انقاذ النفس قبل الوطن مشرط التغيير الديمقراطي(3)

النفس الإرترية اليوم يصعب التنبئ بموقفها أو التكيف مع أمزجتها المتقلبة .. فالتشوه الذي أصابها بلغ منها مبلغاً لم تتمكن معه من العودة الى وضعها الطبيعي .. أي العودة الى مربع الفطرة التي تمثل البصمة الإنسانية المميزة لها .. ولعل عدم القدرة على إستعادة وظائف الفطرة الطبيعية بات يبرز كتحدياً حقيقياً وعقبة صلبة وحائط صد عجزت الإرادة الإرترية أمامه .. وهو مايفسر الحال المزري الذي نعيشه اليوم نتيجة هذا اليأس المخجل والعجز الصارخ عن بلوغ مرحلة التخلص النهائي من ترسبات الفطرة الإنسانية المصابة .. ومن هنا برز فشلنا من خلال المعالجات السطحية للسلوك الذي لا يمثل سوى الأعراض بينما المرض هو ذلك الضمور الذي أصاب القيم الإنسانية التي تستمد منها الفطرة وجودها وتفجر طاقتها الروحية.. ومتى ما تلاشت تلك القيم من وجداننا فقدت الفطرة مبررات تفاعلها وتقبلها للوضع المخالف وبالتالي تصبح مجبرة على الإبتعاد عن مركز القيادة والتأثير الموجه للعقل .. لتتولى القيم اللاإنسانية ملئ ذلك الفراغ بالتدريج لتنفيذ رغبات الغريزة الحيوانية الكامنة في دواخلنا لنتحول وببطئ شديد الى حيوانات ناطقة لا تعي من الحياة سوى المتعة والنشوة والرغبة في إفتراس الضعفاء والتفاخر بالقوة الجسدية والنفوذ الإجتماعي والسياسي والإقتصادي ..الخ..

وبتنازل الفطرة عن أدوارها التنظيمية وتلاشي تأثيراتها الأخلاقية تتحول الحياة البشرية الطبيعية الى حياة مصطنعة لا تهتم بشئ قدر إهتمامها بالمظهر الخارجي ولا تنجذب إلا لبريق الشهرة والظهور ولاتؤمن إلا بالمكسب المادي والأرباح النقدية .. وفي ظل هذا التحول يتدافع الجميع لنيل رضى من حوله وإخفاء مشاعره الحقيقية بصورة درامية تعكس فقدان الشخصية الإرترية لبعدها الإنساني وتقمصها لبعد آخر كمحاولة يائسة لملئ الفراغ الروحي الذي تعاني منه بعد غياب الفطرة التي كانت المنبع الحقيقي لطاقتنا الروحية . هذا ما نشهده اليوم من تحول مأساوي نحو القيم الغريزية المضادة لقيم الفطرة .. ومن المحزن حقاً أن تتأثر الأجيال الناشئة أكثر من غيرها بهذا الوباء التنظيمي .. وذلك عن طريق التأثر المباشر بالبيئة القريبة منها والتي تفشى فيها هذا المرض المعدي .. ومع الوقت تكبر تلك الأجيال لتصبح قدوة لغيرها من الأجيال المتعاقبة .. تماماً مثلما يحدث الآن من تلاقح بين الأجيال محصلته توسع مساحة الأزمة الأخلاقية التي تمثل بدورها أرضية التأسيس لأزمة السلطة ومحاور الصراع الإنتهازي القائم بين رموز العمل السياسي وامتداد آثارها لكافة أنشطة العمل والبناء الإجتماعي والإقتصادي والثقافي والقضائي..الخ .

ومن هنا كان لابد من التوقف لحظة لنمارس ولو مرة في حياتنا دور الرقابة الإجتماعية وننقد هذا الوضع المتأزم ونعري كل الأدوات التنظيمية التي تساهم في بروز الأزمة وتفاقمها وكلنا معنيين بهذا الأمر واقعين تحت تأثير هذا الواقع ولو بدرجات متفاوته .. ومخطئ من يظن أن هناك اشخاص لا يشملهم هذا التعميم لأنهم أبرياء حسب إعتقادهم .. ولو وُجد مثل هؤلاء حقاً لكان شخصي المتواضع واحد من أفراد هذه القائمة.. ذلك أن الواقع يقول بأن إشتراكي وكل الأبرياء في إستمرارية الأزمة (وليس بروزها) أمر لا يقبل أي نقاش .. صحيح أن مستوى المشاركة لا يدنو الى درك الإتهام بالجرم .. إلا أن صمتنا وعدم قبولنا حتى اللحظة تخليص أرواحنا من إرهاصات الأزمة والتأثر بأبعادها التنظيمية يجعلنا مشاركين بنسبة مئوية ضئيلة ومحدودة قد لا ترقى لمستوى الإتهام .. وهذا بحده كاف لدفع إرادتنا للنهوض بأعباء المرحلة والتي تبدأ بإنقاذ أنفسنا ونشلها من بؤرة القيم الفاسدة ومدارات الغريزة الحيوانية التي صنعت بداخلنا شخصيات كرتونية تحاكي ما تراه وتسمع بدون قدرة على النقد والتصحيح للواقع .. وهذا المسلك منا يُعد ظلم بكل المقاييس لأنه ظلم للنفس.. والنتيجة أنها تتأثر بكل مايحمله الواقع من حولها من قيم فاسدة معتقدة أن التطبع بها سيقربها من البيئة التي تنتمي إليها..

أما الظلم للآخر الذي إرتكبناه هو رؤيتنا غير المتعلمين وغير الواعين لموضع أقدامهم وهم يسيرون في هذا المسار عن جهل حيث لم نكلف أنفسنا بشئ سوى الصمت وعدم الإفصاح عن الأمر وكأنه لا يعنينا .. وهو أشبه مايكون بمنطق من قال لن يضيرنا إن ثقب شخص ما سطح السفينة من الأسفل طالما أننا نجلس على قمتها .. وكأن سفينة (الوطن) عندما تغرق لن يبتلعهم بحر الفساد.. وهو تفكير عقيم ينقصه الوعي التنظيمي لإدراك أن فساد فرد واحد في مجتمعنا يعني وجود ثغرة على سطح المجتمع بحيث ساهمت في تدفق المبرر المنطقي لوجود قيم فاسدة على هذا السطح لتتكاثر دون رقابة مع الوقت كتدفق ماء البحر داخل السفينة .. ومن هنا فإن السكوت عن وضع كهذا يعني السماح لها لتصبح تهديد صارخ مع الوقت يهدد بغرق الجميع في وحل هذه القيم الفاسدة ( أي الرضى الخانع بإحلال تلك القيم محل القيم الإجتماعية النقية التي إستحقت أن تكون القدوة والموجه للسلوك الإرتري العام لكونها قيم أخلاقية تتنفس أرواحنا من خلالها وتستمد عبرها وجودها)..

هذه السلسة من المقالات هي من وحي سبتمبر العظيم وأضواء من شمعته الـ 54 .. التي نضيئها اليوم كدروس من الواقع التنظيمي الإرتري بحثاً عن عوامل تحقيق الذات الجمعية للكيان الإرتري وتجميد الذات الفردية المتناقضة مع المسار الجمعي الناهض للمرحلة.. حيث سنتقدم مع كل حلقة خطوة نحو تحديد أكثر وضوحاً لمعرفة السبب وراء تخلف الإرادة الإرترية عن بلوغها الهدف المرصود.. منذ فجر التأريخ ..وخير الكلام في هذا الشأن ماقل ودل .. الى اللقاء.

بقلم أبوعادل : عمر محمد صالح

abu.adill4@gmail.com

 

.

انقاذ النفس قبل الوطن مشرط التغيير الديمقراطي(2) »

abu adel

من الطبيعي أن يشعر من تصفح عنوان المقال للوهلة الأولى بعلامات التعجب وأطياف الزهول وهي تحلق حوله وتحاصره من كل…

سبتمبر 13 2015  / المزيد

 

إنقاذ النفس قبل إنقاذ الوطن مشرط التغيير الديمقراطي »(1)

abu adel

بقلم أبوعادل : عمر محمد صالح abu.adill4@gmail.com الى متى نخدع أنفسنا ونملي عليها مالا تؤمن به أو تعتقده من الشعارات الوطنية…

سبتمبر 7 2015 /  المزيد 

روابط قصيرة: https://www.farajat.net/ar/?p=35440

نشرت بواسطة في سبتمبر 21 2015 في صفحة المنبر الحر. يمكنك متابعة اى ردود على هذه المداخلة من خلال RSS 2.0. باب التعليقات والاقتفاء مقفول

1 تعليق لـ “انقاذ النفس قبل الوطن مشرط التغيير الديمقراطي(3)”

  1. عبده يوسف أحمد

    إن معضلات الوطن التي استعصت واستعصمت على الحل ليس لأنها معيبة في ذاتها ولكن في كثير منها سببها قيادات العمل الوطني يكمن الخلل إذ أن ضبابية الرؤية والانشغال بالمجد الشخصي والتنظيمي والمناطقي والطائفي ربما كان هو الاساس في كل ما جرى ويجري .المقالات الثلاث استاذ/عمر محمد صالح كما اسميتها كاللسفينة التي يتسلل إليها الماء لا شك أنها غارقة ولا منجاة منها.العودة للذات ومراجعة الولاءات المتعددة ليكون الولاء للوطن والعمل من أجل هذا الشعب الوقوف مع الذات أول سلم النجاة فهل نفتح أعيينا إلى هذه العلل التي اضرت بالوطن حتى وصل الآمر تحرجنا إلى الهاوية التي لا رجعة وها هي الععصابة الحاكمة في ارتريا تتناوشه ا ما تركت له مساحة العيش في وطن كل من يعيش فيه سجين.

باب العليقات مقفول

الأخبار في صور

تسجيل الدخول
جميع الحقوق محفوظة لفرجت 2010