المنبر الحرشخصيات تاريخية

المناضلة عرفات سعد آدم محمود تيدروس… سيرة وفاءٍ وفداءٍ في مسيرة النضال الإرتري

بسم الله الرحمن الرحيم

((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي))

بقلم / المناضل صالح سيد حيوتي
مستشار رئيس المجلس المركزي لجبهة التحرير الإرترية

المناضلة عرفات سعد آدم محمود تيدروس… سيرة وفاءٍ وفداءٍ في مسيرة النضال الإرتري

بقلوب يعتصرها الحزن، ونفوس مؤمنة بقضاء الله وقدره، ننعى رحيل المناضلة الإرترية عرفات سعد، التي وافتها المنية في 11 أكتوبر 2026 في ألمانيا، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعطاء والصبر، كرّست خلالها سنوات من عمرها لخدمة قضية شعبها، والانتصار لحقوقه وتطلعاته الوطنية.

لقد رحلت عرفات، أرملة المرحوم المحامي والمناضل محمود إبراهيم هنقلا، تاركةً وراءها سيرةً تستحق الوفاء والتوثيق، وذكرى عطرة في نفوس رفاقها ورفيقاتها في النضال، وكل من عرفها وشهد إخلاصها وتفانيها في خدمة القضية الإرترية.

وأبنائها وبناتها هم: عبد الكريم و جميلة رحمها الله والتي سبقتها إلى الدار الآخرة قبل نحو عام.. وجمال، وصفوة، وعادل، ومحاسن، ومجاهد.

وإذ أتقدم بخالص العزاء والمواساة إلى أبنائها وبناتها: وإلى جميع أفراد أسرتها وذويها ومحبيها، فإنني أستحضر اليوم محطات من مسيرة هذه المناضلة التي أدّت واجبها الوطني بإيمان وثبات، بعيدًا عن الأضواء، وفي ظروف كانت تتطلب شجاعةً وصبرًا واستعدادًا دائمًا لتحمّل المشاق والمخاطر.

مناضلة منذ عام 1966:
«انضمت المناضلة عرفات سعد إلى صفوف جبهة التحرير الإرترية في يوليو عام 1966، وهي الفترة التي كنت أتولى فيها مسؤولية الأمن و المخابرات والفدائيين بالجبهة في المنطقة الثانية”.

وخلال تلك المرحلة، كنا نكلّفها بمهام جمع المعلومات ونقلها بين وحدات الجبهة، والربط بين الميدان والمدن، فضلًا عن التواصل مع مناضلينا المعتقلين في سجون المستعمر الأثيوبي، وفي مقدمتهم المناضل سعيد حسين ومحمود كدان وغيرهم، قبل أن ينقلوا إلى أديس أبابا، ولكنها استمرت في زيارة باقي المساجين.

لقد كانت “عرفات” تؤدي هذه المهام بإخلاص وشجاعة، وتتحمل مشاق التنقل ومخاطر العمل السري، وظلت تقوم بدورها حتى انتقالها إلى السودان في أواخر سبعينيات القرن الماضي. ولم ينقطع اهتمامها بالمعتقلين وزيارتها للسجون حتى مغادرتها إرتريا.

كانت تعتني بمعتقلي الجبهة في سجون الاستعمار، وتقدم لهم الطعام والشراب وسائر ما يحتاجون إليه، إيمانًا منها بأن هؤلاء المناضلين لم يُسجنوا إلا بسبب نضالهم من أجل حرية شعبهم وكرامته، وأن الوقوف إلى جانبهم واجب وطني وإنساني لا يجوز التخلي عنه».

ثقة ومسؤولية في ظروف بالغة الصعوبة:
كانت عرفات على اتصال وثيق بي شخصيًا في نقل المعلومات، وكانت حلقة مهمة في شبكة التواصل بين الميدان والمدن. وقد تحملت مشقة الرحلات والتنقل من مدينة “أسمرا” إلى “كرن” ومن ثم إلى “حقات” و”فانا” و “ود عاشرة”، في ظروف لم تكن سهلة، وكانت تنطوي على مخاطر حقيقية على حياتها وسلامتها.

ونظرًا إلى ما كانت تعانيه من مشقة في تلك التنقلات، التقيت بها في “فلكيت” بجوار مدينة حقات رفقة الشهيد البطل عمر إزار قائد المنطقة الثانية، وطلبنا منها أن تكون نقطة التواصل في “فلكيت” في المرات القادمة تخفيفًا عنها للمشقة، وتنظيمًا لحركة الاتصال ونقل المعلومات.

ولم تكن تلك المسؤوليات تُسند إلا لمن تتوافر فيهم الثقة والقدرة على التحمل والإخلاص للقضية. وقد أثبتت “عرفات” بما أبدته من التزام ومثابرة، أنها أهل لهذه الثقة والمسؤولية.

وبعد مؤتمر أدوبحا وتوحيد المناطق.. تم انتخابي مسؤولا للأمن والمخابرات والفدائيين ونائب القائد العام لجبهة التحرير الإرترية، استمرّ تواصلي مع المناضلة “عرفات سعد” وتكليفها بالمهام الوطنية العديدة، بالإضافة إلى نقل المعلومات.

إيمان بالقضية وقدرة على استقطاب أبناء الشعب:
لم تكن “عرفات” مجرد ناقلة للمعلومات أو حلقة اتصال بين وحدات الجبهة؛ بل كانت مناضلة جسورة، تؤمن بعدالة القضية الوطنية الإرترية، وتترجم إيمانها إلى عمل يومي وصبر ومثابرة وتضحية.

كانت صاحبة مبدأ، وفيةً لشعبها وقضيتها، لا تثنيها المشقة عن أداء واجبها، ولا تحول بينها وبين مسؤوليتها الظروف الصعبة التي أحاطت بعملها النضالي.

كما امتلكت قوة الإقناع وعمق الإيمان بقضيتها، واستطاعت أن تقنع كثيرًا من أبناء الشعب الإرتري بالالتحاق بصفوف جبهة التحرير الإرترية، من مختلف المشارب الاجتماعية والدينية والمناطقية. وهذا جانب مهم من عطائها؛ إذ لم يقتصر دورها على المهام الميدانية، بل امتد إلى توسيع قاعدة المشاركة الوطنية، وتعزيز قناعة المواطنين بضرورة الإسهام في نضال شعبهم.

لقد كانت تدرك أن النضال ليس حمل السلاح وحده، بل هو أيضًا بناء الثقة، وخدمة الرفاق، ورعاية المعتقلين، وإيصال الرسائل والمعلومات، وكسب الناس إلى صف القضية العادلة. وفي هذه الميادين جميعًا، تركت عرفات أثرًا يستحق التقدير والاعتزاز.

عرفان مستحق من رفاق النضال والشعب الإرتري:
إن رحيل “عرفات سعد” مناسبة لاستذكار الدور الذي أدّته النساء الإرتريات في مسيرة التحرر الوطني، وما قدمنه من تضحيات في ميادين العمل النضالي والاجتماعي والإنساني. فقد حملن المسؤوليات في ظروف بالغة القسوة، وأسهمن في حماية المناضلين، ورعاية المعتقلين، وتعزيز الروابط بين الميدان والمدن، ودعم استمرار القضية الوطنية.

ومن هنا، فإن الوفاء لعرفات لا يكون بمجرد رثائها، وإنما أيضًا بحفظ شهادتها وتجربتها، وتوثيق ما أدّته من أعمال، وتعريف الأجيال الإرترية بها وبأمثالها من المناضلات والمناضلين الذين مهروا أعمارهم في سبيل حرية الوطن وكرامة الإنسان.

وباسم رفاق دربها الذين عرفوا إخلاصها، وباسم كل من يقدّر تضحيات أبناء الشعب الإرتري وبناته، أتقدم إليها بشهادة عرفان وامتنان على ما قدمته من جهد وعطاء. وأرجو أن تجد هذه السيرة مكانها اللائق في ذاكرة النضال الإرتري، وأن تُصان من النسيان، وفاءً لصاحبتها وللأجيال التي جعلت من التضحية سبيلًا إلى الحرية.

الرحمة والمغفرة للمناضلة الراحلة:
لقد اختتمت المناضلة “عرفات سعد” مسيرتها في ألمانيا، بعد رحلة طويلة من الجهد والصبر والثبات، لكنها تركت خلفها ما هو أبقى من العمر: سيرة من الوفاء، وذكرى من التضحية، وشهادة على أن خدمة الوطن تتعدد ميادينها، وأن الرجال والنساء الذين يعملون بإخلاص من أجل شعوبهم يظلون حاضرين في وجدانها.

رحم الله المناضلة “عرفات سعد” رحمة واسعة، وغفر لها، وأسكنها فسيح جناته، وأعتق رقبتها من النار، وجزاها عن شعبها وقضيتها خير الجزاء.

وخالص العزاء والمواساة لنا وإلى أبنائها وبناتها، وإلى أسرتها الكريمة، وإلى رفاقها ورفيقاتها في جبهة التحرير الإرترية، وإلى كل أبناء الشعب الإرتري الذين عرفوا قدرها وقدر ما قدمته.

نسأل الله أن يلهم أهلها وذويها الصبر والسلوان، وأن يتغمد فقيدتنا بواسع رحمته، وأن يجعل ما بذلته في ميزان حسناتها.

لها الرحمة والمغفرة، كما لها من رفاق النضال والشعب الإرتري عظيم الشكر والثناء.

وإنا لله وإنا إليه راجعون..

المناضل صالح حيوتي،
رسالة من رفيق دربها

‏#Eritre#ኤርትራ

تم النقل من صفحة الاستاذ زكي رباط على الفيسبوك.

التعليقات

يمكنك الرد على هذا التعليق

ابحث في الموقع

العودة للأعلى