آبسلاب ارترياالمنبر الحر

خطة أبي أحمد للاستيلاء على عصب: كيف تُعرّي إثيوبيا نفسها قانونياً وتاريخياً؟

لنالنخب الحلقة 245 :

ترجمة وتحليل: ابسلاب ارتريا

الفيديو الأصلي: (قناة Tghat، 18 أكتوبر 2026)

المقدمة

في مقابلة مطولة بثتها قناة “تغات” (Tghat) مع الخبير القانوني الإثيوبي تسغاي أرارسا، جرى تفكيك رواية نظام أبي أحمد حول “المنفذ البحري السيادي” التي يروّج لها كقضية وجودية. الفيديو، رغم أنه نُشر على منصة معارضة إثيوبية، إلا أنه يقدم اعترافاً نادراً من داخل النخبة القانونية الإثيوبية نفسها بأن لا أساس قانونياً ولا تاريخياً لمطالبة أديس أبابا بالسيادة على ميناء عصب الإريتري. بل يذهب أرارسا إلى أبعد من ذلك، معتبراً أن استخدام خطاب المنفذ البحري هو أداة لتبرير القمع الداخلي وتغطية الإبادة الجماعية في تيغراي وأمهرة وأوروميا، وليس مشروعاً وطنياً حقيقياً. هذا المقال يترجم النقاط الرئيسية للفيديو، ويقدم تحليلاً شاملاً، ويوجه رسالة صريحة للشعب الإريتري حول حقيقة ما يجري على الحدود.

ترجمة نقاط الفيديو الرئيسية

· الخطاب الإثيوبي عن المنفذ البحري هو سلاح سياسي داخلي: يقول أرارسا إن حكومة أبي أحمد “تُسلّح” فكرة الوصول السيادي إلى البحر لتوليد شرعية داخلية، وإضعاف خصومها، وتغطية حروبها في تيغراي وأمهرة وأوروميا. ويشير إلى أن إثيوبيا تاريخياً كانت “إمبراطورية تعتمد على الاعتراف الدولي” أكثر من اعتمادها على إجماع داخلي، وأن خطاب “الحق التاريخي” هو استمرار لهذا النمط الإمبراطوري.

· “الحق التاريخي” ليس حقاً قانونياً: يوضح أرارسا أن إمبراطورية أكسوم ليست “إثيوبية” بالمعنى الحديث، بل هي كيان تاريخي يخص الجغرافيا التي تُعرف اليوم بتيغراي وإريتريا. كما أن إريتريا لم تُنتزع من إثيوبيا؛ فقد كانت مستعمرة إيطالية حتى عام 1941، ثم خاضعة لوصاية بريطانية، ثم فُرضت عليها الفيدرالية مع إثيوبيا عام 1952، قبل أن تُضمّ بالقوة عام 1962. ويشير إلى أن إثيوبيا نفسها اعترفت رسمياً باستقلال إريتريا عام 1993 ووقعت على ذلك في الأمم المتحدة، ولا يمكنها اليوم “سحب اعترافها” وفق المزاج السياسي.

· القانون الدولي يمنح إثيوبيا حق المرور فقط، وليس السيادة: بموجب المادة 125 من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS)، فإن الدولة غير الساحلية لها حق “المرور الحر” إلى البحر، وليس حق السيادة على ميناء أو منطقة اقتصادية خاضعة لسيادة دولة ساحلية. إثيوبيا تمارس هذا الحق عبر جيبوتي، ويمكنها التفاوض مع إريتريا أو الصومال أو كينيا أو السودان، لكنها لا تستطيع فرض سيادتها بالقوة.

· الغزو العسكري لعصب ليس “نزهة”: يشير أرارسا إلى أن الجيش الإثيوبي، رغم تفوقه العددي (نحو 600 ألف جندي مقابل أقل من 200 ألف للإريتريين)، إلا أنه غارق في حروب داخلية في أوروميا وأمهرة وتيغراي، ويعتمد بشكل شبه كلي على الطائرات بدون طيار (التي تُشغّلها جهات خارجية) وليس على قدرة قتالية أرضية حاسمة. ويضيف أن أي احتلال لعصب سيواجه بمقاومة إريترية شرسة، وأن “الإرادة الإريترية” لن تسمح ببيع الأرض أو التنازل عنها.

· السيناريو الأسوأ: حرب إقليمية وعقوبات دولية: يحذر أرارسا من أن أي غزو إثيوبي لعصب قد يجرّ مصر وتركيا والسعودية إلى الصراع، كما حدث في الماضي، كما أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيفرضان عقوبات قد تشل الاقتصاد الإثيوبي، الذي يعتمد بالفعل على برنامج صندوق النقد الدولي بقيمة 3.4 مليار دولار.

التحليل الشامل

1. التحليل السياسي: “المنفذ البحري” كغطاء لحرب داخلية

الخطاب الإثيوبي الرسمي حول المنفذ البحري ليس جديداً، لكنه تحول بعد عام 2023 إلى أداة مركزية في خطاب رئيس الوزراء أبي أحمد. ففي يوليو 2023، أعلن أبي في جلسة مغلقة مع نواب ومسؤولين عسكريين أن لإثيوبيا “حقاً أصيلاً” في البحر الأحمر، مستشهداً بضم إسرائيل غير القانوني لمرتفعات الجولان كنموذج يُحتذى. وفي أكتوبر 2023، صرح بأن إثيوبيا لن تبقى “سجينة الجغرافيا”، ثم عاد في فبراير 2026 ليعلن أن مهمة الجيش هي “ضمان أمن البحر الأحمر من حدود الصومال إلى ميناء مصوع”.

لكن الهدف الحقيقي، كما يكشف أرارسا، هو إعادة توجيه الغضب الداخلي. فإثيوبيا تواجه منذ 2020 حرباً في تيغراي، ثم حرباً في أمهرة، وتمرداً مستمراً في أوروميا، وتحالفاً غير مسبوق بين “جبهة تحرير تيغراي” و”فانو أمهرة” و”جيش تحرير أورومو” تحت اسم “تحالف البقاء” الذي يهدد بإسقاط النظام. وبدلاً من معالجة هذه الأزمات، يرفع أبي شعار “المنفذ البحري الآن أو أبداً” ليصور نفسه زعيماً وطنياً يناضل من أجل “حق تاريخي”، ويصف معارضيه بالخونة.

2. التحليل الإعلامي: آلة الدعاية الإثيوبية وتزييف التاريخ

ما يجري في الإعلام الإثيوبي الرسمي هو هندسة وعي جماعي على أساس أسطورة “الثلاثة آلاف عام من التاريخ”. يشير أرارسا إلى أن معظم “التاريخ الإثيوبي” الذي يُدرّس في المدارس ويُروَّج في الإعلام كُتب بعد الحرب العالمية الثانية، في عهد الإمبراطور هيلا سيلاسي، بهدف بناء شرعية النظام الإمبراطوري وربطه بأكسوم وبالملكة بلقيس وبسليمان الحكيم. ويضيف أن هذا التاريخ “الأسطوري” لا علاقة له بالدولة الإثيوبية الحديثة التي تشكلت عبر التوسع والغزو في القرن التاسع عشر.

إعلامياً، تعمل القنوات الحكومية (مثل Fana Broadcasting) على تصوير المطالبة بعصب كـ”واجب وطني” يتطلب “التضحية بالمصالح الشخصية” من أجل “القضية الوطنية”. وفي الوقت نفسه، تُشن حملة تشويه ممنهجة ضد إريتريا، تصل إلى حد اتهامها بدعم “الإرهاب” والتدخل في الشؤون الإثيوبية، لتبرير أي عدوان مستقبلي.

3. التحليل القانوني: لا وجود لحق السيادة… ولا حتى لحق “الوصول” المزعوم

القانون الدولي واضح تماماً في هذه المسألة:

· اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS): المادة 125 تمنح الدولة غير الساحلية حق المرور (transit) عبر أراضي الدولة الساحلية، وليس حق السيادة على أي جزء من أراضيها أو مياهها الإقليمية. إثيوبيا ليست طرفاً في الاتفاقية، لكن القاعدة أصبحت جزءاً من القانون الدولي العرفي.

· ميثاق الأمم المتحدة: المادة 2(4) تحظر صراحة “التهديد باستخدام القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة”. أي تهديد إثيوبي بغزو عصب هو انتهاك صارخ لهذا المبدأ.

· الاعتراف الإثيوبي باستقلال إريتريا: إثيوبيا كانت أول دولة تعترف باستقلال إريتريا عام 1993، ووقّعت على وثائق الاعتراف في الأمم المتحدة. ولا يمكن لدولة أن “تسحب” اعترافها أحادياً لأن ذلك يتعارض مع مبدأ “حظر التنصل من التصرفات القانونية السابقة” (estoppel) في القانون الدولي.

· قضية جيبوتي: إذا كان لإثيوبيا حق تاريخي مزعوم، فإن جيبوتي (التي كانت تُعرف باسم “أرض الصومال الفرنسي” والتي مُنحت لفرنسا بامتياز من الإمبراطور مينيلك الثاني) هي الأولى بهذا الحق. لكن إثيوبيا لا تطالب بها، مما يكشف أن “الحق التاريخي” مجرد ذريعة انتقائية.

4. التحليل العسكري: تفوق على الورق… وعجز على الأرض

صحيح أن إثيوبيا تمتلك أكبر جيش في منطقة القرن الإفريقي (نحو 600 ألف جندي)، بينما يقدر حجم الجيش الإريتري بأقل من 200 ألف. لكن هذا التفوق العددي لا يعني قدرة على احتلال عصب والسيطرة عليه:

· عصب معزولة جغرافياً: تقع عصب على بعد 50 كيلومتراً فقط من الحدود الإثيوبية، لكنها معزولة عن مركز الثقل العسكري الإريتري في المرتفعات الوسطى. أي تعزيزات إريترية ستحتاج إلى قطع نحو 300 ميل عبر طريق ساحلي مكشوف، وهو ما يجعلها عرضة للطائرات بدون طيار الإثيوبية. لكن هذا لا يعني أن الاحتلال سيكون سهلاً؛ فالمقاومة الإريترية في المنطقة ستكون شرسة، والجيش الإثيوبي سيواجه حرب استنزاف طويلة.

· الجيش الإثيوبي… جيش طائرات بدون طيار: يعتمد الجيش الإثيوبي بشكل كبير على الطائرات بدون طيار (التي تُشغّلها دول خارجية مثل الإمارات وتركيا) في حروبه الداخلية. لكن هذه الطائرات لا يمكنها احتلال أرض أو فرض سيطرة على السكان. وإذا ما قررت الولايات المتحدة أو الإمارات سحب دعمها، فإن قدرة الجيش الإثيوبي على خوض حرب تقليدية طويلة ستكون موضع شك كبير.

· حرب على جبهات متعددة: إثيوبيا لا تستطيع فتح جبهة جديدة في إريتريا بينما هي غارقة حتى أذنيها في أوروميا وأمهرة وتيغراي. أي حرب مع إريتريا ستكون “مقامرة” قد تؤدي إلى تفكك إثيوبيا نفسها، كما يشير أرارسا.

5. التحليل الاجتماعي: تعب الحرب… ورفض الإذعان

الشعب الإريتري، رغم التعب من الخدمة العسكرية الطويلة ومن سنوات “الاقتصاد الحربي”، إلا أنه لن يقبل بأي حال التنازل عن أرضه. يشير أرارسا إلى أن “الإريتريين قد يتعبون من الحرب، لكنهم لن يسمحوا لإثيوبيا باحتلال أي شبر من أراضيهم”. وهذا الرفض ليس فقط وطنياً، بل هو جزء من هوية وطنية تشكلت عبر ثلاثين عاماً من النضال المسلح ضد الاحتلال الإثيوبي.

في المقابل، يعاني المجتمع الإثيوبي نفسه من تعب حرب شديد وانقسامات عميقة. فالحروب في تيغراي وأمهرة وأوروميا خلّفت مئات الآلاف من القتلى، وملايين النازحين، ودمّرت الاقتصاد. ومعظم الشباب الإثيوبي لا يريد القتال من أجل “عصب” أو أي قضية أخرى، لكن النظام يمارس التجنيد القسري ويسوق خطاباً قومياً لتبرير استمرار الحرب.

6. التحليل الاقتصادي: الحرب ستدمّر ما تبقى من الاقتصاد الإثيوبي

إثيوبيا تعتمد حالياً على برنامج صندوق النقد الدولي البالغ 3.4 مليار دولار، وهو برنامج يهدف إلى معالجة نقص العملة الأجنبية والتضخم المرتفع وإعادة هيكلة الديون. أي غزو لعصب سيؤدي إلى:

· عقوبات دولية فورية: الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سيفرضان عقوبات اقتصادية واسعة، كما حدث أثناء حرب تيغراي، مما سيؤدي إلى انهيار قيمة البير الإثيوبي وزيادة التضخم ونقص السلع الأساسية.

· عزلة مالية: إثيوبيا لن تتمكن من الحصول على تمويل من المؤسسات المالية الدولية، وسيتم تجميد أصولها في الخارج.

· تدمير البنية التحتية لعصب: حتى لو احتلت إثيوبيا عصب، فإنها لن تستطيع تشغيله كمنفذ تجاري فعال في ظل العقوبات والمقاومة المحلية. فالميناء يحتاج إلى استقرار سياسي وأمني، وهو ما لن يتوفر في حالة حرب مفتوحة.

في المقابل، إريتريا لديها فرصة لتعزيز اقتصادها عبر التعاون مع مصر والسعودية والإمارات (التي تستثمر في ميناء عصب وميناء مصوع)، وقد تصبح شريكاً استراتيجياً في أمن البحر الأحمر إذا ما تخلت إثيوبيا عن خطابها العدواني.

ماذا يجب أن يعرفه الشعب الإريتري؟

1. العدو لا يريد التفاوض… يريد الأرض: كل التصريحات الإثيوبية عن “التفاوض” و”الحوار” هي ستار للاستعداد العسكري. أبي أحمد نفسه قال إنه “لم يجد أي وثيقة تؤكد استقلال إريتريا”، مما يعني أنه لا يعترف بوجود إريتريا كدولة ذات سيادة. من يريد التفاوض لا ينكر وجود الطرف الآخر.

2. القانون الدولي إلى جانبكم: إريتريا ليست وحيدة في مواجهة هذه التهديدات. فالقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وقرارات الاتحاد الإفريقي، كلها تدين أي محاولة لتغيير الحدود بالقوة. وإريتريا يمكنها اللجوء إلى مجلس الأمن والجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية لفضح العدوان الإثيوبي.

3. الجيش الإثيوبي ليس قوياً كما يبدو: رغم التفوق العددي، فإن الجيش الإثيوبي يعاني من انقسامات داخلية، ويعتمد على دعم خارجي (طائرات بدون طيار، معدات، تمويل). أي حرب طويلة ستستنزفه، خاصة إذا ما تمكنت إريتريا من الحصول على دعم من دول لها مصلحة في منع إثيوبيا من السيطرة على البحر الأحمر (مصر، السعودية، الإمارات).

4. الوحدة الوطنية هي السلاح الأقوى: الرسالة الأهم من الفيديو هي أن إثيوبيا تريد استغلال أي انقسام داخلي إريتري. لذلك، فإن الحفاظ على الوحدة، ونبذ الخلافات السياسية مؤقتاً، هو أمر حاسم لمواجهة التهديد الوجودي.

5. لا تثقوا بالوعود الغربية: قد يبدو أنه يدعو إلى خفض التصعيد، لكنه في النهاية يبحث عن مصالحه. الاعتماد أولاً، علي حلفاء حقيقيين (مثل مصر والدول العربية التي تشاركها الخوف من التوسع الإثيوبي.

الخاتمة

ما كشفه تسغاي أرارسا في هذا الفيديو هو اعتراف من داخل النخبة الإثيوبية نفسها بأن خطاب “المنفذ البحري” ليس مشروعاً وطنياً، بل هو أداة دعائية رخيصة لتبرير القمع الداخلي والتغطية على فشل نظام أبي أحمد في إدارة بلاده.

إثيوبيا، التي تتحدث عن “ثلاثة آلاف عام من التاريخ”، تتناسى أن تاريخها الحديث قام على الغزو والضم، وأن اعترافها باستقلال إريتريا عام 1993 كان قراراً سيادياً لا رجعة فيه.

واليوم، تحاول إثيوبيا إعادة إنتاج نفس المنطق الإمبراطوري، لكنها تواجه دولة ذات سيادة، وشعباً لن يبيع أرضه، وقانوناً دولياً لا يسمح بذلك.

على الشعب الإريتري أن يدرك أن المعركة ليست معركة موانئ، بل معركة وجود، وأن الصمود والوحدة هما السبيل الوحيد لردع أي عدوان.

المصادر الغربية

‏1. The Africa Report – “Is Assab Port the real prize in the looming Ethiopia-Eritrea war?” (8 أكتوبر 2026).

‏2. Critical Threats Project (AEI) / Institute for the Study of War – “Ethiopia Reaches Eritrean Border; M23 Rebrands with Kabila: Africa File” (15 أكتوبر 2026).

‏3. International Crisis Group – “Ethiopia, Eritrea and Tigray: A Powder Keg in the Horn of Africa” (18 فبراير 2026).

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، …….

ابسلاب ارتريا

التعليقات

يمكنك الرد على هذا التعليق

ابحث في الموقع

العودة للأعلى