تعقيدات المسار الدبلوماسي للحل
فتحي عثمان
مع تقدم الزمن دون ظهور حل سياسي قريب تعاني الدبلوماسية الثنائية والاقليمية من انسداد أفق الحلول السلمية للأزمة الناشبة بين ارتريا واثيوبيا مع تصاعد التوتر في الحدود.
صحيفة الشرق الأوسط وتحت عنوان “مناوشات دبلوماسية جديدة بين ارتريا وإثيوبيا: أسمرا تطالب بتمكينها من تمثيل في الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا” تناولت الصحيفة احتجاج ارتريا لدى الاتحاد الأفريقي بسبب قيام اثيوبيا بطرد ممثل ارتريا لدى الاتحاد الافريقي وطالبت الاتحاد بالتدخل في المسألة.
وفي تنوير لممثلي البعثات الدبلوماسية في العاصمة أسمرا قال وزير الخارجية الارتري عثمان صالح بأن اثيوبيا حرمت ارتريا من تمثيلها في الاتحاد بطرد ممثلها من العاصمة أديس أبابا في خرق للعلاقات الدبلوماسية مع الاتحاد الافريقي ومفوضية الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا. وكانت وزارة الخارجية الارترية قد بعثت في الثاني عشر من الشهر الجاري برسالة إلى مكتب الأمين العام للاتحاد الافريقي تشكو إليه خرق اثيوبيا لمعاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961، والمادة الرابعة من ميثاق الاتحاد الافريقي والمواد المتعلقة بدولة المقر وواجباتها.
تثير الشكوى الارترية ضد خطوة اثيوبيا طرد القائم بالأعمال الارتري والبعثة الدبلوماسية والطلب من أعضائها مغادرة البلاد واحدة من المشكلات الدبلوماسية المعقدة. فالمعروف أنه وبموجب المادة التاسعة من معاهدة فيينا للعلاقات الدبلوماسية لسنة 1961 فإن للدولة المضيفة وفي أي وقت حق إعلان أحد الدبلوماسيين “شخصية غير مرغوب” فيها بدون إبداء أي أسباب للخطوة. حتى هنا يبدو الأمر عادياً حسب العرف الدبلوماسي؛ ولكن ما ليس عادياً هو عندما يكون السفير المطرود ممثل لبلاده في منظمة يقع مقرها في داخل الدولة التي اتخذت خطوة الطرد.
يعرف هذا بالتمثيل الدبلوماسي بالتمثيل المزدوج حيث تقوم الدول، وفي محاولة لترشيد الإنفاق، بتعيين سفير في الدولة وإسناد مهمة تمثيل بلاده في المنظمة الدولية له. هذا التمثيل المزدوج هو كان يقوم به القائم بالأعمال الارتري في أديس أبابا. والازدواجية تأتي من تداخل التمثيل الثنائي (لدى إثيوبيا) مع التمثيل المتعدد في المنظمات الدولية (لدى الاتحاد الافريقي ومفوضية الأمم المتحدة كذلك). في الحالة الأولى لإثيوبيا حق إنهاء التمثيل الثنائي للدبلوماسي الارتري؛ ولكن ليس لها الحق في إنهاء تمثيله في المنظمات الدولية في أديس أبابا.
لذلك يتحول هذا الخلاف بين الدولتين إلى المنظمات المعنية لأن ارتريا عينت مبعوثها لدى الاتحاد الافريقي ومفوضية الأمم الاقتصادية لأفريقيا بموجب اتفاقات ثنائية.
تخلق هذه المشكلات ذات الطبيعة الدبلوماسية وضعاً شائكاً بين دولة المقر والمنظمة الدولية. فالأمم المتحدة، على سبيل المثال، والتي يقعها مقرها في مدينة نيويورك تدخل في مشاكل متجددة مع الإدارات الأمريكية المختلفة حول وجود بعثات الدول الأخرى وحق ممارسة تمثيلها لدى الأمم المتحدة. ففي عام 1988 طلبت الولايات المتحدة من بعثة فلسطين مغادرة البلاد، مما دفع الأمم المتحدة إلى طلب رأي محكمة العدل الدولية بهذا الشأن. وخلال الدورة الأخيرة لإجتماعات الجمعية العامة خلال الشهر المنصرم منعت الولايات المتحدة الرئيسان الفلسطيني والسوداني من المشاركة برفض منحهم تأشيرات دخول للولايات المتحدة.
فيما يخص الأزمة الارترية الإثيوبية لم يقم الاتحاد الافريقي بالبت في الطلب الارتري في النظر في هذه المسألة. ففي حال قيام ارتريا بتعيين ممثل لها في الاتحاد، فليس لإثيوبيا إلا الانصياع، ولكن يظل منح التأشيرات والتسهيلات بدخول المبعوث واحداً من وسائل منع الدبلوماسي من الوصول ومباشرة أعماله.
ومن المفارقات في الموقف الارتري هو احتجاجها بحقها في التمثيل في الاتحاد الافريقي وهي وحسب تاريخها الدبلوماسي لا تقيم وزناً للمنظمات الدولية. فالرئيس الارتري وفي أول خطاب له في منظمة الوحدة الافريقية التي تحولت لاحقاً للاتحاد الافريقي صب ماء بارداً على المنظمة وأتهمها بعدم الجدوى والفشل وتضييع الوقت والجهد، وأكد على موقفه ذلك بعدم مشاركته في أي قمة افريقية بعد مشاركته في القمة الأولى. أما موقف ارتريا من الأمم المتحدة فهو لا يقل عن الاتحاد الافريقي، حيث لم يشارك الرئيس الارتري في أي من اجتماعات الجمعية للأمم المتحدة والتي تعرف بأنها “برلمان العالم”. أما بالنسبة لمنظمة الايغاد فلقد علقت ارتريا عضويتها في المنظمة وعادت إليها مرة أخرى في يونيو 2023 لتعود مرة أخرى وتعلق عضويتها فيها في ديسمبر 2025. أما موقف ارتريا من الجامعة العربية فهو معروف. هذه المواقف تجعل المطالب الارترية بالنسبة للمراقب الدبلوماسي غير صادقة إن لم تكن طريفة من الأساس.
ما يهم من تناول هذه الأزمة هو بيان الطريق المسدود أمام الجهود الدبلوماسية للحل السلمي للأزمة بين البلدين. فمن ناحية تبدو اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية بين الدول والمنظمات الدولية لسنة 1975 غير قادرة قطعاً على حل هذا النوع من الأزمات لعدم دخولها حيز النفاذ حتى الآن وعدم كون موادها ملزمة وحاسمة.
وتبدأ الدبلوماسية في الاختناق بقطع قنوات التواصل ورفض جهود الوسطاء أو تجاهلها على الأقل مع الدفع بالتوتر إلى حافة الانفجار.
ففي هذا السياق تأتي دعوة نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر اليموف لكل من إثيوبيا وارتريا للإستفادة من المشاركة في القمة الروسية- الافريقية الثالثة وعقد جولة محادثات تحت رعاية روسية
ولكن الدبلوماسي الروسي ربط دعوة بلاده بموافقة البلدين، فالتفاوض يحتاج بداية إلى وفاق قبلي لبدءه وهو لا يبدو متاحاً في الظرف الراهن مما يعني أن الدعوة الروسية قد تظل ملقاة على الطاولة حتى يتجاوزها الزمن، خاصة وأن هناك أطرافاً لا تريد لروسيا لعب أي دور دبلوماسي في الأزمات الدولية في ظل الحرب مع اوكرانيا.
توصد كل هذه العوامل الأبواب أمام الحلول الدبلوماسية للتوصل أولاً لتخفيف التوتر والانطلاق نحو معالجة جذور المشاكل.
ويبقى الوضع مفتوحاً أمام تصعيد مفاجئ ينقل الأمور من مربعات الأمل الدبلوماسي إلى المواجهة الساخنة، أو اكتفاء الطرفين بالوقوف على أطراف الأصابع في ظل ضغوط دولية مستترة تمنع من اندلاع مواجهة جديدة في المنطقة التي تشهد نزاعات متعددة.
ويبدو أن هذا الوضع مرجحاً بحيث تبقى الأوضاع مشدودة في حالة لا حرب ولا سلم تتلف ببطء أعصاب الجميع في ظل غياب الحلول السياسية والدبلوماسية
تعقيدات المسار الدبلوماسي للحل




التعليقات