النخب
الحلقة 238: هل إريتريا في ورطة؟ القرارات المصيرية على ضفاف باب المندب
تحليل: ابسلاب ارتريا
المقدمة
في غضون 72 ساعة فقط، تغيّرت خريطة القوة في أحد أهم الممرات المائية في العالم. مقاتلو الحوثي في اليمن استكملوا سيطرتهم على منطقة باب المندب وجزيرة ميون (بريم) الاستراتيجية الواقعة في وسط المضيق، بعد انسحاب القوات الحكومية اليمنية منها، ووصلوا إلى جزر حنيش في البحر الأحمر. هذه التطورات وضعت إريتريا، الجارة المقابلة للمضيق، أمام واحدة من أعقد لحظات القرار في تاريخها الحديث: بين التعاون مع الحوثيين المدعومين من إيران، أو الانحياز للسعودية التي تسعى لاستخدام الأراضي الإريترية لضرب الحوثيين، أو محاولة البقاء في منطقة رمادية محفوفة بالمخاطر.
أولاً: السياق الجيوسياسي — باب المندب بين فكي القوة
مضيق باب المندب ليس مجرد ممر مائي، بل شريان حيوي للاقتصاد العالمي. يمر عبره ما بين 12% إلى 15% من التجارة العالمية، ونحو 30% من تجارة الحاويات، إضافة إلى أكثر من تريليون دولار من البضائع سنويًا، فضلًا عن نحو 10% من تجارة النفط المنقولة بحرًا. السيطرة الحوثية على جزيرة بريم تعني أن الحوثيين يستطيعون تقسيم الممر الملاحي إلى قسمين، وإصابة أي سفينة تمر عبر المضيق بصاروخ مضاد للدروع بسيط دون الحاجة إلى طائرات مسيرة أو صواريخ باليستية.
هذه السيطرة لا تهدد الملاحة الدولية فحسب، بل تمنح الحوثيين ورقة ضغط استراتيجية غير مسبوقة. وبينما يحاول الحوثيون طمأنة ملاك السفن بأن حركة الشحن تظل آمنة باستثناء السفن المرتبطة بالسعودية، فإن مضيق باب المندب كان يمثل مسارًا حيويًا لإمدادات النفط الخام من السعودية إلى آسيا، خاصة بعد أن واجهت حركة الشحن عبر مضيق هرمز قيودًا بسبب التهديدات الإيرانية. ومع تعرض هرمز لضغوط حادة، باتت اثنتان من أهم نقاط الاختناق البحرية المرتبطة بتدفقات النفط والتجارة العالمية تواجهان اضطرابات متزامنة.
في هذا السياق، تجد إريتريا نفسها في قلب العاصفة. فساحلها الممتد على البحر الأحمر، وميناء عصب تحديدًا، يشكلان موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية لأي قوة تسعى للسيطرة على المضيق أو تأمينه.
ثانيًا: الجانب السياسي — إريتريا بين واشنطن والرياض وطهران
المشهد السياسي الإريتري معقد ومتشابك. ففي يوليو 2026، كشفت تقارير عن أن السعودية تعمل بالتنسيق مع إريتريا على إعادة تشغيل قاعدة بحرية وجوية استراتيجية على ساحل البحر الأحمر بالقرب من ميناء عصب، في إطار تحرك يهدف إلى مواجهة التهديدات الحوثية المتزايدة. هذه القاعدة، التي أنشأتها الإمارات عام 2015 لدعم عمليات التحالف ضد الحوثيين، تقع على بعد بضعة كيلومترات شمال غربي مضيق باب المندب.
في المقابل، هناك اتهامات متكررة بإريتريا بالتعاون مع الحوثيين. تقارير حديثة نقلت عن مصادر يمنية وإقليمية أن الحوثيين “يعيدون ترسيخ وجودهم في إريتريا، بدعم إيراني مجددًا”، وأن الجماعة تستخدم إريتريا كمركز تهريب للأسلحة القادمة من طهران إلى اليمن. هذه الاتهامات ليست جديدة، لكنها تكتسب خطورة مضاعفة في ظل التطورات الأخيرة.
وقد نقل موقع “أكسيوس” عن مسؤولين أمريكيين أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أجرى اتصالين هاتفيين بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وحثه على شن ضربات ضد الحوثيين، غير أن ترامب رفض الطلب. هذا الرفض الأمريكي يضع الرياض في موقف صعب، ويدفعها للبحث عن بدائل، وعلى رأسها القاعدة الإريترية.
الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فإريتريا تواجه أيضًا توترًا متصاعدًا مع إثيوبيا، التي تطالب بمنفذ بحري سيادي وتركز على ميناء عصب الإريتري. ونشرت وزارة الخارجية الإريترية وثيقة بعنوان “السيادة في مواجهة طموح الهيمنة: السعي التوسعي الإثيوبي إلى منفذ بحري”، ردًا على تصريحات رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد التي وصف فيها نفاذ بلاده إلى البحر بأنه “هدف وجودي لا رجعة فيه”. وقد طلبت إريتريا من السعوديين دعمها في مواجهة إثيوبيا، بينما كانت الإمارات تدعم أديس أبابا، مما يجعل العلاقة مع الرياض ورقة حساسة في يد أسمرا.
ثالثًا: الجانب الاقتصادي — ميناء عصب بين الطموح الإثيوبي والمصالح السعودية
اقتصاديًا، تمثل أزمة باب المندب فرصة استراتيجية لإريتريا ومخاطرة وجودية في آن واحد. فميناء عصب، الذي يقع على بعد كيلومترات من مضيق باب المندب، كان تاريخيًا منفذًا تجاريًا حيويًا لإثيوبيا الحبيسة. وبعد استقلال إريتريا عام 1993، فتحت أسمرا موانئها للتجارة الإثيوبية “بشروط سخية”، لكن العلاقات تدهورت بعد حرب 1998-2000.
اليوم، تعيد السعودية إحياء القاعدة العسكرية في عصب، وهو ما قد يمنح إريتريا عوائد اقتصادية كبيرة من خلال الاستثمارات والرسوم التشغيلية. لكن هذه العوائد تأتي مصحوبة بمخاطر أمنية ضخمة. فإذا قررت إريتريا الانحياز بشكل كامل للسعودية، فإنها قد تخسر أي دور اقتصادي محتمل في شبكات التهريب التي تمر عبر أراضيها، والتي تشكل مصدر دخل غير رسمي لبعض النخب الإريترية.
في المقابل، استمرار التوتر في باب المندب يرفع كلفة التأمين على الشحن البحري، ويزيد من زمن الرحلات واستهلاك الوقود وكلفة النقل. وقد دفعت هجمات الحوثيين على حركة الملاحة عبر باب المندب منذ أواخر 2023 العديد من شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، مما أثر سلبًا على قناة السويس ومصر، وعلى الاقتصاد الإريتري الذي يعتمد جزئيًا على حركة الملاحة في البحر الأحمر.
رابعًا: الجانب الأمني والعسكري — الحوثيون على بعد كيلومترات من الساحل الإريتري
من الناحية العسكرية، السيطرة الحوثية على جزر حنيش وبريم وضعت مقاتلي الجماعة على بعد كيلومترات فقط من السواحل الإريترية والجيبوتية. وقد نشر الحوثيون فيديو يُظهر مدى قربهم من باب المندب، وأكدوا أنهم يستطيعون نصب مدفعية في المناطق الساحلية التي يوجدون فيها، وأن المدفعية يمكنها بسهولة إصابة السفن التي تمر عبر المضيق دون الحاجة إلى طائرات مسيرة أو صواريخ.
الخطر العسكري على إريتريا متعدد الأوجه. فإذا سمحت أسمرا للسعودية باستخدام قاعدة عصب لشن ضربات على الحوثيين، فإن الجماعة قد ترد بهجمات على الأراضي الإريترية. والحوثيون يمتلكون قدرات صاروخية وطائرات مسيرة أثبتت فعاليتها في ضرب أهداف في السعودية، بما في ذلك مصافي النفط وخطوط الأنابيب.
من ناحية أخرى، تواصل إيران تعزيز قدرات الحوثيين عبر شبكات تهريب معقدة. كشفت تقارير عن أن طائرة شحن من بيلاروسيا (شركة ريدا) شوهدت وهي تتجه من طهران إلى إريتريا، ومن المحتمل أن تكون قد هبطت في مطار مصوع أو أسمرا، قبل أن تختفي من على الرادار. ويُعتقد أن هذه الرحلات تحمل معدات عسكرية تُنقل لاحقًا إلى اليمن عبر سفن صغيرة يصعب تتبعها. كما أشارت تقارير إلى أن شبكات التهريب هذه “تتلقى مساعدة من مسؤولين إريتريين تربطهم علاقات وثيقة بإيران”.
هذا الوضع يضع إريتريا أمام معادلة أمنية صعبة: إذا انحازت للسعودية، تخسر إيران والحوثيين معًا. وإذا بقيت على الحياد، تخسر دعم الرياض في مواجهتها المستقبلية مع إثيوبيا. أما إذا استمرت في التعاون مع الحوثيين، فإنها تخاطر بمواجهة عسكرية مباشرة مع السعودية وحلفائها.
خامسًا: الجانب الاجتماعي والثقافي — قبيلة العفر في مرمى الاستقطاب
على المستوى الاجتماعي والثقافي، كشفت اعترافات مواطن إريتري من قبيلة العفر عن نشاط مكثف للحوثيين في منطقة القرن الأفريقي. وأشار المصدر إلى أن الحوثيين فتحوا معسكراتهم لاستقبال العديد من أبناء قبائل العفر، المنتشرة في إريتريا وجيبوتي وإثيوبيا، لتأهيلهم من خلال دورات “ثقافية” وتدريبات عسكرية.
وبحسب هذه الاعترافات، عرض الحوثيون على المتدربين إرسال أطفال من قبيلة العفر إلى اليمن لتغيير معتقداتهم المذهبية، بعد أن تأكدوا من صعوبة تحقيق ذلك بين البالغين. كما قدموا وعودًا إيرانية بدعم استقلال إقليم العفر عن الدول الثلاث. هذا الاستقطاب العابر للحدود يهدد النسيج الاجتماعي الإريتري، ويثير مخاوف من تحويل قبيلة العفر إلى أداة في الصراع الإقليمي.
إريتريا مجتمع متعدد الثقافات، يضم تسع مجموعات لغوية رئيسية تتحدث لغات سامية وكوشية، من بينها التغرينية والتقري والعفر. وقد عانت هذه المجموعات تاريخيًا من سياسات التوحيد الثقافي التي انتهجها نظام أسمرا. والآن، مع استغلال الحوثيين للانقسامات القبلية والطائفية، قد يتحول هذا التنوع من مصدر ثراء إلى نقطة ضعف قابلة للاستغلال.
الخاتمة
إريتريا تقف اليوم على مفترق طرق استراتيجي لا يحتمل التأجيل. فالتطورات المتسارعة في باب المندب، والضغوط السعودية لاستخدام الأراضي الإريترية، والاتهامات بالتعاون مع الحوثيين، والتوتر المتصاعد مع إثيوبيا، كلها عوامل تفرض على أسمرا اتخاذ قرارات مصيرية.
التاريخ يعلّمنا أن إريتريا لا تبقى محايدة عادةً. فعندما اندلعت الحرب في السودان، استغرقت بعض الوقت، ثم دعمت الجيش السوداني لإبعاد قوات الدعم السريع عن حدودها. لكن هذه المرة، القرار أكثر تعقيدًا: أي انحياز سيكون له ثمن باهظ. الانحياز للسعودية يعني مواجهة محتملة مع إيران والحوثيين. والبقاء على الحياد يعني خسارة دعم الرياض في أي مواجهة مستقبلية مع إثيوبيا حول ميناء عصب. والتعاون مع الحوثيين يعني المخاطرة بعلاقاتها مع الخليج والغرب.
ربما تختار إريتريا، كما تفعل غالبًا، التريث والمداولات الوافية قبل اتخاذ القرار، وانتظار مسار الانتصارات والخسائر لأطراف الصراع. لكن الوقت ليس في صالحها. فالحوثيون على بعد كيلومترات من سواحلها، والقاعدة العسكرية في عصب تنتظر قرارًا، والمضيق الذي يمر عبره اقتصاد العالم يتحول بسرعة إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
السؤال ليس فقط: هل إريتريا في ورطة؟
بل: هل تستطيع إريتريا أن تتحمل ثمن أي قرار تتخذه؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.
المصادر
1. BBC News عربي — “باب المندب: الحوثيون يسيطرون على المضيق، وتقرير يفيد: ترامب يرفض طلباً من ولي العهد السعودي باستهدافهم”، 11 سبتمبر 2026.
- يمن شباب نت — “إريتريا وتهريب السلاح الإيراني إلى اليمن.. كيف يتمدد الحوثيون في القرن الأفريقي؟”، 2 سبتمبر 2026.
3. Lebanon Debate — “باب المندب يشتعل… السعودية تجهز ضربة استراتيجية للحوثيين”، 22 يوليو 2026.
إلى اللقاء في الحلقة القادمة، …….
ابسلاب ارتريا




