آبسلاب ارترياالمنبر الحر

بين نار الاستبداد ورمضاء الأطماع: لماذا ترفض المعارضة الإريترية العاقلة “الدبابة الإثيوبية”؟

النخب
الحلقة 243

مقدمة

  • في ظل استمرار نظام أسمرة في نهج القمع والاستبداد، يجد الشعب الإريتري نفسه أمام معادلة صعبة ومصيرية: كيف يتخلص من طاغية الداخل دون أن يقع في فخ الأطماع الخارجية؟ تتصاعد بين الحين والآخر أصوات تدعو إلى الاستقواء بإثيوبيا أو بأي قوة أجنبية أخرى للإطاحة بالنظام، متوهمة أن “دبابة الجار” قد تكون المفتاح السحري نحو الحرية. غير أن هذه الدعوات، مهما بدت مغرية في لحظات اليأس، تصطدم بحقيقة تاريخية قاسية أفرزتها عقود من العذاب تحت وطأة الضم والقسري والحروب والاحتلال؛ إذ تظل القاعدة راسخة: “كمثل الذي استجار بالرمضاء من النار”.
  • إن المعارضة الإريترية العاقلة، التي تمثل النخب الواعية الحريصة على وحدة الوطن وسلامة ترابه، تدرك يقيناً أن رهن السيادة للأطماع الإثيوبية ليس حلاً، بل هو استبدال لقمع محلي باحتلال أو وصاية أجنبية تبدد مكتسبات دماء مئات الآلاف من الشهداء. إن التحولات الميدانية والسياسية الأخيرة، والانهيار الكامل للعلاقات الدبلوماسية بين أديس أبابا وأسمرة — بما شمله من طرد للدبلوماسيين وإغلاق للسفارات — تثبت قطعيّاً أن النخب الحاكمة في إثيوبيا لا ترى في المعارضة الإريترية شريكاً حقيقياً لإرساء الديمقراطية، بل مجرد أداة وظيفية وتكتيكية تُستغل وقت الحاجة وتُنبذ حين ينتفي الغرض. يطرح هذا المقال رؤية تحليلية متوازنة تفكك وهم الاستجارة بالخارج وتضع البديل الوطني الخالص أساساً للتغيير المنشود.

العناصر

أولاً: وهم “الدبابة المنقذة”: التاريخ لا يرحم المستجيرين بالخارج

  • تثبت التجارب التاريخية في القرن الأفريقي والعالم أن أي معارضة سياسية صعدت إلى السلطة على متن دبابات دولة جارة ذات أطماع توسعية، انتهى بها المطاف كحكومة دمية (Puppet Regime) مجردة من الإرادة السياسية والسيادة الوطنية.
  • ثمن الدبابة هو الأرض: إن النخب الإثيوبية، بمختلف مسمياتها الحزبية والقومية، لا تبتلع حقيقة أطماعها؛ فهي تعلن صراحة أن قضية الوصول السيادي والسيطرة على ميناء عصب والبحر الأحمر هي مسألة وجودية لا تنازل عنها. وبالتالي، فإن أي تسهيل أو دعم عسكري تقدمه إثيوبيا لفصيل معارض سيكون مشروطاً مسبقاً بالتنازل عن السيادة البحرية لإريتريا فور سقوط النظام الحالي.
  • شرعية الداخل مقابل تبعية الخارج: إن التغيير الحقيقي والشرعي لا يكتسب ديمومته إلا إذا نبع من إرادة الشعب الإريتري نفسه في الداخل والخارج. إن الاستقواء بالدبابة الإثيوبية يسقط الشرعية الوطنية عن أي معارضة، ويحولها في نظر المواطن الإريتري البسيط من “مشروع إنقاذ ديمقراطي” إلى “مشروع عمالة واختراق” يهدد كيان الدولة الوجودي ذاته.

ثانياً: سيناريو الرمضاء: كيف تدير إثيوبيا ملف المعارضة كأداة ضغط متقلبة؟

  • إن التعامل الاستخباراتي والسياسي الإثيوبي مع الفصائل الإريترية لم يرتكز يوماً على مبادئ أخلاقية ثابتة أو دعم صادق لحقوق الشعوب، بل يقوم حصراً على البراغماتية الصرفة والتقلبات الأمنية:
  • سياسة الابتزاز المتبادل: عندما تتحالف أديس أبابا مع أسمرة (كما حدث خلال حرب تيغراي عام 2020)، يتم تجميد فصائل المعارضة الإريترية والتضييق عليها وربما تسليم بعض عناصرها. وعندما تنفجر الخلافات مجدداً حول البحر الأحمر والمنافذ المائية، يعاد فتح المعسكرات ورفع الشعارات الإعلامية الداعمة للتغيير. هذا التقلب المستمر يثبت أن المعارضة بالنسبة لأديس أبابا ليست سوى “كرت محروق” يُلعب به لابتزاز النظام الحاكم، لا لدعم تطلعات الشعب الإريتري.
  • تفتيت الهوية الوطنية المستقلة: تسعى ماكينات الإعلام والدعاية الحزبية في إثيوبيا باستمرار إلى إقناع المعارض الإريتري بأن دولته عبارة عن “كيان واهن ومصطنع” غير قابل للعيش اقتصادياً وأمنياً بمعزل عن الاندماج أو الدخول فيدرالياً مع إثيوبيا. إن الاستجابة لهذا الخطاب المشبوه تعني تماماً الانتحار السياسي وتفكيك الهوية السيادية الإريترية إرضاءً لأحلام الإمبراطورية التوسعية القديمة.

ثالثاً: البديل الوطني: التغيير بأيدي إريترية وحفظ ثوابت الأرض

  • إن التفريق الحاسم والواعي بين “النظام الزائل” و”الوطن الباقي” يفرض على قوى المعارضة الحية والغيورة تبني استراتيجية صلبة تقطع الطريق نهائياً أمام محاولات الاستقطاب الإثيوبي والأجنبي:
  • إعلان المبادئ السيادية الفوقية: يجب على كل طيف سياسي معارض أن يجعل من “قدسية التراب الإريتري، والسيادة المطلقة على كامل الساحل والجزر ومينائي عصب ومصوع” خطاً أحمر غير قابل للنقاش أو المساومة تحت أي ظرف أو مبرر.
  • رفض التمويل والتوجيه العسكري الأجنبي: قطع دابر أي ارتباط استخباراتي أو عسكري مباشر مع الأجهزة الإثيوبية، وبناء شبكة تحالفات إقليمية ودولية متوازنة في فضاء البحر الأحمر تحترم استقلال إريتريا وتناهض أي هيمنة أجنبية.
  • مخاطبة الداخل بروح وطنية جامعة: عندما يلمس الجيش الإريتري والمواطن المتبقي في الداخل أن المعارضة أشد حرصاً على الحدود والسيادة والمنفذ البحري مقارنة بالنظام الحالي، ستتهاوى بروباغندا السلطة التي تعتمد على تخويف الشعب بأن البديل الوحيد لسلطتها هو ضياع الوطن والعودة المذلة للعباءة الإثيوبية.

الخاتمة

  • إن الوعي القومي الرصين الذي يرفض الاستجارة بـ”رمضاء” الأطماع الإثيوبية للتخلص من “نار” الديكتاتورية المحلية هو الصخرة الصلبة التي ستتحطم عليها كافة أحلام الهيمنة الإقليمية.
  • إن نظام أسمرة زائل لا محالة طال الزمن أم قصر، غير أن الحفاظ على دماء مئات الآلاف من الشهداء وصيانة ثبات الخريطة الإريترية المستقلة المطلة على البحر الأحمر يمثلان الأمانة التاريخية الكبرى التي لا يجوز للمعارضة الإريترية الحرة التفريط فيها بأي حال من الأحوال.
  • إن المعارضة العاقلة لا ترفض التغيير، بل تؤمن به؛ لكنها ترفض جازمة أن يُبنَى هذا التغيير على حساب السيادة الوطنية والكرامة التاريخية، داعية إلى تغيير بنيوي ديمقراطي ينبع من إرادة الشعب الإريتري وحده، بعيداً عن أي وصاية خارجية قد تحول الحرية المرجوة إلى عبودية جديدة.

المصادر الأجنبية

  • BBC News: تقرير تحليلي حول أبعاد قطع العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا وتداعياتها الأمنية على استقرار منطقة القرن الأفريقي. رابط
    التقرير على بي بي سي
  • France 24: تغطية إخبارية شاملة حول انهيار العلاقات السياسية والدبلوماسية بين أديس أبابا وأسمرة وتبادل طرد الدبلوماسيين. رابط التغطية على فرانس 24
  • The Reporter Ethiopia: دراسة وتحليل سياسي يسلط الضوء على رؤية النخب والأحزاب الإثيوبية لملف المعارضة الإريترية وتعاملها معها كأداة تكتيكية بحتة. رابط المقال على ذي ريبورتر إثيوبيا

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، …….

ابسلاب ارتريا


التعليقات

يمكنك الرد على هذا التعليق

ابحث في الموقع

العودة للأعلى