آبسلاب ارترياالمنبر الحر

سو-35 فوق أديس أبابا: حين تُمنح آلة القتل الروسية لنظام يمعن في إبادة شعبه

النخب

الحلقة 246: “

الترجمة والتحليل: ابسلاب ارتريا

المقدمة

في مشهد يعكس ازدواجية المعايير في السياسة الدولية، أعلنت إثيوبيا قبل أيام استلامها 12 مقاتلة روسية من طراز “سو-35”، في صفقة تم وصفها بأنها “إنجاز تاريخي”، بينما تستمر آلة القمع الإثيوبية في حصد أرواح المدنيين في تيغراي وأمهرة. هذا النظام، الذي اتُهم مراراً بارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، يحصل الآن على أسلحة متطورة كانت مصر قد رفضتها لأسباب فنية وسياسية، في مفارقة تكشف أن بعض الأنظمة لا تكتفي بارتكاب الجرائم، بل تُكافأ عليها بأحدث أدوات الموت.

عناصر المقال

  1. من مصر إلى إثيوبيا: صفقة “السلاح المرفوض”

في عام 2018، وقعت مصر عقداً لشراء 24 طائرة “سو-35” بقيمة 2 مليار دولار، لكنها ألغت الصفقة عام 2020 تحت وطأة ضغوط أمريكية بموجب قانون “كاتسا” (CAATSA)، إلى جانب اكتشاف عيوب تقنية خطيرة في الرادار وأنظمة الحرب الإلكترونية والمحركات. الطائرات التي كانت مخصصة لمصر هي ذاتها التي انتهى بها المطاف في إثيوبيا (إلى جانب الجزائر)، حيث حملت أول طائرتين وصلتا إلى أديس أبابا الرقمين التسلسليين 2551 و2552، وهما من الطائرات المصنعة أصلاً ضمن العقد المصري الملغى. بمعنى آخر: إثيوبيا قبلت بـ”السلاح الذي رفضته القاهرة”، ليس لأنها أكثر قدرة على تقييمه، بل لأن حسابات النظام في أديس أبابا لا علاقة لها بمعايير الردع الحديثة، بل بالبحث عن أي أداة تعزز قدرته على البقاء والقمع.

  1. “مكاسب” تكتيكية لا تخفي فشلاً استراتيجياً

التقييمات المصرية التي كشفت عيوب “سو-35” لم تكن مجرد ذريعة سياسية؛ فقد أظهرت أن رادار “إيربيس-إي” من نوع PESA يستخدم مواد زرنيخيد الغاليوم، وهو أقل كفاءة في مقاومة التشويش من رادارات AESA الغربية التي تعتمد نيتريد الغاليوم. كما أن أنظمة الحرب الإلكترونية وُصفت بأنها “ضعيفة” ولا تحمي الطائرة من التهديدات الحديثة، بينما تنتج محركات AL-41F1S بصمة حرارية وصوتية عالية تجعل الطائرة صيداً سهلاً للمستشعرات الحرارية، مع استهلاك وقود يفوق نظيراتها الغربية. والأهم من ذلك، أن “سو-35” لا تملك Link-16 ولا تستطيع الاندماج في شبكات القيادة والسيطرة الغربية، مما يجعلها “جزيرة معزولة” في أي معركة حديثة. هذه العيوب وحدها كافية للقول إن حصول إثيوبيا على هذه الطائرات لا يمنحها “تفوقاً جوياً” حقيقياً، بل يمنحها مجرد وهم قوة تستخدمه للاستعراض والتهديد.

  1. “المستعمر” الذي يشتري الأسلحة ليواصل الإبادة

السخرية الكبرى أن هذا التسليح يأتي في وقت تواصل فيه القوات الإثيوبية وحلفاؤها ارتكاب فظائع موثقة ضد سكان تيغراي. تقارير وكالة “أسوشيتد برس” (AP) وثقت عمليات “تطهير عرقي” ممنهجة، شملت حرق بطاقات الهوية التي تحمل كلمة “تيغراي”، وإصدار بطاقات جديدة بلغة الأمهرة، في محاولة لمحو الوجود التيغرايي بالكامل. وشهادات اللاجئين تتحدث عن “إبادة جماعية”، وعن مئات الآلاف من القتلى، وعن اغتصاب جماعي وعمليات قتل جماعي على ضفاف الأنهار. هذا هو “الاستعمار” الجديد: نظام يشتري مقاتلات بمليارات الدولارات بينما يترك شعبه يتضور جوعاً، ويستخدم القوة الجوية ليس لحماية الحدود، بل لترويع المدنيين وإخماد أي صوت معارض.

  1. من يدفع الثمن؟ الإمارات… الشريك الصامت في الجريمة

الصفقة لم تكن لتنجح لولا التمويل الإماراتي السخي. تقارير متعددة تشير إلى أن أبوظبي موّلت شراء 12 مقاتلة “سو-35” وأربع بطاريات “إس-400” بمليارات الدولارات، في إطار استراتيجية إماراتية لاستخدام إثيوبيا كأداة ضغط ضد مصر (بسبب سد النهضة) وتعزيز النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. الإمارات، التي تقدم نفسها كحليف “معتدل”، تدفع فاتورة تسليح نظام متهم بارتكاب جرائم حرب، وتضع بذلك نفسها شريكة في الدم الذي يُسفك. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل تمويل الإمارات لهذه الصفقة يهدف حقاً إلى “الاستقرار”، أم إلى إشعال سباق تسلح جديد في منطقة تعاني أصلاً من الحروب والمجاعات؟

  1. “تفوق” وهمي… وسقف منخفض للتوقعات

قد يجادل البعض بأن امتلاك إثيوبيا لـ”سو-35” يغير قواعد اللعبة، لكن الحقيقة أن هذه الطائرات تواجه مستقبلاً غامضاً. فروسيا، الخاضعة لعقوبات غربية قاسية، قد لا تتمكن من تأمين قطع الغيار والصيانة اللازمة لأسطولها الخاص، فما بالك بأسطول عميل جديد. كما أن البنية التحتية الإثيوبية للصيانة والإصلاح غير معروفة، والطيارون والفنيون يحتاجون إلى سنوات من التدريب للوصول إلى مستوى الكفاءة القتالية. والأهم من ذلك، أن هذه الطائرات لن تغير حقيقة أن إثيوبيا دولة فقيرة، مثقلة بالديون، ومحاصرة بالصراعات الداخلية، وأن “القوة الجوية” لا تعوض غياب الشرعية والعدالة.

الخاتمة

ما يحدث في إثيوبيا ليس مجرد صفقة أسلحة، بل هو فصل جديد في مسلسل “الاستعمار الداخلي” الذي يمارسه نظام أديس أبابا ضد شعبه. الحصول على “سو-35” لا يجعل من إثيوبيا قوة عظمى، بل يجعلها نظاماً أكثر خطورة على شعبه وعلى جيرانه.

والمفارقة الأكبر أن هذه الطائرات، التي رفضتها مصر لأنها “لا تناسب طموحها العسكري”، وجدت طريقها إلى نظام لا يملك أي طموح سوى البقاء على حساب الدم.

الإمارات، التي تدفع الفاتورة، تتحمل جزءاً من المسؤولية الأخلاقية عن أي جريمة جديدة ترتكب بهذه الأسلحة. والمجتمع الدولي، الذي يكتفي ببيانات الإدانة، يترك “المستعمر” الإثيوبي يشتري آلات الموت ليواصل حصاده.

لكن التاريخ يذكر دائماً أن الأنظمة التي تبني مجدها على جماجم شعوبها لا تدوم، وأن الطائرات مهما بلغت من تطور، لا تستطيع أن تحمي نظاماً فقد شرعيته إلى الأبد.

المصادر الغربية

‏1. SOFX (الولايات المتحدة): تقرير بعنوان “Ethiopia Unveils Russian Su-35 Fighter Acquisition as First Jets Land From Moscow”، نشر في 29 أكتوبر 2026، ويؤكد استلام إثيوبيا للطائرات وسط استمرار القتال في تيغراي وأمهرة.

‏2. Reuters (المملكة المتحدة): وكالة الأنباء التي نقلت عن “روسوبورون إكسبورت” الروسية تأكيدها وصول أول دفعتين من الطائرات في 28 أكتوبر 2026، مما يكشف التناقض بين إعلان آبي أحمد واستلام 12 طائرة فعلياً.

‏3. Associated Press (الولايات المتحدة): تحقيق بعنوان “‘Leave no Tigrayan’: In Ethiopia, an ethnicity is erased”، نشر في أبريل 2026، يوثق جرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية التي ارتكبتها القوات الإثيوبية وحلفاؤها ضد سكان تيغراي، بما في ذلك حرق بطاقات الهوية ومحو كلمة “تيغراي” من الوثائق الرسمية.

إلى اللقاء في الحلقة القادمة، …….

ابسلاب ارتريا


التعليقات

يمكنك الرد على هذا التعليق

ابحث في الموقع

العودة للأعلى