آبسلاب ارترياالمنبر الحر

“بين ‘صوملة’ إريتريا و’عصب’ البحر الأحمر: حقيقة مخطط أبي أحمد الاستراتيجي”

النخب
الحلقة : ٢٤٤

ترجمة وتحليل: ابسلاب ارتريا

“صوملة” إريتريا: مقامرة أبي أحمد الأخيرة ووصية الإمبراطورية الإثيوبية

في أكتوبر 2026، وصلت العلاقات الإثيوبية الإريترية إلى نقطة انفجار غير مسبوقة منذ حرب الحدود 1998-2000. قطعت أسمرة علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا في الأول من أكتوبر، وتبادلت الدولتان الاتهامات بشن “حرب عدوانية”، وسط تقارير عن توغل قوات إريترية بعمق 60 كيلومتراً داخل إقليم تيغراي.

هذا التصعيد ليس حدثاً عابراً، بل الفصل الأخير في مسلسل طويل من الخداع الإثيوبي. رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي جاء إلى السلطة عام 2018 حاملاً شعار “السلام”، يفكر اليوم في غزو إريتريا بحجة “الدفاع عن النفس”، ويريد تنصيب حركة “برقيد نيحميدو” في أسمرة، وتأسيس قاعدة عسكرية إثيوبية على البحر الأحمر.

لكن هل يدرك أن إريتريا ليست الصومال؟ وأن شعبه لن يقبل بدبابة إثيوبية تحمل “حكومة عميلة”؟

أولاً: الجذور التاريخية.. إمبراطورية لا تتخلى عن البحر

منذ عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، اعتبرت إثيوبيا البحر الأحمر “حقاً تاريخياً”. احتلت إريتريا بعد الحرب العالمية الثانية، وحرمتها من الاستقلال، إلى أن حققت إريتريا استقلالها عام 1993 بعد نضال مسلح دام ثلاثين عاماً. لكن إثيوبيا لم تتقبل قط أن تكون “دولة حبيسة”، وظلت تلوّح بالحرب كلما احتاجت إلى ماء أو منفذ.

في عام 1998، شن ملس زيناوي حرباً على إريتريا استمرت عامين، ورغم فشلها العسكري، ظلت أديس أبابا تعتبر “عصب” ميناءً إثيوبياً مسلوباً. اليوم، يعيد أبي أحمد إحياء هذا الحلم الاستعماري، لكن بأدوات جديدة: “الدبلوماسية الخشنة”، والطائرات المسيرة، و”الحركة العميلة”.

ثانياً: السيناريو الصومالي 2006.. ما حدث فعلاً

في ديسمبر 2006، أطلق ملس زيناوي عملية عسكرية ضد “المحاكم الإسلامية” بقيادة الشريف شيخ أحمد. دخلت القوات الإثيوبية مقديشو في أسابيع، وحققت “نصراً سريعاً”، لكن النتيجة كانت كارثية: تحولت “المحاكم” إلى حركة الشباب، وشنت حرب عصابات استمرت سنوات، وانتهت إثيوبيا بالانسحاب عام 2009 مهزومة سياسياً.

الدرس: النصر العسكري السريع ليس ضماناً للاستقرار. إثيوبيا لم تمتلك “بديلاً محلياً” قادراً على ملء الفراغ، والفصائل الصومالية الموالية لها كانت مفككة.

اليوم، يحاول أبي أحمد تكرار التجربة في إريتريا، لكنه يتجاهل أن إريتريا ليست الصومال.

ثالثاً: الفروق الجوهرية.. إريتريا ليست الصومال

إريتريا ليست الصومال عام 2006. الأولى دولة مركزية ذات قبضة أمنية وعسكرية شديدة الصرامة، ونظام عسكري مغلق يمتلك جيشاً يتراوح تعداده بين 200 ألف و300 ألف جندي نظامي، مدعوماً بنظام تجنيد وطني شامل. بينما كانت الصومال عام 2006 دولة منهارة فعلياً منذ 1991، بلا جيش وطني موحد ولا مؤسسات مركزية قادرة على المقاومة المنظمة.

“برقيد نيحميدو” ليست “المحاكم الإسلامية”. الأولى حركة معارضة في الشتات بدأت عام 2022 في أوروبا، واشتُهرت بالاشتباكات في المهرجانات الإريترية في ألمانيا، قبل أن تعلن لاحقاً تحولها للعمل المسلح واحتضانها من إثيوبيا. لا تمتلك الحركة قاعدة عسكرية صلبة داخل إريتريا، ولا حاضنة شعبية مسلحة، ولا جيشاً نظامياً. والأخطر من ذلك، أن ارتباطها بأديس أبابا يمنحها وصمة “الخيانة” في نظر كثير من الإريتريين، حتى المعارضين لنظام أسياس أفورقي.

في المقابل، كانت “المحاكم الإسلامية” عام 2006 قوة محلية حقيقية سيطرت على مقديشو ومعظم الجنوب، وامتلكت شرعية داخلية وميليشيات ميدانية.

رابعاً: التكتيكات الإثيوبية.. خداع الشعب والغرب

أبي أحمد يروج لرواية “الدفاع عن النفس”، ويزعم أن إريتريا “تغلغلت” في الأراضي الإثيوبية و”تدعم الإرهاب”. لكن الحقيقة أن إثيوبيا هي التي حشدت قواتها على الحدود، وهي التي تدفع “برقيد نيحميدو” للعمل العسكري. إريتريا، على العكس، تتبع استراتيجية دفاعية حذرة، وتحصّن حدودها الاستراتيجية.

إثيوبيا استخدمت الطائرات المسيرة في حرب تيغراي 2020-2022، وقتلت آلاف المدنيين. اليوم، تستخدمها ضد القوات الإريترية في تيغراي، وتستهدف مواقع مدنية. لكن الطائرات المسيرة لا تحسم حروباً نظامية ضد جيش دولة٠

خامساً: البُعد القانوني.. جريمة عدوان

القانون الدولي يحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول الأخرى. المادة 2(4) من ميثاق الأمم المتحدة تمنع “التهديد أو استخدام القوة ضد سلامة أراضي أي دولة”. ما يخططه أبي أحمد هو “جريمة عدوان” بموجب قرار الجمعية العامة 3314 (1974). إريتريا لجأت إلى مجلس الأمن، وطلبت “تدابير رادعة” ضد إثيوبيا. إثيوبيا بدورها ادعت “الدفاع عن النفس” بموجب المادة 51، لكن هذا الدفاع لا يشمل “الدفاع الاستباقي” ضد تهديد وهمي. أي غزو إثيوبي لإريتريا سيكون غير قانوني، وسيجعل إثيوبيا دولة معزولة دولياً.

سادساً: البُعد العسكري.. جيش إريتريا vs. جيش إثيوبيا

إثيوبيا تتفوق عدداً وعتاداً، لكنها تخوض حروباً في تيغراي وأمهرة وأوروميا. فتح جبهة ضد إريتريا سيعني إطالة خطوط الإمداد، واستنزاف الجيش، وربما انهيار الجبهة الداخلية. الجيش الإريتري، رغم محدودية تعداده النسبية مقارنة بإثيوبيا، يتمتع بتماسك تنظيمي وعقيدة قتالية دفاعية متجذرة. لن يتفكك بسهولة كما تفكك الجيش الصومالي عام 1991. إريتريا ليست كالصومال؛ فهي دولة مركزية ذات قبضة أمنية وعسكرية شديدة الصرامة، ونظام عسكري مغلق وجيش متمرس. لن تنهار الدولة الإريترية بسهولة لتسمح بـ “الصوملة”، بل ستقاتل ككتلة واحدة ضد أي غزو خارجي.

سابعاً: البُعد الاستراتيجي.. طوق العلمين يطبق على أديس أبابا

في 4 أكتوبر 2026، عُقدت قمة العلمين الرباعية بمشاركة مصر، وإريتريا، والصومال، والسودان. البيان الختامي أكد على “احترام السيادة ووحدة أراضي دول المنطقة ورفض التدخلات في الشئون الداخلية”، واتفق على “تنسيق الجهود العسكرية والاستخباراتية إذا امتد الصراع الإثيوبي إلى الحدود”.

هذا يعني أن أي مغامرة عسكرية إثيوبية ضد إريتريا لن تكون مواجهة ثنائية، بل مواجهة مع تحالف إقليمي يضم مصر، التي تمتلك اتفاقية دفاع مشترك مع إريتريا، وقاعدة عسكرية في ميناء عصب، وأسطولاً بحرياً في البحر الأحمر. بالإضافة إلى الصومال، التي لها عداء تاريخي مع إثيوبيا بسبب اتفاقية أرض الصومال 2024، والسودان، الذي يتهم إثيوبيا بدعم قوات الدعم السريع، ويغلق مجاله الجوي أمام الطيران الإثيوبي.

ثامناً: البُعد الاقتصادي.. الخناق على إثيوبيا

إثيوبيا دولة حبيسة، تعتمد على ميناء جيبوتي بنسبة 96.71% من تجارتها البحرية. أي حرب مع إريتريا ستؤدي إلى إغلاق الطرق البرية، وربما إغلاق جيبوتي لمجالها الجوي، مما يعني خنق إثيوبيا اقتصادياً. الخطوط الجوية الإثيوبية، التي تعتبر من أكبر شركات الطيران في إفريقيا، ستضطر إلى تحويل مساراتها عبر جيبوتي أو جنوب السودان، مما يرفع التكاليف ويهدد إيراداتها. إثيوبيا تعاني أصلاً من أزمة غذائية حادة. 4.4 مليون طفل وامرأة حامل يعانون من سوء التغذية، و3.9 مليون شخص في تيغراي يحتاجون إلى مساعدات عاجلة. أي حرب شاملة ستفاقم المجاعة، وقد تؤدي إلى انهيار اجتماعي.

تاسعاً: البُعد الاستخباراتي.. حرب الظل

إثيوبيا تستخدم استخباراتها لاختراق “برقيد نيحميدو”، وتجنيد عملاء داخل إريتريا، وزرع الفتن. لكن إريتريا تمتلك جهاز أمني قوي، وتجربة طويلة في مكافحة التمرد. الحرب الاستخباراتية قد تكون أطول وأكثر تكلفة من الحرب العسكرية.

عاشراً: البُعد الاجتماعي.. الشعب الإريتري لن يرضخ

الشعب الإريتري، الذي قاتل 30 عاماً للاستقلال، لن يقبل بـ”حكومة عميلة” تأتي على دبابة إثيوبية. حتى المعارضون لنظام أسياس أفورقي يرفضون الاحتلال. “برقيد نيحميدو” لا تمتلك شرعية داخلية، وارتباطها بأديس أبابا يجعلها “حركة خائنة” في نظر الكثيرين.

حادي عشر: البُعد الإعلامي.. حرب الروايات

إثيوبيا تروج لرواية “الدفاع عن النفس”، وتصور “برقيد نيحميدو” كـ”معارضة ديمقراطية”. لكن الإعلام المستقل يكشف الحقيقة: إثيوبيا تريد البحر، وليس الديمقراطية. إريتريا تروج لرواية “العدوان الإثيوبي”، وتحظى بدعم إعلامي من مصر والصومال والسودان.

ثاني عشر: سيناريو الكارثة.. ماذا لو غزت إثيوبيا إريتريا؟

إذا قرر أبي أحمد المضي قدماً:

· إريتريا ستقاوم بشراسة: جيش نظامي متمرس، وشعب مسلح.
· مصر ستدخل عسكرياً: وفق اتفاقية الدفاع المشترك.
· الصومال والسودان سيفتحان جبهات: ضد إثيوبيا.
· إثيوبيا ستتفكك: حرب على ثلاث جبهات + تمرد داخلي = انهيار الدولة.
· النتيجة: ليس “صوملة” إريتريا، بل “صوملة” إثيوبيا نفسها.

ثالث عشر: سقوط أبي أحمد.. الاحتمال الأرجح

أبي أحمد يواجه حرب تيغراي المستمرة منذ سبتمبر 2026، وتمرد أمهرة، وتمرد أوروميا، وتحالف سبع حركات مسلحة يسعى لإسقاطه، وأزمة اقتصادية خانقة. أي مغامرة عسكرية ضد إريتريا قد تكون “الطلقة الأخيرة” التي تسقطه، وتفكك إثيوبيا إلى كيانات متحاربة.

خاتمة.. إريتريا ليست الصومال.. وأبي أحمد ليس ملس زيناوي

المقارنة بين تدخل إثيوبيا في الصومال 2006 وتطبيق سيناريو مماثل في إريتريا 2026 مقارنة مضللة. إريتريا دولة مركزية بجيش قوي، و”برقيد نيحميدو” حركة شتات بلا أرضية. البيئة الإقليمية اليوم مختلفة: تحالف رباعي يطوق إثيوبيا، ومصر تمتلك قاعدة في عصب.

أي مغامرة عسكرية إثيوبية ضد إريتريا لن تؤدي إلى “صوملة” إريتريا، بل إلى حرب إقليمية مدمرة قد تدفع إثيوبيا ذاتها نحو التفكك. النصر العسكري السريع ليس ضماناً للاستقرار السياسي، كما أثبتت تجربة 2006.

الشعب الإريتري، الذي قاتل 30 عاماً للاستقلال، لن يرضخ لدبابة إثيوبية، ولن يقبل بحكومة عميلة. إريتريا ستبقى عصية على الاحتلال، وأبي أحمد سيدفع ثمن مقامرته من وحدة بلده.

المراجع الأجنبية:

‏1. International Crisis Group, “Ethiopia, Eritrea and Tigray: A Powder Keg in the Horn of Africa”, 18 February 2026.

‏2. The New Humanitarian, “Tigray faces a double catastrophe: War and worsening hunger”, 8 October 2026.

‏3. Middle East Eye, “Eritreans planning ‘revolution’ in Tel Aviv warehouse: Haaretz report”, 23 September 2026.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، …….

ابسلاب ارتريا


الفيديو المرفق
ومن المصادر الأرشيفية البارزة التي توثق مصير الأسرى الإثيوبيين في إريتريا، معهد التاريخ الاجتماعي الدولي (IISG)، الذي يضم أرشيفاً لمصورين توثيقيين، من بينها صور نادرة لأسرى حرب إثيوبيين كانوا محتجزين لدى الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF). وتحمل هذه الصور عنوان: “أسرى حرب إثيوبيون أسرتهم قوات الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا ويحتجزون في وادٍ” (إريتريا، ديسمبر 1980)، وتُظهر مشاهد إنسانية للأسرى وهم يتلقون الرعاية الطبية، فضلاً عن أنشطة ثقافية كانوا يمارسونها داخل المعتقل. ويمكن الاطلاع على هذه الصور عبر الرابط التالي:
🔗 أرشيف معهد التاريخ الاجتماعي الدولي – بحث IIS

https://www.facebook.com/share/v/16GUXMAiABB/?mibextid=wwXIfr

التعليقات

يمكنك الرد على هذا التعليق

ابحث في الموقع

العودة للأعلى