كيف تحوّلت أديس أبابا من ركيزة للاستقرار إلى مصدر قلق في القرن الأفريقي ووادي النيل
بقلم / عبدالرحمن السيد – أبو هاشم
ظلّت إثيوبيا لعقود تقدّم نفسها بوصفها ركيزة الاستقرار في القرن الأفريقي، ومقرّ الاتحاد الأفريقي، والشريك الذي لا غنى عنه في مكافحة الإرهاب وحفظ السلام. غير أن السنوات الأخيرة كشفت صورة مغايرة: دولة مثقلة بصراعات داخلية لم تُحسم، تُصدّر أزماتها إلى الخارج، وتفتح جبهات توتّر متزامنة مع جميع جيرانها تقريباً؛ من الصومال شرقاً، إلى السودان غرباً، وإريتريا شمالاً، وصولاً إلى مصر عند مصبّ النيل.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تتعامل أديس أبابا مع محيطها بمنطق الشراكة وحسن الجوار، أم بمنطق القوة وفرض الأمر الواقع؟
أولاً: جبهة داخلية لم تهدأ
لم يكد اتفاق بريتوريا الموقّع عام 2022 يُنهي حرب تيجراي حتى بدأ يتآكل، فعادت المواجهات المسلحة إلى الإقليم هذا العام. وتشير التقارير إلى أن القوات الفدرالية استعادت السيطرة على أجزاء واسعة منه، وبلغت بلدة زالامبيسا الحدودية مع إريتريا بحلول منتصف أكتوبر 2026. ويتزامن ذلك مع تمرّد مستمر لميليشيات «فانو» في إقليم أمهرة منذ عام 2023، واضطرابات أمنية متكررة في أوروميا.
إن دولة تعجز عن إدارة تنوّعها الداخلي بالحوار والتوافق، تميل في الغالب إلى البحث عن «عدوّ خارجي» يوحّد الصف ويصرف الأنظار عن الإخفاقات. وهذا ما يفسّر، في جانب منه، تصاعد الخطاب القومي حول «الحق في البحر» و«السيادة على النيل».
ثانياً: الصومال وانتهاك السيادة المتكرر
في يناير 2024 وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم مع إقليم «أرض الصومال» للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية على البحر الأحمر، مقابل ما وُصف بوعدٍ بالاعتراف به دولة مستقلة. وقد عدّت مقديشو ذلك اعتداءً صريحاً على وحدة أراضيها، وأثار الاتفاق موجة رفض إقليمية ودولية واسعة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ ففي سبتمبر 2024 اتهمت وزارة الخارجية الصومالية أديس أبابا بإدخال شاحنتين محمّلتين بالأسلحة إلى ولاية بونتلاند دون أي إخطار دبلوماسي أو موافقة من الحكومة الفدرالية، معتبرةً ذلك انتهاكاً لسيادتها وتهديداً للأمن الإقليمي. كما اتهمت الحكومة الصومالية إثيوبيا بتحريك قوات في منطقة جدو بولاية جوبالاند، محذّرةً من أن ذلك يهدف إلى إشعال الفتنة بين العشائر المحلية.
ويكتسب هذا السلوك خطورة مضاعفة في ظل الأزمة الدستورية التي يمرّ بها الصومال، بعد إعلان جوبالاند انسحابها من النظام الفدرالي في ديسمبر 2025، وتعليق ولاية جنوب الغرب علاقاتها مع مقديشو في مارس 2026. فالتعامل المباشر مع الولايات من فوق رأس الحكومة الفدرالية لا يُضعف الدولة الصومالية فحسب، بل يُغذّي مشاريع التفكك، ويخدم في نهاية المطاف الجماعات المتطرفة التي تتغذّى على الفراغ والانقسام.
ثالثاً: السودان وتأجيج الحرب الأهلية
منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، كان يُفترض أن تضطلع إثيوبيا، بحكم الجوار والثقل الإقليمي، بدور الوسيط المحايد. لكن الاتهامات السودانية تصاعدت خلال عام 2026 بصورة لافتة.
ففي فبراير ومارس 2026 اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بالسماح لعناصر من الدعم السريع وحلفائها في الحركة الشعبية – شمال بعبور أراضيها لمهاجمة مواقع الجيش في ولاية النيل الأزرق، بما في ذلك الهجوم الذي انتهى بسقوط بلدة الكرمك الحدودية. كما أعلنت الخرطوم أن مسيّرات أُطلقت نحو أراضيها من داخل إثيوبيا، ووصفت ذلك بأنه «انتهاك صارخ لسيادة السودان». وأفادت تقارير صحفية، من بينها ما نُسب إلى وكالة رويترز، بوجود معسكر تدريب لقوات الدعم السريع على الأراضي الإثيوبية، وبمرور إمدادات عسكرية عبرها.
وقد نفت أديس أبابا هذه الاتهامات ووصفتها بأنها «لا أساس لها». غير أن تكرارها، وتعدّد مصادرها، يضع على عاتق إثيوبيا مسؤولية تقديم إجابات واضحة وشفافة، لا الاكتفاء بالنفي. فأي دعم، مباشر أو غير مباشر، لطرف مسلّح في السودان لا يعني إطالة أمد مأساة إنسانية هي الأكبر في العالم اليوم فحسب، بل يفتح الباب أيضاً أمام صراع حدودي إقليمي لا تُحمد عقباه.
رابعاً: إريتريا والتهديد بالاستيلاء على عصب
منذ عام 2023 جعل رئيس الوزراء آبي أحمد من الوصول إلى البحر الأحمر «قضية وجودية»، مؤكداً أن إثيوبيا لن تبقى «سجينة الجغرافيا». ومع أن آبي صرّح في مارس 2026 بأن بلاده لن تخوض حرباً من أجل منفذ بحري، فإن الوقائع على الأرض سارت في اتجاه معاكس.
ففي الأول من أكتوبر 2026 أغلقت إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطردت الدبلوماسيين الإريتريين العشرة من أديس أبابا، فردّت إريتريا بقطع العلاقات. وفي الرابع عشر من الشهر نفسه رفعت أسمرة مذكرة إلى مجلس الأمن الدولي تتهم فيها إثيوبيا بالتخطيط للاستيلاء على ميناء عصب، ونقلت عن قادة عسكريين إثيوبيين قولهم إن «وجهتنا النهائية هي عصب»، وطالبت المجلس بإدانة ما وصفته بـ«إعلان الحرب» واتخاذ إجراءات بموجب الفصل السابع. وتزامن ذلك مع وصول القوات الفدرالية إلى الحدود الإريترية، ومع تحذير أمريكي لأديس أبابا من أي توغل عبر الحدود.
إن السعي إلى منفذ بحري حقٌّ مشروع لأي دولة حبيسة، لكنه يُنال بالاتفاقيات التجارية والتكامل الاقتصادي، كما هو الحال مع ميناء جيبوتي، لا بالتلويح بالقوة وإعادة رسم الحدود. والقانون الدولي واضح في هذا الشأن: ميثاق الأمم المتحدة يحظر التهديد باستخدام القوة ضد السلامة الإقليمية لأي دولة، واتفاق السلام بين البلدين عام 2018 كان يُفترض أن يطوي صفحة الحرب إلى الأبد.
خامساً: مصر وسد النهضة ورفض الشراكة
دشّنت إثيوبيا سد النهضة رسمياً في سبتمبر 2025، بعد أكثر من عقد من المفاوضات المتعثرة مع مصر والسودان، دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظّم ملء السد وتشغيله وتبادل البيانات في أوقات الجفاف والفيضان. وظلّت أديس أبابا ترفض أي آلية مشتركة للمراقبة أو الإدارة الفنية، متمسكةً بأن النهر شأن سيادي.
وتعتمد مصر على النيل في أكثر من 95 في المئة من مواردها المائية العذبة، ويبلغ نصيب الفرد فيها نحو 472 متراً مكعباً سنوياً، أي دون خط الفقر المائي. ومع ذلك تتحدث إثيوبيا عن خطط لثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، وهو ما يعني مزيداً من التحكم الأحادي في شريان حياة أكثر من مئة مليون إنسان في دولتي المصب. وقد بلغ التوتر ذروته مطلع أكتوبر 2026 بتبادل طرد الدبلوماسيين بين القاهرة وأديس أبابا.
إن رفض التعاون الفني في إدارة السد لا يخدم حتى المصلحة الإثيوبية نفسها؛ فالاتفاق الملزم يمنح إثيوبيا الشرعية والاستقرار والتمويل الدولي، ويحوّل السد من مصدر نزاع إلى مشروع تكامل إقليمي في الطاقة والمياه.
خلاصة: نحو اصطفاف إقليمي مضاد
حين تفتح دولة جبهات متزامنة مع الصومال والسودان وإريتريا ومصر، فإن النتيجة الطبيعية هي نشوء اصطفاف إقليمي مضاد. وهذا ما تجلّى في القمة التي جمعت في العلمين الجديدة رؤساء مصر وإريتريا والصومال وقائد الجيش السوداني، والتي أكدت احترام القانون الدولي في الأنهار العابرة للحدود، ورفض الإجراءات الأحادية، وأن أمن البحر الأحمر شأن الدول المشاطئة له.
إن القرن الأفريقي لا يحتمل حرباً إقليمية جديدة، وشعوبه، ومنها الشعب الإثيوبي نفسه، هي أول من سيدفع الثمن. والمطلوب اليوم من أديس أبابا مراجعة جادة لسياستها الخارجية تقوم على:
- احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، والتعامل حصرياً مع حكومته الفدرالية.
- الوقف الفوري لأي دعم لأطراف الحرب في السودان، والانخراط الصادق في جهود الوساطة.
- نبذ لغة التهديد تجاه إريتريا، والسعي إلى المنافذ البحرية عبر الاتفاقيات التجارية لا عبر القوة.
- العودة إلى طاولة التفاوض مع مصر والسودان للتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن ملء سد النهضة وتشغيله.
كما أن على الاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيجاد» والمجتمع الدولي أن يتحمّلوا مسؤولياتهم قبل أن تتحول التوترات الحالية إلى حرب مفتوحة.
وفي هذا الإطار، بات من المشروع أن تطرح الدول الأعضاء في الاتحاد الأفريقي مقترح نقل مقرّ الاتحاد من أديس أبابا إلى دولة أفريقية أخرى. فليس من المنطقي أن تستضيف المنظمة القارية دولةٌ هي طرف مباشر في نزاعات مع عدد من الدول الأعضاء، يُفترض بالاتحاد نفسه أن يتوسّط فيها ويفصل بينها بحياد، وأن تبقى قراراته ومداولاته عرضة لضغوط البلد المضيف وحساباته. ويُقترح أن تُختار دولة المقرّ الجديدة وفق معايير واضحة، أبرزها:
- الحياد، وعدم الانخراط في نزاعات مسلحة أو حدودية مع دول أعضاء.
- الاستقرار السياسي والأمني، ووجود نظام حكم مستقر.
- سيادة القانون واستقلال القضاء.
- الالتزام الفعلي بالقانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي وبالقانون الدولي، ولا سيما احترام سيادة الدول وحسن الجوار.
- توافر بنية تحتية متطورة قادرة على استضافة القمم والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات القارية.
إن نقل المقرّ لن يكون عقاباً لإثيوبيا، بل رسالة بأن استضافة بيت أفريقيا الجامع مسؤولية والتزام، لا امتيازاً دائماً. فاستقرار إثيوبيا مصلحة إقليمية، لكن استقرار الإقليم لا يمكن أن يُبنى على حساب سيادة جيرانها وأمنهم المائي والقومي.
تم نشره في موقع حزب العدل المصري ليبرالي




التعليقات