعل اثيوبيا مثل ذلك في القوى الجنوبية السودانية المسلحة. ولهذا لم يكد ينفك ملف الثورة الإرتري من النظرة الاستخباراتيىة في السياسة السودانية.

ثم جاءت تجربة الحكم الاسلامي في السودان بقيادة عمر البشير في 1990 في خضم تغييرات اقليمية ودولية ايدلوجية وسياسية . تحررت إرتريا وجاء أسياس أفورقي رئيسا لتلك الدولة الوليدة ‘ وجاءت الادوار السودانية الرسمية والشعبية قوية في تأييد استقلال ارتريا ، مثلما فعلت ذلك أمريكا والامم المتحدة والعالم اجمع. احدى كبريات الاخطاء؛ لم يحاول السودان قراءة الواقع الارتري ومراجعة التاريخ ومن ثم دعم مواقف التوازنات في إرتريا. رفضت القيادات الرئيسة في السودان إلى سماع مثقال ذرة من التشكيك في صلاح اسياس أفورقي.

فجلس الثعلبانان حسن الترابي واسياس افورقي في دائرة مغلقة في الخرطوم عام 1992 ووضعا سياسة تأمين حدوديهما من اية اختراقات معارضاتية ضد بعضهما بعض. بل وفرض اسياس افورقي سياسته الانفرادية فطلب من حسن عبد الله الترابي سياسىة الإجلاء والإبقاء. إجلاء كل القيادات الارترية وابقاء كل اللاجئين الارتريين في السودان دون العودة إلى إرتريا. نفذ السودان مخلصا هذه السياسة بينما بدأ اسياس افورقي في دراسة السبل البديلة لمحاصرة ما عرف بالمشروع الاسلامي السوداني. وحثيثا جاءت التحالفات الإرترية الإثيوبية اليوغندية ضد السودان. وهناضعفت العلاقة السودانية الإرترية ثم قويت ثم ضعفت إلى أن وصلت إلى مرحلة انسجام تام بين قمتي النظامين منذ 2006م . ثم ما اشبه الليلة بالبارحة حيث يفرض اسياس أفورقي اليوم 2013 شروطا من نوع آخر. حيث طلب من عمر البشيرفي اسمرا في في مطلع فبراير الجاري فرض سياسة الاجلاء والحظر على الارتريين. التأكد من اعادة اجلاء كل القطاءات الإرترية المعارضة وحظر دخول أي انسان إرتري إلى السودان.انها مأساة ابناء إرتريا في السودان .فقد تم إعادة اعداد من الإرتريين من حملة جوازات أوربية من مطار الخرطوم ‘ وآخرون من دونهم علقوا حجوزاتهم في الطيران بعد ان تأكدوا من صعوبة دخول الارتريين إلى السودان. السفارات تعطعي الفيز مسبقا وجناح السياسة السودانية في اسمرا جاء برياح اخرى طارئة والضحية هوالانسان الارتري البريئ.وحتى اللاجئ الارتري المسكين لم يجد الحماية اللازمة من الجوع والخوف فتلك شجرابات تشهد حينا بعد آخر مأساة آخرها مأساة الاعتداء الرشايدي في عقر دارها.
وهنا بعض حقائق:
1- السودان كان البلد الوحيد الذي عبر عن قلقه الشديد ابان حركة 21 يناير 2013 في إرتريا‘ حيث قام عمر البشير باتصالات مكثفة للاطمئنان على سلامة اسياس افورقي‘ ثم عجل زيارته إلى إرتريا والإطمنان بحضوره شخصيا على وجود النظام الإرتري الحاكم. إلى وقت قريب كنت اعتقد ان عمر البشير أو النظام السوداني اهتم بالأوضاع في إرتريا بغرض الحصول على معلومات استخباراتية لصناعة سياسة جديدة في إرتريا عقب حركة فورتو 21 يناير المنصرم‘ ولكن خاب حسن ظني في تلك السياسة بعد ان تأكدت أنها في ذات مسارات الفقدان إلى الاتجاه الاستراتيجي حول إرتريا.
يجب أن يعرف واضعوا السياسة السودانية تجاه إرتريا أن المجتمع الإرتري في الخارج والداخل في غاية الاشمئزاز من تكرير الاخطاء تجاه ارتريا. لأن الإرتريين قد وضعوا ولا يزالون امالا كبيرة في مبدأ ازالة النظام الحاكم واطلاق سراح الألاف من ابنائه من معتقلات الدكتاتور الحاكم‘ ولسان حالهم يقول: يا عمر البشير قل خيرا أو اصمت ‘ دع الدكتاتور يرحل والشعب سيد نفسه. دع الظالم يرحل لنشتم رائحة الحرية ومن ثم نتنادى في أبنائي الأوفياء. هنا يجب أن أشير إلى ان حركة 21 يناير لم تكن انقلابية تم حسمها في لحظة التنفيذ ولكنها حركة مطالبية ذات جذور قيادية خلافية مع سياسات اسياس افورقي. أي انها ادت الرسالة الأولى وانها غدا قادمة بطريق آخر وأنها تمثل الطريق الثالث لحل المشكل الإرتري ( أهمية التغيير من الداخل). فهلا توقفت السياسة السودانية من تكرير اخطائها تجاه المجتمع الإرتري وهلا استوعبت الدرس تلو الآخر من سياسات إسياس أفورقي.

2- لأية دولة- بداهة- الحق الكامل في منع أي شخص من دخول اراضيها تحت اي مبررات سياسية اوامنية ‘ معلنة او غير معلنة. ولكن الوجود الإرتري في السودان ليس سياحيا ولا اقتصاديا ، انه و ضع اجتماعي معقد. انه زيارة ابن لأسرته ولأبويه أو زيارة زوج لزوجته وابنائه. ان مثل ذهاب الإرتري إلى السودان بكل مشقاته كمثل ذهاب السوداني المغترب إلى أهله وعشيرته في السودان.

لا شك في أن أهمية السودان لإرتريا أكبر من أهمية إرتريا للسودان ‘ ولكن الأكبر من ذلك لا يمكن أن يستفيد المجتع الإرتري لا سيما المسلم منه من السودان إلا إذا استوعبت قوى القرار السياسي السوداني الأوضاع التفصلية الارترية الثقافية والاجتماعية والسياسية وقليل من الاستراتيجية . انظر إلى أي مدى السياسة السودانية كانت ولاتزال متخلفة في استيعاب الواقع الإرتري. بلد يتستضيف هذا الكم الهائل من شتى شرائح المجتمع الارتري لسنوات طويلة منذ 1967 لم يتمكن من خلق نخب وقيادات إرترية مقتدرة تضع معها استراتيجية استقرار اوضاع المنطقة. السودان لم يحاول من استيعاب طلاب إرتريين في كلياته العسكرية لتخريج واعداد ضباط إرتريين في الوقت الذين تخرجو من شتى جامعاته من الطلاب الارتريين يعدون بالعشرات الآلاف. لقد عملت سوريا والعراق في فترة الثورة الإرترية مثلا بسياسة مساعدة الثوار الإرتريين بالدورات العسكرية لاعداد ضخمة من الإرتريين ولم يكن الفكر غائبا من التأثير خلال هذه الدورات . لماذا يا ترى لم يحاول السودان ذلك ولو بطرق انتقائية يسارية او اسلامية.. انه فقدان الاستراتيجية .

16فبراير 2013

محمود عثمان إيلوس
eylos1@yahoo

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=30302

نشرت بواسطة في فبراير 16 2013 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

3 تعليقات لـ “السودان الرسمي وتكرير الأخطاء تجاه المجتمع الإرتري”

  1. لعلنا نبحث العذر عن الحكومات السودانية التي تجاهلت حق الشعب الارتري في النضال من اجل الحصول علي حريته
    ولكن لاعذر اليوم للحزب الحاكم في السودان هذا الحزب الذي ضحك فيهم افورقي وكان سببا في تقسيم السودان
    سيحكم عليهم التاريخ بانهم خانوا الشعب الارتري ولكن مقول لللمجموعة الامنية الطائفية التي تحكم في السودان ستندمون لان الشعب الارتري حتما سينتصر علي افورقي اوذانبه ، نقول للبشير مجرم الحرب المتهم بالابادة البشرية في دار فور
    ان الذي اوقعك في هذه الجريمة الكبري هو افورقي الذي دعم ابناء الغرب ووفر لهم التدريب والسلاح فمتي ستتعظ ايها المجرم

  2. السودان لم ولن يساعد تنظيمات وحركات مبنية علي الخيانة والتشرزم الداخلي وقصر النظر

    كان علي الشعب الارتري والتنظيمات الارترية هي من يصنع القرار ويجبر كل الدول الغربية والاقليمية علي الاحترام

    وليس التسول وطلب الرحمة من شياطين الانس !!

    نحن قوم لايصلح ان يتقدم الركب والريادة !!! نحن اموات بل اشباح واشباه البشر!!!

    من اتي با سياس افورقي !!!؟؟؟ من هو الذي جعل اسياس فرعون ارتريا !!؟؟ الم يكن انتم !! لماذا نتحسر ونعاتب

    السودانيين.!!؟؟ السودان يعلم كل الخونة والجواسيس والمارقين في صفوف الجبهة الشعبية ليس من بينهم شخص واحد

    من التقراي !! كلهم احفاد ابن العلقمي!! كل المتامرين والجواسيس والمخذلين وناشري بذرة الفتن والنفاق والشقاق في

    سبيل نيل رضاء فرعونهم اسياس افورقي ..هم احمد ..صالح ..يسن ..محمد ..نور ..هكذا هي اسماءهم ليس من بين

    الجواسيس تسفاي ..قرماي ولا يحزنون !!! اذا كنا كالضباع فكيف يجعل السودان منا اسودا ونمورا !!!؟؟

    … من لم يحترم نفسه لايحترم

  3. مع التأمين على ما قاله الاخ ايلوس من توجس اهل المركز في السودان من تمكين المسلين في السودان في كل الحقب الامانة تقتضي ان لا نخلط في الاحداث ونخفي بعضها حيث التفقية الخرطوم 1977 ودخول الجبهة 1980 كان التاثير القوي فيها الاختراق الجبهة من الداخل وحال اليسار الارتري وحوارته مع اثيوبية والعلاقات المريبة بالروس وزيارات المشبوه الالمانية الشرقية !! ثم من صفة القوة الاسلامية التى كانت تتمثل في قوات التحرير اليست هي الجبهة التى قامت بعون ومساعدة الشعبية
    ثم من هو الذي افشل لقاء الترابي بالمعارضة وسلم السياس محضر الاجتماع اليس هي نفس عناصر المشبوها من المسميات المسلمة اليس ما قدمه التجاه الاسلامي وخاصة في مجال التعليم يفوق ما قدمه ****بالرغم علاقته مع هيلسلاسي المهم الانصاف ومهما كانت المرارات من الاشقاء في السودان قول الحقيقة هو الطريق في حل ازمة الداخل والخارج

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010