يتواصل الحوار مع الأستاذ هداد خليفة محمود “ود كرن” حول ذكرياته عن مدينة كرن في ستينيات القرن الماضي.
كرار: أستاذ هداد، إذا أردنا أن نصف كرن، فما هي كرن؟
هداد: كرن هي عاصمة إقليم عنسبا، وتحيط بها أربعة جبال: لالمبا، وسكين، ويتعبر، وزباندو. سكانها خليط متنوع من جنسيات العالم، إضافة إلى الإرتريين أبناء البلد وعدد من القبائل المختلفة. ما يميز كرن عن بقية مدن إرتريا هو مناخها المعتدل، وحسن تعامل أهلها، وخصوصية علاقاتهم الاجتماعية. الحديث عن كرن ذو نكهة خاصة، وكل هذه العناصر تمنحها جمالًا وميزة فريدة.
كرار: ذكرتَ أن سكان كرن خليط من دول وقبائل مختلفة. هل تقصد الطليان والإنجليز والأثيوبيين الذين استعمروا البلاد، وقبلهم الحكم التركي المصري؟ هل هم ممن تبقّى من الدول الاستعمارية التي استقرت في إرتريا ومنها كرن؟
هداد: الشعوب التي سكنت كرن خاصة، وإرتريا عامة، جاءت من دول متعددة، وأكثرهم من غرب أفريقيا. عاشوا مع السكان الأصليين دون تمييز. ويمكن القول إن جميع دول غرب أفريقيا كان لها حضور في كرن. أمّا كيف وصلوا إليها، فبحسب روايات الآباء والأجداد، فهم من بقايا الحجاج الذين انقطعت بهم السبل أثناء ذهابهم أو عودتهم من الحج، فاستقروا في كرن وغيرها. وبالنسبة للإيطاليين والبريطانيين فهم ممّن تخلفوا من الاستعمار. كما كان في كرن أفراد من اليمن، البحرين، السعودية، تركيا، الصومال، جيبوتي، والشام ولبنان وأرمينيا ومصر، ومنهم عثمان القبطي الذي كان يعمل ساعاتيًا، إضافة إلى بعض اليهود.
كرار: هل كان اليهود عربًا ويتحدثون العربية؟
هداد: أظن أن يهود كرن قدموا من دول أوروبا الشرقية، وليسوا عربًا. أذكر منهم شخصًا يدعى منصور، وكان غنيًا ومن كبار تجار كرن وأسمرا، وآخر اسمه كانزن.
كرار: وهل كان يوجد سودانيون ضمن سكان كرن؟
هداد: نعم، كانوا يسكنون منطقة تُسمّى سودان طباب، ويعملون في الجراديين (مزارع الفاكهة والخضروات) على ضفاف خور عنسبا.
كرار: ولماذا سُمّيت منطقتهم طباب؟
هداد: يوجد في المنطقة طريق ضيق تمرّ به الباصات والدواب المتجهة من كرن إلى عنسبا والساحل. وكان السودانيون يسمّون المنطقة جبل القرود لكثرة القرود في الجبال المحيطة، ومن هنا جاءت التسمية.
كرار: السودانيون في كرن من أي مناطق في السودان؟
هداد: كان منهم من غرب السودان: دارفور، الأبيض، الفاشر، ويُعرفون بسودان طباب، ويعملون في الجراديين. ومن الشماليين بقايا الجيش السوداني: الشايقية، الجعليين، ومنهم عمّنا علي صالح، وعمدة حلة سودان حسب الله حمد الدين. كثير منهم تزوّجوا من إرتريات، فأصبحوا جزءًا من النسيج الاجتماعي للمدينة.
كرار: وماذا عن الإثيوبيين؟
هداد: كان في كرن التقراي، وكان بعضهم يمارس مهنًا سيئة مثل بيع الخمور. ومن الأمهرة نجار يُدعى قرا ماريام قجلا، وبيني كاسا مسؤول الأمن في النظام الحالي، وهو من أصل أمهري، وله أخ يُدعى أف ورقي. الشعوب كانت متداخلة في ذلك الوقت رغم اختلاف أجناسها.
كرار: وكيف كانت علاقة سكان كرن بالقرى والريف المحيط؟
هداد: كرن مدينة مفتوحة للتسوق. يأتي إليها أهل القرى مثل بيجوك، منسع، ماريا قيح، طلام لبيع منتجاتهم الحيوانية والزراعية وشراء احتياجاتهم. ويمكن القول إن جميع قبائل إرتريا كانت موجودة في كرن تقريبًا.
كرار: من هم السكان الأصليون لكرن؟
هداد: السكان الأصليون هم السنحيت، وتسمّى المنطقة باسمهم، وعاصمتها كرن. ويمكن اعتبار كرن إرتريا المصغّرة لتنوع سكانها من بني عامر، بركا لعال، شيتل، وعد زمات، وكان سوقهم في كرن.
كرار: هل إقليم سنحيت هو إقليم البلين؟
هداد: نعم، يشمل مناطق البيجوك، الماريا، المنسع، بيت طوقي (عنسبا وحلحل)، وكرن وضواحيها، ويُعرف بأنه أرض البلين.
كرار: ما هي لغات التخاطب في كرن في الستينات؟
هداد: اللغة المشتركة هي التقرايت، تليها البليناوية.
كرار: وكيف كان التعايش الديني بين المسلمين والمسيحيين واليهود؟
هداد: كان التعايش قائمًا دون خلافات تُذكر. المشايخ المشهورون هم المراغنة (عد سيدي)، ويقال إنهم قدموا من الحجاز ومن بني هاشم، ووصلوا كرن في زمن الطليان. وقد ضيّق عليهم الطليان في البداية حتى لا يستقطبوا الناس للإسلام.
دخل المراغنة إرتريا برًا عبر السودان، وتعرّضوا لمضايقات من الإيطاليين والإنجليز، لكن القبائل الإريترية احتضنتهم، فانتشر الإسلام عبرهم. وكان لـ عد معلم وعد درقي دور كبير في التعليم والدعوة. التعليم كان عبر الخلاوي، وأول معهد تأسس في كرن كان على يد الشيخ محمد صالح والد الدكتور جلال الدين.
كرار: وكيف كان نشاط الكنائس؟
هداد: كان في كرن الكاثوليك بدعم كبير من إيطاليا، والتوهدو بدعم من الإمبراطور هيلي سلاسي، والبروتستانت (إسبديس) وكان نشاطهم محدودًا.
كرار: هل كان هناك صراع بين الطوائف؟
هداد: لم يكن هناك صراع بالمعنى المعروف، وكان التعايش قائمًا. الخلافات كانت بين الشباب فقط، أما رجال الدين فلم يكن بينهم نزاع.
كرار: وكيف كان المجتمع يستقبل النشاط الديني؟
هداد: التبشير كان في الطرقات، أما الدعوة الإسلامية فكانت داخل المساجد فقط، ولم تكن هناك دعوة في الأركان كما نراها اليوم.
كرار: كيف كانت العلاقات الاجتماعية في المناسبات؟
هداد: كانت قوية ومترابطة، خاصة بين من تربطهم أواصر النسب والجوار.
كرار: وماذا عن العلاقات العملية؟
هداد: كل جهة كانت تفضّل تشغيل أبناء جلدتها. السودانيون يعملون في جراديينهم، والإيطاليون وأبناء البلد يستخدمون العمالة الوطنية دون تمييز. أما البيع فكان للجميع. وكانت المنتجات تأتي من القرى مثل أدربا، عنسبا، عد دقيشحاي، مترأس ألبا، عيلا برعد، أبرنقاقا وغيرها.
كرار: هل كانت هناك مناطق أخرى تسوّق منتجاتها في كرن؟
هداد: نعم، منها بيجوك، وحملمالو، وعد أورتلا في دعاري، وغيرها. كما كان سباق السيارات السنوي كورسو يقام في كرن، وتأتي سيارات السباق من إيطاليا، ويحضر الإيطاليون وسكان كرن وضواحيها. وكان السباق يقام بين جيرا فيوري ومستشفى كرن، وتوضع بالات القش على جانبي الطريق لحماية المتفرجين.
هداد: السوق كان ينتعش أيام السباق، خصوصًا سوق برا الذي يعمل فيه كثير من أبناء غرب أفريقيا، وتباع فيه منتجات محلية مثل السكسك والغوايش والمصنوعات العاجية والذهب والفضة والفخار. كما كان الأمريكيون من قاعدة كانوستين يزورون كرن في عطلة نهاية الأسبوع وينزلون في قراند هوتيل. وفي أيام كندي كانت تصل مساعدات الدقيق في أكياس قماش تحمل العلم الأمريكي، ويصنع الخياطون منها قمصانًا تباع للأمريكان، وكان يقال: إيتركبا كندي وحرجوا.
كرار: أخي هداد، ما شاء الله، لك ذاكرة قوية. ذكرت لنا أحداثًا كثيرة من فترة الستينات، وهي فترة الاستعمار القديم والحديث وما صاحبها من تأثيرات. استمتعنا بهذا اللقاء، وتعرّفنا على التنوع السكاني والاجتماعي والديني والمواصلات وسباق السيارات. الحديث ذو شجون، وسيكون لنا لقاءات أخرى بإذن الله نتناول فيها مزيدًا من مميزات كرن في تلك الحقبة. وإلى ذلك الحين نستودعك الله.
بقلم / حسين رمضان



