المنبر الحرحواراتشخصيات تاريخية

حديث ذو شجون مع الاستاذ هداد محمود خليفة – الحلقة الأولى

Screenshot

بقلم : حسين رمضان

تم اجراء هذا اللقاء مع الاستاذ هداد خليفة محمود في قناة ” قلد” بلغة التجرى وهذه ترجمة للقاء باللغة العربية.

الاستاذ/ هداد محمود خليفة – الصورة من برنامج كيف الحال للاستاذ كرار هيابو

السادة المشاهدين والمستمعين، حديثنا اليوم عن ذكريات مدينة كرن في ستينات وسبعينات القرن الماضي. ولم تكن كرن مجرد مدينة، بل كانت مجتمعًا مترابطًا يجمع أبناءه نسيجٌ قوي من العلاقات الاجتماعية والتقاليد المشتركة والتواصل المستمر.

وقبل ظهور وسائل التكنولوجيا الحديثة، كانت العلاقات الشخصية والأسواق والمدارس والمساجد والكنائس والمناسبات الاجتماعية تشكّل قنوات التواصل الرئيسة بين الناس. كما أسهمت طرق المواصلات في ربط كرن بالمناطق المجاورة، مما عزّز التجارة والتبادل الثقافي وانتقال الناس والأفكار. وقد ساعدت هذه الروابط في ترسيخ شعور عميق بالانتماء والتضامن، وهو ما يزال جزءًا أصيلًا من هوية كرن الجماعية حتى اليوم.

ومن خلال برنامج قناة ميديا قلد نرحّب بكم ونتمنى لكم أوقاتًا سعيدة. وضيفنا الكريم الأستاذ هداد خليفة محمود “ود كرن”، تتواصل لقاءاتنا معه عبر هذا البرنامج للحديث عن الحياة في مدينة كرن: كيف كانت وكيف أصبحت في فترة الستينات، وكذلك قبل مغادرته المدينة عام 1969م، إذ لم يعد إليها منذ ذلك الوقت، ومن الطبيعي أن تكون الحياة قد تغيّرت عمّا كانت عليه سابقًا. ومحور حديثنا معه اليوم هو ما قبل خروجه من كرن، تلك المدينة الواقعة في منطقة وسطى تحيط بها مدن وقرى عديدة، مما يجعل الحديث عنها واسعًا ومتشعّبًا.

كما نرحّب بكل من يملك معلومات عن الحياة في تلك الفترة من أبناء كرن أو غيرها من المدن، فهدفنا هو توثيق وبناء رصيد معرفي تستفيد منه الأجيال عن تلك المرحلة، سواء لمدينتنا الجميلة بصفة خاصة أو لإريتريا بصفة عامة، وللمقارنة بين الماضي والحاضر ومعرفة أوجه التغيير. وعليه نكرر ترحيبنا بالجميع، والباب مفتوح لمن يرغب في الحديث عبر منصة ميديا قلد. ونأمل أن توافونا بآرائكم وتعليقاتكم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

هداد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أهلاً وسهلاً بالأستاذ الإعلامي كرار، ومن هنا أبعث تحياتي وسلامي لإخواني وأخواتي وأبنائي وزملائي عبر هذه القناة، وأخصّهم بخالص التحايا. وكما بدأنا، أحب أن يتواصل لقاؤنا هذا، وأنا جاهز، وإن شاء الله يستفيد منه الجميع. كما أرحّب بأي تعليق أو إضافة من الجميع، وأقبل التوجيه والنصح، فكلّنا نكمل بعضنا بعضًا، والكمال لله وحده. وأعتذر عن أي نسيان أو خطأ قد يقع في هذا اللقاء المبارك.

سؤال: جميل كلامك أخي هداد، لديّ ملاحظة: الجميع يعلم أنك تعيش في ولاية كاليفورنيا بأمريكا، واليوم يبدو أنك تضع علم كندا على صدرك. هل يدل ذلك على أنك أخطأت في وضع العلم، أم أنّ وراءه سببًا آخر؟

هداد: أنا أولاً من أبناء كندا، وثانيًا من أمريكا، واليوم الدور لكندا، ولذلك وضعت ميدالية علم كندا في هذا اللقاء، فالمزاج اليوم كندي.

كرار: حسب علمنا، بدأت رحلتك من كرن إلى السودان، ثم دول الخليج، وأوروبا، وكندا، وأمريكا، وقد كانت لك جولات طويلة، أما الآن فالأمر محصور بين كندا وأمريكا.

كما تعلم، تعرضت بلادنا في الستينات لثلاث حقب من الاستعمار: الإيطالي، الذي ترك إنجازات واسعة في البنية التحتية والتخطيط والعمران وشبكات المواصلات؛ ثم الإنجليزي، الذي قدّم بعض الإنجازات البسيطة في الإعلام وتكوين الأحزاب، لكنه عند خروجه نهب المصانع والمنشآت؛ ثم الاستعمار الإثيوبي، الذي كان الأسوأ، إذ ابتلع الوطن. والاستعمار على اختلاف أنواعه عدو للبلاد والعباد.

نأمل أن تحدّثنا عن طبيعة التواصل الاجتماعي وحركة الناس بين مدينة كرن والقرى والريف حولها في تلك الفترة، خاصة وأن الخدمات كانت متركّزة في المدينة بينما تفتقر إليها القرى.

هداد: كما ذكرت، العلاقة بين المدينة والقرى كانت علاقة تبادل مصالح؛ يأتي سكان القرى بمنتجاتهم الزراعية والحيوانية والغابية ليبيعوها، ويشتروا من المدينة احتياجاتهم من الملابس والسكر والبن والشاي والأدوية وغيرها. وكانت الحياة تكاملية في الأساس.

وكان بعض سكان القرى يستقرون في كرن، مثل الطلاب الذين يكملون تعليمهم بعد الصف الرابع، إذ ينتقلون إلى المدارس المتوسطة والثانوية في المدينة. وآخرون يعجبون بحياة المدينة أو يكون لهم أهل فيها، فيندمجون في المجتمع المدني. وكانت كرن مدينة صغيرة، أحياؤها متقاربة، وسكانها قليلون، والجميع يعرف بعضهم بعضًا، مما يعمّق الروابط الاجتماعية.

أما وسائل التواصل بين المدينة والقرى فكانت غالبًا عبر الدواب، وأحيانًا عبر الباصات رغم قلتها. ومن الخطوط التي أتذكرها: خط اسمرا–كرن–تسني المعروف بـ”ستاي” وحجة حسن، وخط بركا الذي كانت تديره شركة “سيابو”، وخط منصورة وشيتل وحقات وحلحل الذي كان يديره الإيطالي أنطونيو، وخط كرن–نقفة الذي كان يديره فرنكيسو، وخط عد رقت وبركنتيا الذي كان يديره دانتي، ثم جاءت شركة “سبر” التي كان أهل كرن يطلقون عليها مازحين “أمرين قرى” أي “غدًا” بلغة البلين، لأنها كانت تتأخر في التحرك. ثم اشترت الشركة خطوطًا عديدة وأصبحت المالك الرئيس. كما اندمجت شركة ستاي مع سيابو لاحقًا.

وفي أواخر الأيام قبل مغادرتي كرن جاء رجل يُدعى “ود ألف” أو “ودي بيتو” وكان يعمل في خط دبرسينا وعيلا برعد.

كرار: كان الناس يتغنون بعبارة: “سلفو وتكلفو من ستاي اتترفو”. هل هذا صحيح؟

هداد: الذي سمعته أنهم كانوا يقولون “ستاي وسيابو” بعد اندماجهما، أما عبارتك فأظن أنها كانت تُقال عن مشتريات الخضار والفواكه، ولم أسمعها بالمعنى الذي ذكرتَه.

كرار: كيف كان الوضع الأمني؟ وهل كان الشفتا يقطعون الطرق؟

هداد: في اتجاه بركا كانت الطرق آمنة. أما في اتجاه اسمرا فكان هناك شرطة “اسكوترا” ترافق الباصات حتى عد تكليزان، ثم يتسلمها شرطة آخرون. وكنا نسمع عن “شفتا قبري وحقوص”. وبعض الشرطة كانوا يمارسون السرقة بالسلاح، ومعظمهم من المرتفعات.

وتحضرني قصة رجل الأعمال كارلينو من عد أورتلا، إذ أوقفه الشفتا وأخذوا منه ساعة رولكس وزينة زوجته ومبالغ نقدية.

كرار: البعض يقول إن الشفتا من أبناء المنطقة؟

هداد: نعم، بعضهم من أبناء المنطقة، لكن الغالب من حماسين. وكانوا يسرقون الحيوانات من بركا ويأتون من اتجاه شبق. ومنهم رجل يُدعى حدقو، كان يعمل سائقًا مع الشرطة ثم مع الشفتا، ثم تاب، ثم عاد للعمل، ثم تورّط في حادثة إطلاق نار على زنداي، فدخل السجن، ثم أُعيد إلى عمله خوفًا من انتقامه.

كرار: هل كان الشفتا يعترضون الناس القادمين مشيًا من القرى؟

هداد: لا، لم يحدث ذلك. الطرق من ساحل وعنسبا وحلحل وجنقرين كانت آمنة. وكذلك بركا واغردات وقاش. الناس كانوا يخافون من الجيش الإثيوبي فقط. أما منسع فكان الطريق آمنًا ليلًا ونهارًا.

كرار: هل كان الطريق من كرن إلى تسني ثم السودان سالكًا؟

هداد: نعم، كانت هناك باصات في تسني وعلي قدر، وفي عيكيت وثلاثة عشر، وتذهب إلى اللفة في الحدود السودانية.

كرار: ماذا عن البابور (القطار) من كسلا إلى تسني؟

هداد: أذكره، لكنه كان غالبًا من إنجازات الطليان. وكان هناك قطار من اسمرا إلى كرن ثم اغردات، ومنها يكمل الناس بالباصات إلى تسني.

كرار: هل يمكن الذهاب من كرن إلى باطع بالقطار؟

هداد: نعم، عبر “لترينا” أو القطار أو الباصات.

كرار: ماذا عن البريد والبريق؟

هداد: كان مدير البريد عمنا بلاتا محمد عبدالله، وابنه إبراهيم جون، وإخوانه من المناضلين المعروفين. وكانت الرسائل تُسلّم يدًا بيد، لا عبر صناديق. وكان هناك رجل طويل القامة يوصل رسائل التجار مقابل مبلغ بسيط، وكان التعامل بالرسائل نادرًا.

كرار: هل كان التغراف موجودًا؟

هداد: نعم، وأول مدينة عمل فيها التغراف في إريتريا كانت كرن، ومبناه لا يزال قائمًا.

كرار: ماذا عن التلفونات؟

هداد: كانت موجودة بشكل محدود في مكاتب الحكومة والتجار، مثل عد ياقوت وأبا حسن ومنوبوليو، أما البيوت فلم تكن فيها شبكة هاتف.

كرار: ماذا عن التعليم؟

هداد: كان التعليم يبدأ بالحروف الإنجليزية، والمدرسون هنود وإنجليز. وكان هناك دروس خصوصية في المنازل، يقدّمها مدير المدرسة أوستن بعد تركه العمل الحكومي، وكذلك الإنجليزي ديفيد تومسون. وكان التعليم الخاص للأسر الميسورة.

كرار: ما فرص تعليم العربية؟

هداد: من أراد تعلم العربية كان يذهب إلى اسمرا ويلتحق بمدارس الجالية العربية من الصف الأول حتى الثاني عشر. أما المدارس الحكومية فتحولت لغتها إلى الأمهرية بعد 1960م.

كرار: كيف كنتم تميّزون أهل القرى عن أهل المدينة؟

هداد: الأمر واضح؛ أهل القرى بسيطون، وملابسهم ولغتهم وطريقة مشيهم تدل عليهم. أما شباب المدينة فكان فيهم شيء من القسوة. وأذكر قصة في اسمرا حاول فيها شاب أن يستغفلني، لكنني كنت أذكى منه، فقال الناس: أهل كرن لا يُستغفلون.

كرار: وكذلك في اسمرا يعرف الناس الغريب؟

هداد: نعم، وكذلك في كرن يعرف أهلها الغريب من أول نظرة.

كرار: الحديث معك ممتع، وسيستمر إن شاء الله في حلقات أخرى، ونرحّب بتعليقات المشاهدين، فالتاريخ يحمل المفرح والمحزن، ولا بد من ذكره كما وقع.

هداد: أوصي المشاهدين بأنني أجيب بما أعرفه، ولا أميّز بين الأسر، وأحترم الجميع، ولي مع كل أهل كرن ذكريات جميلة. ولا يمكن حصر كل شيء في لقاء واحد، فاعذروني عن الخطأ والنسيان.

كرار: نشكر ضيفنا على ما قدّم من معلومات قيّمة، ونأمل اللقاء به في حلقات قادمة. ونرجو من الجميع نشر هذا اللقاء ليستفيد منه الجميع.

بقلم / حسين رمضان

ابحث في الموقع

العودة للأعلى