
الناشر: دار ملهمون للنشر والتوزيع، دبي، 2020–2021، نحو 250 صفحة.
المقدمة
الرواية سيرة حقيقية لوالدة الكاتبة، “رمانة“. وتقدّمها الكاتبة بوصفها “قصة حياة، رحلة عمر” أكثر من كونها رواية متخيَّلة. ويأتي العنوان من صورة الأم وهي تصبّ القهوة، وكأن جلسة القهوة نافذة على حكايتها وذاكرة العائلة.
أمي صبابة القهوة، رواية اجتماعية تدور في فضاء أسري حميمي، في حي “أم الحمام” بالرياض، وتتخذ من “القهوة” وطقس إعدادها وصبّها رمزًا مركزيًا يربط بين الأجيال، ويحمل دلالات الحنين والدفء والذاكرة العائلية وكسب العيش، إذ تعمل “رمانة” صبابة للقهوة بعد وفاة زوجها، لتوفّر حياة كريمة لأولادها في أرض المهجر والغربة.
المحاور الرئيسية
الهجرة سيرًا على الأقدام (من إرتريا إلى السودان): تبدأ الرحلة بنزوح شاق على الأقدام، هربًا من الحرب التي مزّقت الوطن وفرّقت العائلة. تُبرز الرواية ظلم الحرب وأثرها في تشتيت العائلات الإرترية.
الغربة والانتماء: تعيش الأم في بلد لا تحمل جنسيته، وتطرح الرواية سؤالًا موجعًا: كيف يكون الانتماء إلى مكان لا يعترف بك رسميًا؟ ومن أنت بين هويتك الأصلية وهويتك الجديدة المكتسبة؟
أربعون عامًا بلا استقرار: حياة كاملة من التنقل والقلق وانتظار الأمان.
الأمومة والمسؤولية: امرأة حكيمة صلبة، حملت وحدها مسؤولية تربية خمسة أطفال بعد رحيل زوجها، الذي عانى المرض وواجه صعوبات قاسية في أيامه الأخيرة. ورغم قسوة الحياة وتحدياتها وآلام الشتات، ظلّت تحافظ على تماسك أسرتها.
الأسلوب والقيمة: كُتبت الرواية بلغة سهلة دافئة، وتفيض بمشاعر الكاتبة الصادقة تجاه أمها، وإن كانت تنتقل أحيانًا بسرعة من موضوع إلى آخر. وقد وصفها الدكتور عبد الله الغذامي بأنها «عميقة في إنسانيتها وإبداعيتها». وهي تعبّر عن أسئلة الوطن والغربة والانتماء لدى الإرتريين في السعودية. وللكاتبة رواية ثانية بعنوان «أم الحمام»، تسير على النسق نفسه زمانًا ومكانًا.
الخلاصة
“أمي صبابة القهوة” تحية وفاء من ابنة لأمها، وشهادة إنسانية على تجربة الهجرة واللجوء الإرتري. وتقدّم الأم رمزًا للصبر والكرامة والقدرة على صنع وطن صغير داخل الأسرة حين يغيب الوطن الكبير.
إنها رواية مؤثرة، وقراءتها ضرورية لكثير من الإرتريين الذين يعيشون في المنفى. فهي تلامس، بشكل مباشر أو غير مباشر، جوانب كثيرة من حياة الشتات: الرحلة الطويلة بعيدًا عن الوطن، وعدم اليقين في الانتماء، وثقل المسؤولية، والقوة الصامتة لأمهات حافظن على تماسك أسرهن بعيدًا عن الديار. وسيجد كثير من القرّاء بين صفحاتها قصتهم، أو قصة شخص يحبونه.
حين تصبح الرواية مرآةً لحكاياتنا
اقتنيت رواية «أمي صبابة القهوة» قبل بضع سنين، وظلّت تنتظرني على الرفّ بسبب انشغالي، حتى تمكّنت أخيرًا من قراءتها، فكانت المفاجأة. وجدتها رواية جميلة مشحونة بالعواطف، واقعية وصادقة. تروي حياة عائلة إرترية تعيش في الرياض ومأساتها، لكنها في الحقيقة ترمز إلى عشرات، بل آلاف الحالات المتشابهة التي عاشها الإرتريون في المهجر.
تلامس هذه الرواية مشاعر كثير من الإرتريين في بلاد الغربة وأحاسيسهم، وتكشف تحديات الغربة ومآسيها. فلكل لاجئ إرتري حكايته وسرديته، وكثير من هذه الحكايات متشابهة، وإن تفاوتت في حجم المآسي وشدة التحديات.
رواية هزّت مشاعري: هزّت هذه الرواية مشاعري ولامست دواخلي، ونبشت في عقلي الباطن ذكريات دفينة، فإذا بها تعود إليّ حيّةً كأنها حدثت بالأمس. قرأتها بتركيز شديد، فوجدت سردًا جميلًا ولغةً من السهل الممتنع، ووجدت نفسي جزءًا من الرواية. كنت أشعر أحيانًا أنها تتحدث عني، وأحيانًا أخرى عن فلان أو عن عائلة فلان وعلان ممن أعرفهم.
فأنا، مثل والدة الروائية، غادرت إرتريا إلى السودان عام 1975، وأعرف تجربة اللجوء إلى السودان. وعشت كذلك في المملكة العربية السعودية، وأعرف عن قرب حكايات حقيقية مماثلة: مرض الوالد ربّ الأسرة، ثم وفاته، ثم مشاكل الكفيل ونقل الكفالة، ثم تنكّر بعض الأقارب والأصدقاء وابتعادهم. هؤلاء كانوا يترددون على البيت ويستفيدون كثيرًا في حياة الوالد، فلما رحل تخلّوا عن أسرته. تتحدث الرواية عن النكران وعدم الوفاء، أي عن الجانب المظلم من الحياة.
وتتحدث الرواية كذلك عن تدخّل الأهل والأصدقاء في تنكيد حياة زوجة الأخ أو غيرها، وهو تسلّط موجود في مجتمعنا، يا للأسف الشديد.
ما ذكرت من حكايات لا يعني أن الحياة في السعودية كانت كلها سوداء قاتمة. فهذه الحكايات جانب واحد من جوانب الحياة هناك، وليست الصورة كاملة. ولكل مجتمع إيجابياته وسلبياته، وفيه الطيب والخبيث، والكريم واللئيم. والإنصاف يقتضي أن نذكر الوجهين معًا، فلا نعمّم الظلم على شعب بأكمله، ولا نُخفي الخير حيث وُجد.
وكما تذكر الرواية الدكتورة نورة، تلك السعودية الفاضلة النبيلة التي وقفت إلى جانب الأسرة في محنتها، فإن في السعودية كثيرين من أهل الخير والمحسنين، الذين مدّوا يد العون للمغتربين في صمت، دون منٍّ ولا أذى. فهؤلاء يجب أن نذكرهم بالخير، ونعترف بفضلهم، ونحفظ لهم جميلهم، فهم الوجه المضيء الذي خفّف عن كثير منّا قسوة الغربة.
أما الذروة فكانت عند وفاة طاهر، زوج رمانة ووالد الروائية. عندها لم أستطع كتمان مشاعري، وترقرقت عيناي بالدموع. لقد استطاعت الكاتبة أن تهزّ كياني ومشاعري، وصوّرت الموقف ببراعة.
نجحت الروائية سارة طاهر في نقل هذه الحكاية بأسلوب سهل ومؤثر، فهي روائية مميزة. أتمنى لها الاستمرار في الإبداع وكتابة روايات أخرى ناجحة، إن شاء الله.
تتحدث الرواية عن الحروب وآثارها المدمّرة على الشعوب، والحروب لم تتوقف في إرتريا حتى اليوم. وتتحدث كذلك عن الغربة وما تحمله من تحديات. وكما عايشتُ ذلك شخصيًا، كانت الحياة في السعودية صعبة جدًا على الوافدين، ولا سيما بسبب «نظام الكفيل» الذي كان يُخضع المكفول لمزاج الكفيل ومدى إنسانيته، دون أن يمنحه أي حقوق قانونية.
من الغربة إلى غربة أخرى: رحلة رمانة إلى كندا: بعد أربعين عامًا قضتها رمانة في السعودية، تجد نفسها مضطرة إلى الهجرة من جديد، هذه المرة إلى كندا، مع ابنها وزوجته وأبنائه. أربعون عامًا من العمر بنت فيها بيتًا وذكريات وعلاقات، ثم تحمل حقيبتها مرة أخرى وتبدأ من الصفر في أرض لا تعرفها. وهذه من أكبر المآسي التي يواجهها الإرتريون في المهجر: أن تكون الغربة محطات متتالية بلا نهاية، وأن يظل الإنسان مهاجرًا طوال حياته، لا يستقر في مكان ولا يعود إلى وطن.
وطنٌ تحرّر لكنه لم يتّسع لأبنائه: تحرّرت إرتريا من الاحتلال الإثيوبي قبل خمسة وثلاثين عامًا. وكان المنتظر أن تفتح أبوابها لأبنائها المشتّتين في أصقاع الأرض، فإذا بها تصبح دولة طاردة لا يُطاق العيش فيها ولا تُغري أحدًا بالعودة إليها. بل إن الهروب واللجوء منها مستمران حتى اليوم، بسبب نظام حكم فاشل عجز عن توفير أساسيات الحياة، من مياه الشرب والكهرباء والمواصلات إلى فرص العمل التي تضمن حياة كريمة.
وقد أدخل هذا النظام البلاد في أجواء مشحونة بعدم الاستقرار بسبب حروبه المتواصلة مع الجيران، وفرض على الشباب خدمة وطنية مفتوحة غير محدودة المدة، تلتهم أجمل سنوات أعمارهم. ولم يكتفِ بذلك، بل مارس الاعتقالات التعسفية دون تهمة ولا محاكمة، وغيّب العمل المؤسسي والدستوري، وكرّس الاستبداد والتسلّط السياسي.
كل لاجئ في العالم يحلم بأن يعود يومًا إلى وطنه، ولو بعد غياب طويل، إلا الإرتري. فالجميع يريد الخروج من إرتريا، ولا سيما الشباب، بحثًا عن حياة كريمة ومستقبل أفضل. ويا لها من مفارقة موجعة: شعب ناضل ثلاثين عامًا من أجل وطن حرّ، ثم صار أبناؤه يهربون منه!
ماذا بعد الحياة في الغرب؟: هنا تبدأ قصة أخرى لم تُروَ بعد. كيف تنتقل امرأة في خريف عمرها من بلد تتجاوز فيه درجة الحرارة أربعين درجة مئوية، إلى بلد تنخفض فيه إلى أربعين درجة تحت الصفر؟
ليس البرد وحده هو التحدي. فهناك لغة جديدة، وعادات وتقاليد مختلفة، وحياة اجتماعية مغايرة تمامًا لما ألفته: لا جيران يطرقون الباب، ولا جلسات قهوة تجمع الأحبة كما كانت في الرياض. إنها غربة من نوع آخر، غربة داخل الغربة.
كيف ستعيش رمانة هذه المرحلة؟ وهل ستجد في كندا الاستقرار الذي بحثت عنه أربعين عامًا؟ أم أن الحنين سيظل يشدّها إلى إرتريا وإلى الرياض معًا؟ هذه الأسئلة تتركها الرواية مفتوحة، ليتخيّل القارئ تفاصيلها ويكملها من نفسه. وربما تكون مادة لرواية قادمة تكتبها سارة طاهر.
مقارنات راقت لي
بعد أن أنهيت قراءة «أمي صبابة القهوة»، وجدت نفسي أستحضر أمّين أخريين خلّدهما الأدب والسينما العالميان: «نيلوفنا» في رواية «الأم» لمكسيم غوركي، و«رادها» في الفيلم الهندي الشهير «أمنا الهند»، المعروف عربيًا باسم «من أجل أبنائي».
تضحية رمانة في «أمي صبابة القهوة»: ضحّت رمانة بوطنها حين هاجرت مشيًا على الأقدام هربًا من الحرب، وضحّت باستقرارها فعاشت نحو أربعين عامًا في الغربة بلا جنسية ولا أمان. وضحّت كذلك براحتها، فبعد وفاة زوجها طاهر حملت وحدها مسؤولية خمسة أطفال، وواجهت قسوة الحياة وتنكّر بعض الأقارب. وكانت تضحيتها صامتة ويومية، داخل البيت وبعيدًا عن الأضواء.
تضحية نيلوفنا في «الأم»: تحكي الرواية قصة «نيلوفنا»، وهي امرأة روسية فقيرة بسيطة لا تقرأ ولا تكتب. عاشت سنوات طويلة خائفة مع زوج عامل قاسٍ وسكّير. وبعد وفاة الزوج، يتغيّر ابنها «بافل»، فيترك الشرب ويقرأ الكتب، وينضمّ إلى العمّال الذين يطالبون بالعدل والحرية ضد ظلم القيصر.
في البداية تخاف الأم على ابنها خوفًا شديدًا. لكنها تستمع إلى أفكاره وأفكار رفاقه، فتفهمها وتؤمن بها. وحين يُعتقل بافل، تكمل هي طريقه، فتنقل المنشورات سرًّا، وتخرج في المظاهرات، وتحضر محاكمته. وفي النهاية يُنفى بافل إلى سيبيريا، وتُعتقل الأم في محطة القطار وهي توزّع خطاب ابنها على الناس، وتُضرب وهي تصرخ بأن الحقيقة لا يمكن إغراقها في الدم.
ضحّت نيلوفنا بخوفها، فتحوّلت من امرأة مذعورة إلى امرأة شجاعة تواجه الشرطة. وضحّت بأمانها، فعرّضت نفسها للسجن والضرب من أجل قضية ابنها. بل ضحّت بنفسها من أجل الآخرين، فلم تعد أمًّا لبافل وحده، بل صارت أمًّا لكل المظلومين. وكانت تضحيتها علنية ونضالية، في الشارع وأمام الناس.
فيلم «أمنا الهند» (Mother India)، المعروف عربيًا باسم «من أجل أبنائي»
بطاقة الفيلم: فيلم هندي أُنتج عام 1957، من إخراج محبوب خان وبطولة نرجس في دور الأم «رادها». يُعدّ من أعظم الأفلام في تاريخ السينما الهندية، وكان أول فيلم هندي يُرشَّح لجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي.

القصة باختصار: تتزوج «رادها» من الفلاح الفقير «شامو». ولتغطية تكاليف الزفاف تقترض أسرة الزوج مالًا من المرابي الجشع «سوخيلالا». يفرض المرابي شروطًا ظالمة تجعل ثلاثة أرباع المحصول من نصيبه، فتغرق الأسرة في الديون.
يتعرّض الزوج لحادث مأساوي يفقد فيه ذراعيه، فيشعر بالعجز والعار ويهجر البيت. فتبقى رادها وحدها مع أطفالها، تحرث الأرض بيديها وتجرّ المحراث بدل الثيران. ويضرب الفيضان القرية فيموت أحد أطفالها، وتصارع الجوع والفقر. ويحاول المرابي استغلال حاجتها، فيعرض عليها الطعام مقابل شرفها، لكنها ترفض رغم الجوع وتتمسّك بكرامتها.
يكبر ابناها: «رامو» الهادئ المطيع، و«بيرجو» المتمرّد الغاضب الذي لم ينسَ ظلم المرابي لأمه. يتحوّل بيرجو إلى قاطع طريق، ويعود يوم زفاف ابنة المرابي لينتقم ويخطفها.
الذروة: كانت رادها قد وعدت أهل القرية بحماية شرف بناتها. فتقف في وجه ابنها الذي تحبه أكثر من أي شيء، وحين يرفض التراجع تطلق عليه النار، فيموت بين ذراعيها. وفي نهاية الفيلم تفتتح رادها، وقد صارت عجوزًا، قناة ريٍّ لقريتها، رمزًا لميلاد الهند الجديدة.
تضحية الأم في الفيلم: ضحّت رادها بشبابها وراحتها، ورفضت أن تبيع شرفها لتطعم أطفالها. وفي النهاية ضحّت بأغلى ما تملك، ابنها، من أجل العدل والقيم. ولذلك صارت رمزًا لـ«الأم الهند» كلها، أي للوطن الصابر الذي لا ينكسر.
الربط بين الأمهات الثلاث
| رادها (امنا الهند) | نيلوفنا (الأم) | رمانة (أمي صبابة القهوة) | |
| المرابي والفقر | استبداد القيصر | الحرب والغربة ونظام الكفيل | الظالم |
| هجرها بعد عجزه | مات، وكان قاسيًا | مات، وكان سندها | غياب الزوج |
| العمل الشاق والكرامة، ثم الابن نفسه | الأمان والحرية من أجل القضية | الوطن والاستقرار من أجل الأبناء | نوع التضحية |
| الهند الصابرة | الشعب الروسي المقهور | الأم الإرترية في المنفى | الرمز |
الخلاصة: الأمهات الثلاث وجوه لأمٍّ واحدة. كل واحدة منهن امرأة بسيطة وجدت نفسها وحيدة في مواجهة الظلم بعد غياب الزوج، فحملت أبناءها وكرامتها معًا ولم تنكسر. رادها ضحّت بالكرامة والعدل، ونيلوفنا بالنضال، ورمانة بالصبر في الغربة. وتحوّلت كل منهن في النهاية إلى رمز لشعبها بأكمله.
جبران خليل جبران وصورة العدل
تذكّرت هنا أبياتًا لجبران خليل جبران (1883–1931)، الشاعر والكاتب والفيلسوف والرسام اللبناني الأمريكي، وأحد أبرز رواد أدب المهجر الذين أسهموا في تجديد الأدب العربي الحديث. يقول في قصيدته «المواكب»:
والعدلُ في الأرضِ يُبكي الجنَّ لو سمعوا … بهِ ويستضحكُ الأمواتُ لو نظروا
فالسجنُ والموتُ للجانينَ إن صغُروا … والمجدُ والفخرُ والإثراءُ إن كبُروا
فسارقُ الزهرِ مذمومٌ ومحتقَرٌ … وسارقُ الحقلِ يُدعى الباسلَ الخطِرُ
وقاتلُ الجسمِ مقتولٌ بفعلتهِ … وقاتلُ الروحِ لا تدري بهِ البشرُ
كم من أرواحٍ تُقتَل كل يوم، ولا أحد يدري بها… لا قاتلَ يُحاسَب، ولا قبرَ يُزار، ولا شاهدَ يُكتب عليه اسم. لكنها ليست منسيّة عند الله، ولن تكون منسيّة ما دام هناك من يكتب حكاياتها ويرويها.
هل تُنسينا الغربةُ الوطن؟
هل صحيح أن السنين في الغربة تمضي سريعًا، كأنها حلم قصير نستيقظ منه فإذا بالشَّعر قد شاب والعمر قد مضى؟ وهل يمكن للإنسان أن يهاجر بجسده، ويحمل الوطن معه في داخله، في قلبه وذاكرته ولهجته وفنجان قهوته؟
هل الاشتياق إلى الوطن وحلم العودة إليه حقّ لا يتلاشى مع الزمن، يكبر معنا كلما كبرنا؟ أم أن الزمن كفيل بكل شيء، يمحو الملامح ويُطفئ الحنين حتى يُنسينا الوطن؟
وهل الحل أن نتكيّف مع الظروف ونعيش حياتنا كما هي، فلا نبقى أسرى الماضي ولا نعلّق أعمارنا على عودة قد لا تأتي؟ أم أن في التكيّف نوعًا من الخيانة الصامتة لذاكرتنا وجذورنا؟
أسئلة يطرحها كل مغترب على نفسه في لحظات الصمت. وقد طرحتها رمانة على نفسها عبر أربعين عامًا من الغربة، وطرحها قبلها وبعدها آلاف الإرتريين المشتّتين في أصقاع الأرض. ولم يجد أحد منهم جوابًا شافيًا، لأن الحنين إلى الوطن ليس فكرة تُناقَش، بل جرح يسكن الروح.
فهل هناك من يستطيع أن يعلّمنا كيف “لا نشتاق”؟
علِّمني كيف لا أشتاق…
علِّمني كيف أقُصُّ جذورَ ذكرياتِ العودةِ من الأعماق…
علِّمني كيف تموتُ الدمعةُ في الأحداق…
علِّمني كيف يموتُ الحنينُ وتنتحرُ الأشواق…
لكن لا أحد يستطيع أن يعلّمنا ذلك، لأن الوطن ليس مكانًا نغادره، بل هو نحن. بتصرّف عن قصيدة «رسالة من تحت الماء» لنزار قباني.
أرسلُ رسالتي من تحت ماء الغربة، حاملًا أشواق العودة وحنينها… تلك العودة التي ما زالت بعيدة المنال.
كلمة ختام
حين أغلقت الصفحة الأخيرة من رواية «أمي صبابة القهوة»، شعرت أنني لم أُنهِ قراءة رواية، بل خرجت من مجلس قهوة طويل. جلست فيه إلى أمٍّ إرترية صبّت لي فناجين عمرها واحدًا تلو الآخر: فنجان الحرب، وفنجان الهجرة على الأقدام، وفنجان الغربة، وفنجان الفقد، وفنجان النكران، وفنجان الصبر الذي لا ينفد. وفي كل فنجان مرارة، لكن في قاعه دائمًا شيء من الحلاوة اسمه الأمل.
«رمانة» ليست أمّ سارة طاهر وحدها، بل هي أمّ كل واحد منّا. هي أمهاتنا اللواتي حملن الوطن في قلوبهن حين ضاع الوطن من تحت أقدامهن، وربّين أبناءهن في المنافي على حبّ أرض لم يرَها كثيرون منهم. وصببن القهوة لكل ضيف، ولم يسألهن أحد عن أوجاعهن.
لقد علّمتنا هذه الرواية أن الأدب ليس ترفًا، بل هو الذاكرة التي تنقذ الأرواح المنسيّة من الموت الثاني: موت النسيان. فكم من أرواح قُتلت ولم يدرِ بها أحد، وكم من حكايات دُفنت مع أصحابها في مقابر الغربة. ولذلك أقول لكل إرتري وإرترية: اكتبوا حكاياتكم، ودوّنوا ذاكرة أمهاتكم وآبائكم، فإن لم نكتبها نحن، فلن يكتبها أحد.
الأمّ نبعُ الحنان والمحبة، ورمزُ الوفاء والتضحية من أجل أبنائها. تسهر لينام أطفالها، وتجوع ليشبعوا، وتحمل همومهم في صمت دون أن تنتظر مقابلًا. وقصة الأم هي قصة المشاعر الصادقة، تستحق أن نصغي إليها بكل أحاسيسنا وجوارحنا، لأنها في الحقيقة قصة كل واحد منّا.
والأمّ هي محلّ البرّ والإكرام، ورمز التضحية، والفداء، والطُّهر، والنقاء. وهي الأصل الذي يتشرّف به الولد، وأحقّ الناس بصحبته، ويليها الأب في حق البرّ والصحبة. وقد أوصى الله تعالى بها فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]. وحين سأل رجلٌ رسولَ الله ﷺ: «مَن أحقُّ الناسِ بحُسنِ صحابتي؟» قال: «أمُّك». قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك». قال: ثم مَن؟ قال: «أمُّك». قال: ثم مَن؟ قال: «ثم أبوك» (متفق عليه).
وما «رمانة» في رواية «أمي صبابة القهوة» إلا صورة حيّة لهذه الأم: امرأة حملت همّ أبنائها في قلبها طوال سنين الغربة، حتى صارت مثالًا لكل أمّ إرترية حملت الوطن في قلبها وصبرت حتى النهاية.
شكرًا لسارة طاهر، لأنها كتبت بوفاء الابنة وصدق الشاهد. وشكرًا لكل «رمانة» صبرت وضحّت ولم تنكسر.
وأختم بالدعاء: اللهم ارحم من رحل من أمهاتنا وآبائنا في الغربة، واحفظ من بقي منهم، وأعِد لشعبنا وطنًا يتّسع لأبنائه، يعودون إليه لا يهربون منه، ويجلسون فيه إلى مجلس قهوة لا تكون فيه الغربة ضيفًا.
عامر صالح حقوس محمد
أكتوبر 2026




التعليقات